Ad

مع مرور كل يوم تكمل الأرض دورةً واحدة حول محورها، جاعلةً من شروق الشمس وغروبها حدثان رئيسان تتعين بهما حياتنا اليومية. دارت الأرض حول نفسها منذ تكونها قبل 4.6 مليار سنة، وستستمر في الدوران حتى نهاية العالم، غالبًا عندما تنتفخ الشمس مشكلةً عملاقًا أحمر وتبتلع كوكبنا المسكين. ولكن لماذا تدور الأرض في المقام الأول؟

تشكل الأرض

كانت المراحل الأولى من حياة مجموعتنا الشمسية أشبه برقصة كونية دار فيها الغاز والغبار باتساق حول نجمنا حديث الولادة. دفعت إشعاعات النجم الشاب غالبية الغاز بعيدًا مخلفة الغبار وفتات الصخر في الداخل، والتي بدورها التحمت مشكلةً كوكب الأرض. ومع ازدياد حجمه تابعت الصخور الكونية اصطدامها في الكوكب متحدةً معه، جاعلةً إياه يدور باتجاه الصدم. وبما أن كل الحطام دار حول الشمس في الاتجاه نفسه؛ أدارت التصادمات الأرض وكل أجرام المجموعة الشمسية في ذات الاتجاه. [1]

ولكن لما كانت المجموعة الشمسية تدور حول نفسها؟

تشكلت المجموعة الشمسية والشمس عندما انهارت سحابة ضخمة من الغاز والغبار على نفسها نتيجةً لقوة جاذبيتها. تكثّف معظم الغاز في الوسط مشكلًا الشمس، بينما كونت المادة المتبقية قرصًا ثانويًا شكل فيما بعد الكواكب وتوابعها. قبل الانهيار؛ كانت جزيئات الغاز والغبار تتحرك ف كل مكان، إلى أن وقع حدث فلكي مجاور. فقد أثارت جاذبية الحدث جزيئات الغاز والغبار وأدارتها في اتجاه معين، فدار القرص حول نفسه لأول مرة. وعندما بدأت السحابة الانهيار، ازدادت سرعة دورانها حول نفسها، تمامًا كما يدور متزلجو الجليد بشكل أسرع عنما يثنون أذرعهم وأرجلهم.

وبما أن الفضاء شبه خالٍ؛ لم توجد مادة كافية لتبطئ عملية الدوران تلك. ففي اللحظة التي يبدأ شيء ما في الدوران، سيستمر هكذا غالبًا دون أن يوقفه شيء. وفي حالتنا هذه كان للمجموعة الشمسية مقدار كبير مما نسميه «الزخم الزاوي-Angular momentum»، وهو كمية فيزيائية تصف نزعة الجسم للاستمرار في الدوران. وكنتيجة لكل ذلك دارت غالبية كواكب المجوعة الشمسية في نفس الاتجاه[2]

حالات شاذة

لكل قاعدةٍ استثناء! خالفت بعض الكواكب أقرانها ودارت في اتجاهات مختلفة. فكوكب الزهرة مثلًا يدور عكس كوكب الأرض وبقية الكواكب. أما أورانوس فمحور دورانه مائل بزاوية 90 درجة. وحتى الآن لم يتيقن العلماء من سبب تلك الحركات الغريبة، لكنهم يقترحون بعض الأفكار. بالنسبة لكوكب الزهرة؛ ربما عكس تصادم ما اتجاه دورانه. [3] أو ربما بدأت الزهرة دورانها كبقية الكواكب، ثم انقلب على مر الزمن نتيجة جاذبية الشمس التي شدت سحب الزهرة الكثيفة، بالإضافة إلى قوة الاحتكاك بين نواة الكوكب ووشاحه. [4] فيما اقترحت دراسة منشورة عام 2001 أنه من المحتمل أن جاذبية الشمس إلى جانب عوامل أخرى سببت تباطؤ دوران الزهرة ثم انعكاسه. [5] أما في حالة أورانوس فيعتقد العلماء أن تصادمًا ضخمًا ما حرف محور دورانه بذلك الشكل. [6]

الدوران سمة كوننا

وإذا ما غضضنا النظر عن تلك الحالات الشاذة نرى أن كل ما في الكون يدور في اتجاه محدد ما، وكأن الدوران سمة أساسية للأجسام في كوننا! فالكويكبات والنجوم وحتى المجرات تدور حول نفسها، حيث يستغرق نظامنا الشمسي 230 مليون سنة ليكمل دورة واحدة حول مركز درب التبانة. [7] كما أن النجوم النابضة من أسرع الأجسام في الكون، وهي أجسام كثيفة ودوارة تشكل ما تبقى من النجوم العملاقة. فبعض النجوم النابضة التي لا يتجاوز قطرها حجم مدينة تدور مئات الدورات في الثانية الواحدة. فيما سجل أسرع نجم نابض مكتشف حتى الآن 716 دورة في الثانية! [8]

كما يمكن للثقوب السوداء أن تدور أسرع من ذلك، حيث يدور الثقب الأسود المسمى GRS 1915+105 بين 920 و1150 مرة في الثانية.[9]

لكن الأجسام تتباطأ أيضًا، فعندما تشكلت الشمس، كانت تدور حول نفسها مرة كل أربعة أيام، بينما تستغرق الآن حوالي 25 يومًا لإكمال دورة كاملة. وذلك نتيجة تفاعل حقلها المغناطيسي مع الرياح الشمسية مما يبطئ دورانها. [10]

حتى أن سرعة دوران الأرض حول نفسها تتناقص مع الزمن، نتيجةً لجاذبية القمر التي تشد الأرض قليلًا وتبطؤها. وقد أظهر تحليل أجري عام 2016 أن دوران الأرض تباطأ بمقدار 1.78 ميلي ثانية خلال القرن الماضي. [11]

فلا تجزع إن تأخرت الشمس قليلًا في الشروق، إنها ألاعيب القمر!

المصادر

[1] space

[2] NASA

[3]Science

[4] Sciencedirect

[5] Nature

[6] ScientificAmerican

[7] NASA_2

[8] Science_2

[9] Astrophysical Journal

[10] The Royal Society

[11] The Royal Society_2

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


فضاء فلك

User Avatar

Mira Naffouj

طالبة ثانوية مهتمة بعلم الفلك والفيزياء الفلكية


عدد مقالات الكاتب : 34
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق