Ad

يؤثر الفن السابع منذ ابتكار الصور المتحركة motion pictures عام 1927م على حياتنا الاجتماعية وعالمنا الفكري والنفسي بطرق مختلفة، خصوصا أنه يسافر بنا إلى عوالم وثقافات وبلدان لم يكن متاحا لنا التعرف عليها لولا عدسات الكاميرات وعيون الشاشات، تاركا بذلك انطباعات سلبية أو إيجابية عنها في أذهاننا. هذا هو تحديدا ما فعلته أفلام المافيا التي أخذتنا لعالم العصابات والجريمة وأسرت من خلال شخصياتها قلوب ملايين المشاهدين حول العالم والذين راقبو تطورها عبر عقود عدة.

محتويات المقال :

لنصعد سويا آلة الزمن ونسافر عبرها بين أفلام المافيا ونشاهد تغيرات صناعتها.

بدأت القصة مع هجرة الإيطاليين عام 1920م إلى أمريكا، حيث فتحت بابا لعالم جديد من الأفكار والخيالات والإبداعات الدرامية أمام صناع السينما من خلال حكاوي “المافيا” خاصة.

عكست أولى أفلام العصابات Gangster movies فترة الكساد الاقتصادي ناقلة مشاعر الغضب والإحباط المرافقين لها في أفلام مثل Little Caesar 1931 و The Puplic Enemy 1931 و Scarface 1932.

إيطاليون-أمريكيون هم أبطال أفلام المافيا . ويعانون جميعا من نتائج تجاوزهم للقانون.

أهم أفلام المافيا
Scarface 1932: الفلم من بطولة Paul Muni وإخراج Howard Hawks & Richard Rosson ويروي قصة تسلق رجل عصابات عنيف لسلم النجاح في عالم المافيا. وهو مقتبس من قصة صعود Al Capone.

بقيت المافيا مسيطرة على الأفلام حتى سنة 1942م، حيث حل مكانها النازيون والوحوش Monster movies على الشاشة. لكن هذا لم يدم طويلا!

1950م، عام أعاد للمافيا مكانتها السينمائية، فما الذي حصل في ذلك العام؟!

قامت لجنة خاصة تابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي في تلك السنة بعقد جلسات استماع عامة غايتها مناقشة الجريمة المنظمة.

تسمر ملايين الأمريكيين أمام الشاشات ليشاهدوا افراد عصابات حقيقيين أمثال فرانك كوستيللو أثناء الإدلاء بشهادتهم في جلسات الاستماع.

الاعترافات التي ألهمت أفلام المافيا
Frank Costello: زعيم عائلة لوسيانو الإجرامية المنتمية للمافيا الإيطالية الأمريكية

ثم ظهر في بداية الستينات Joseph Valachi – جندي في عائلة Luciano – ليصبح نجم جلسات الاستماع، حيث تعرف العالم من خلاله على لقب المافيا الشهير La Casa Nostra.

ألهمت جلسات الاستماع هذه والاعترافات الكتاب وصناع السينما في مجال أفلام المافيا ليصدر عام 1969م كتاب ” أوراق فالاتشي Valachi Papers ” لكاتبه بيتر ماس Peter Maas وهو سيرة ذاتية عن حياة Joseph Valachi.

صدرت في ذات العام رواية ستغير للأبد ملامح السينما عامة وأفلام العصابات خاصة. إنها رواية “العراب The Godfather” لكاتبها Mrio Puzo والتي بنيت عليها ثلاثية السينما الأشهر والتي تحمل ذات الاسم.

كيف كتب Mario Puzo رواية العراب ؟!

رغم أن Puzo لم يكن خبيرا في تاريخ صقلية ولا في المافيا وعلاقاتها، إلا أنه كتب الرواية تحت الضغط الشديد والحاجة الملحة للمال، وتبعا له فإنه لم ينل أي مساعدة في كتابة الشخصيات ورسم خصوصيات أفراد عصابات المافيا، ويقول أنها كلها من نسج مخيلته.

حسنا، إن لم يكن لدى Mario أي معلومات عن المافيا، فكيف تمكن من رسم شخصياتهم وأفكارهم وتصرفاتهم بدقة بالغة دفعت أفرداها أنفسهم للاعتراف بصحة ما ورد في الرواية والفلم؟

يفسر لنا رأي أكاديمي ذلك بأن Puzo غاص في الطبيعة البشرية عميقا، ليحلل بأسلوب ناقد ودقيق المواقف تبعا لمعرفته بالسلوك البشري والانفعالات. كي نكون أكثر وضوحا فإن Puzo طرح هنا حالة بشرية هي “المافيا” وتعامل مع ما تفرضه من مواقف بناء على الفهم والتحليل النفسي لردات الفعل البشرية. قد يكون هذا ما جعل من الرواية والفلم لاحقا تصويرا واقعيا ومقنعا لعالم الجريمة المنظمة.

من عراب على الورق إلى عراب السينما التاريخي:

أهم أفلام المافيا

يروي Mario في “العراب” قصة المهاجر الصقلي Vito Corleone وعائلته، والعمل الذي بناه في نيويورك، وصراع ابنه مايكل الذي سيخلفه.

وجدت Paramount Pictures هذه القصة مثيرة جدا لتنال بذلك حقوق الرواية من أجل تحويلها إلى فلم سينمائي. وعين لهذه الغاية مدير الأستوديو Robert Evans المبدع Francis Capola ذو الأصل الإيطالي الأمريكي ليكون مخرجا للعمل. أما بالنسبة للسيناريو فقام كل من Mario Puzo و Capola بكتابته، فيما قام Marlon Brando بدور Don Corleone و Al Pacino بدور Michael. وتم إطلاق الفلم سنة 1972م.

“العراب” الفلم الحائز على ثلاث جوائز أوسكار إلى جانب ست وعشرين جائزة أخرى وثلاثين ترشيحا: ما الذي جعله مختلفا؟!

” إن الرجل الذي لا يقضي وقتا مع عائلته، لا يمكن أبدا أن يكون رجلا حقيقيا”

Don Corleone, The Godfather

قدم هذا الفلم لمحة أعم وأشمل وأكثر أصالة وعاطفية عن التجربة الإيطالية-الأمريكية رغم تقديمها من منظور عالم الجريمة المنظمة. حيث رسمت لمحة عن رجل المافيا كشخص متناقض، فهو عنيف مع أعدائه ولكنه مخلص لعائلته وأصدقائه. كما نظر “العراب” للمافيا من الداخل للخارج From inside out على عكس ما فعلته الأفلام السابقة التي تناولتها من وجهة نظر القانون.

توالت أفلام المافيا بعد النجاح الكبير الذي حققه “العراب” لعقود عدة، وكان من أهمها “Goodfellas” الصادر عام 1990 من إخراج مارتن سكورسيزي.

مسلسل من ست مواسم أراد له صناعه في البداية أن يكون فلما، ظهر ليستحوذ على عقول المشاهدين حتى اللحظة، إنه The Sopranos :

لقد نقل هذا المسلسل عبر أجزائه الستة المافيا من البيئة الحضرية “المدنية” التقليدية إلى بيئة الضواحي في نيو جيرسي، حيث يزور الشخصية الرئسية “توني سوبرانو” معالجة نفسية ليتعامل مع ضغوط العمل والعائلة، ويحاول مع رفاقه في عالم المسلسل تحقيق ذات الإنجازات ونمط الحياة الذي يعيشه زملاؤهم في الضواحي.

تميزت هذه السلسلة بإشارتها لأعمال خالدة عن عالم المافيا مثل The Godfather و Goodfellas و Public Enemy اعترافا منها بجميل هذه الأعمال على الثقافة الشعبية والفنية.

ماذا عن المافيا في السينما الإيطالية؟ كيف ظهرت؟!

عرض صناع السينما الإيطالية أفراد المافيا كأشخاص باهتين وغامضين ومفتقدين للجاذبية متأثرين بجرائمهم على أرض الواقع. ولكن مسلسل The sopranos غير نظرتهم واتجاهاتهم بعد أن أثبت لهم أنه ليس من الضروري أن تكون الشخصية التلفزيونية جيدة لتصبح شهيرة، عليها فقط أن تكون ساحرة. ففي عام 2005م أطلق المخرج Michele Placito فلمه Romanzo Criminale والذي تمتعت شخصياته بالجاذبية السينمائية وانتشرت بعدها المسلسلات والأفلام المشابهة في طريقة العرض رغم اعتراض العديد من الإيطاليين على ذلك خاصة ممن فقدوا أحبتهم بسبب عصابات المافيا.

مشدودون جميعا وسعيدون وربما في قمة نشوتنا السينمائية عند مشاهدة هذه الأعمال الخالدة. لكن ككل شيء جميل في هذا العالم، هناك جانب مظلم! إنه ال Stereotype أو الصورة النمطية، فما هو؟!

إنه اعتقاد أو فكرة أو إيمان معد مسبقا عن فرد ما أو مجموعة اجتماعية. وقد تكون هذه الصورة النمطية إيجابية، أو يغلب أن تكون سلبية.

ويتم تنميط Stereotyping ( أي إلباسهم صفة عامة) بناء على جنسهم أو عرقهم أو هويتهم أو عمرهم أو لغتهم أو حالتهم الاجتماعية والاقتصادية.

للإيضاح نذكر الأمثلة التالية:

يشيع في المجتمع أن اللون الزهري هو المحبب عند الفتيات، لذلك يقوم صناع الألعاب بجعل ألعاب الفتيات تحمل اللون الزهري غالبا. يقوم الأهل بشراء الألعاب الحاملة لهذا اللون بناء على هذه الصورة النمطية عن الفتيات، رغم أن بناتهم قد يرغبن بلون آخر (الأحمر أو الأزرق مثلا!!).

مثال آخر، يعتقد الغربيون أن أغلب العرب يعيشون في الصحراء وفي بيئة أكثر رجعية من الواقع، فيقوم صناع السينما بتصوير العرب في العديد من أفلامهم في الخيم!

ينقلنا هذا المثال إلى فكرتنا الرئيسية وهي أن التنميط يمارس بشكل أوسع وأكثر أهمية من خلال شاشات الفن السابع.

” في عالم تكنولوجي، تملك وسائل الإعلام أثرا على الأفكار الثقافية والإيديولوجيات أكبر مما تملكه المدارس والديانات والعائلة مجتمعة” من كتاب America on Film ل Benshoff & Griffin.

تلعب وسائل الإعلام دورا كبيرا في خلق صورة طويلة الأمد عن الأقليات المختلفة والتي قليلا ما يحتك الناس معها، مما يدفعهم لبناء وجهة نظرهم تبعا لما يشاهدونه. إن هذا ينقلنا في الحقيقة إلى مصطلحين آخرين:

Media Portrayal التصوير الإعلامي

وهو يعبر عن الطريقة التي يتم بها تمثيل أو وصف شخص أو شيء ما في وسائل الإعلام المختلفة من مسلسلات أو أفلام أو أخبار. ( أي كيف يقوم الإعلام برسم هذا الشخص أو الشيء عبر شاشته).

Cultivation Theory نظرية الغرس الثقافي

تبعا لهذه النظرية، كلما أمضى الناس ساعات أكثر أمام شاشات التلفاز، يزيد احتمال رؤيتهم للعالم الحقيقي وتشكيل وجهة نظر عنه بناء على الصور والتصورات والقيم والإيديولوجيا المعروضة عبر هذه الشاشات.

بالعودة للصورة النمطية Stereotype، كنا قد ذكرنا إمكانية سلبيته أو إيجابيته. وفيما يخص الأقليات كالأفارقة الأمريكيين والآسيويين الأمريكيين واللاتينيين والأمريكيين الأصليين والإيطاليين الأمريكيين، فقد تم معاملتهم في السينما باحترام أقل من الذي يناله البيض دون أي تصوير دقيق لما هم عليه حقا.

حيث بينت دراسة أجريت على 1078 فلما عن الإيطاليين الأمريكيين من إنتاج هوليوود في الفترة بين 1931م و 1998م أنه تم إظهار الأبطال بصورة سلبية بنسبة 73%.

هذا وقد عززت وسائل الإعلام هذه النظرة بدلا من العمل على تغييرها، حيث نجد أنماطا مختلفة من الصور السلبية للإيطاليين الأمريكيين كإظهارهم مجنانين أو غير متعلمين في بعض الأفلام. ولكن تبقى صورة رجل العصابات هي التنميط الرئيسي لهم.

أدى تنميط Stereotyping الإيطاليين الأمريكيين بصورة رجل المافيا إلى انزعاج هذه الأقلية، ودفعهم لمقابلة العراب و The Sopranos بطريقة مختلفة:

عقدت في الحقيقة الرابطة الإيطالية-الأمريكية للحقوق المدنية مسيرة عام 1970م للمطالبة بإيقاف إنتاج The Godfather. فيما اعترضت المؤسسة الوطنية للإيطاليين الأمريكيين على عرض The Sopranos باعتباره تصويرا كاريكاتوريا مسيئا، كما رفض منظمو موكب Columbus Day المقام في نيويورك انضمام فريق عمل The Sopranos إليه لسنوات عدة.

وهكذا نجد أن أفلام المافيا ومسلسلاتها مرت برحلة طويلة قبل أن تتبلور بشكلها الحالي، وقوبلت تغيراتها من الناس بطرق مختلفة، ولكن دون أن يؤثر ذلك على شهرتها بين عشاق الفن السابع.

المصادر:

History

University of Michigan

Elon University: Portrayals of Italian Americans in U.S.-Produced Films

IMDB

Stereotype: Cambridge Dictionary

Ohio State University

اقرأ المزيد:

ما هي رحلة المافيا إلى عالم الجريمة المنظمة؟

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


تاريخ سينما ومسرح

User Avatar

Samra Nofal


عدد مقالات الكاتب : 22
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق