Ad

في دراسة حديثة نشرت في مجلة (Personality and Individual Differences)، وجد الباحثون في معهد ماكس بلانك للجماليات التجريبية (MPIEA) في فرانكفورت، ألمانيا، أن الراقصين، سواء كانوا هواة أو محترفين، أقل عصبية، وأكثر قبولًا، وانفتاحًا من أولئك الذين لا يرقصون. لكن كيف توصلوا إلى هذا الاستنتاج المذهل؟ وما هي العلاقة بين الرقص والشخصية؟

حللت الدراسة، بيانات أكثر من 6 آلاف شخص من السويد وألمانيا، مما يجعلها واحدة من أكبر الدراسات من نوعها. ومن خلال فحص السمات الشخصية الخمس الكبرى، تمكن الباحثون من تحديد اختلافات كبيرة بين الراقصين وغير الراقصين.
وبمساعدة ماتياس بلاتمان، الرئيس التنفيذي لمدرسة غوتمان للرقص في فرايبورغ إم بريسغاو، ولويزا سانشو-إيسكانيرو، مديرة الرقص في مسرح بفالزثياتر كايزرسلاوترن، تمكن الباحثون من الاستفادة من عالم الرقص وكشف أسراره. ومن خلال استكشاف تعقيدات الشخصية والرقص، كان هدفهم الإجابة على سؤال أساسي: “أخبرني إذا كنت ترقص، وسأخبرك من أنت!”

علم الشخصية

هل سبق لك أن تساءلت ما الذي يجعلك أنت؟ ما هو الشيء الذي يميزك عن الآخرين في شخصيتك؟ تكمن الإجابة في التفاعل المعقد بين خمس سمات أساسية: الانفتاح، والضمير الحي (الوعي)، والانبساط (Extraversion)، والقبول، والعصابية (Neuroticism). هذه هي السمات الشخصية الخمس الكبرى، وهو الإطار الذي استخدمه علماء النفس على نطاق واسع لفهم الفروق الفردية.

إن شخصيتك تمثل وصفة فريدة من نوعها، مع كل سمة كمكون يساهم في الصورة النهائية. يشير الانفتاح إلى خيالك وفضولك وتقديرك للفن والأفكار. والوعي يدور حول تنظيمك وانضباطك الذاتي واجتهادك. والانبساط هو طبيعتك الاجتماعية وطبيعتك الحازمة. ويشمل القبول تعاونك وتعاطفك ولطفك تجاه الآخرين. من ناحية أخرى، العصابية هي ميلك نحو عدم الاستقرار العاطفي والقلق والغضب. أظهرت الأبحاث أن هذه السمات مستقرة نسبيًا طوال حياتنا، مما يعني أن شخصيتنا تتشكل من خلال مجموعة من العوامل الوراثية والبيئية.

تاريخ موجز للعلاقة بين الرقص والشخصية

لقد كان الرقص جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الإنسانية لعدة قرون، مع وجود أدلة على أن الحضارات القديمة استخدمت الرقص كشكل من أشكال التعبير والتواصل وحتى الشفاء. ولكن ماذا عن الجوانب النفسية للرقص؟ كيف تم ربط الرقص بسمات الشخصية عبر التاريخ؟

في أواخر القرن التاسع عشر، بدأ علماء النفس مثل سيغموند فرويد وكارل يونغ في استكشاف العلاقة بين الرقص والنفسية البشرية. لقد اعتقدوا أن الرقص كان وسيلة للتعبير عن الرغبات والعواطف اللاواعية، والاستفادة من العقل الباطن. وضعت هذه الفكرة الأساس للبحث المستقبلي حول الفوائد النفسية للرقص.

وفي القرن العشرين، بدأ علماء النفس في التحقق من العلاقة بين الرقص وسمات الشخصية بشكل أكثر منهجية. وجدت إحدى الدراسات المبكرة، التي نُشرت في السبعينيات، أن الراقصين كانوا أكثر انفتاحًا وأقل قلقًا من غير الراقصين. ومنذ ذلك الحين، أكدت العديد من الدراسات هذه النتائج، مما يشير إلى أن الرقص يرتبط بتحسين الصحة العقلية، وزيادة احترام الذات، وتعزيز الوظيفة الإدراكية.

ويتمتع معهد ماكس بلانك للجماليات التجريبية، حيث أجريت الدراسة الحديثة حول شخصيات الراقصين، بتاريخ طويل في استكشاف سيكولوجية الرقص.

العلاقة بين الرقص والشخصية

خطوة نحو اكتشاف الذات

عندما نرقص، فإننا نستغل تعبيرنا الإبداعي، مما يسمح لأنفسنا بأن نكون ضعفاء ومنفتحين. ويمكن أن تؤدي عملية العرض الإبداعي هذه إلى إحساس أكبر بالوعي الذاتي، مما يساعدنا على أن نصبح أكثر انسجامًا مع عواطفنا وأفكارنا. وعندما نحرك أجسادنا حسب الإيقاع، فإننا نبني الثقة ونطور المهارات الاجتماعية ونتعلم كيفية التعامل مع المواقف الاجتماعية المختلفة. وهذه المهارات بدورها تشكل شخصيتنا، وتجعلنا أكثر قدرة على التكيف والمرونة.

كما أشارت النتائج التي توصل إليها الباحثون إلى وجود صلة محتملة بين أنماط الرقص المحددة والسمات الشخصية. على سبيل المثال، يبدو أن راقصي السوينج (Swing dancer) أقل عصبية من الراقصين اللاتينيين والقياسيين (Standard dancer). وهذا يثير سؤالاً مثيراً: هل أسلوب الرقص الذي نختاره يعكس شخصيتنا الأساسية، أم أنه يؤثر على شخصيتنا مع مرور الوقت؟

ما الذي يجعل الراقصين أقل عصبية وأكثر قبولًا؟

أحد التفسيرات المحتملة يكمن في مفهوم التنظيم العاطفي. يتطلب الرقص درجة عالية من التعبير العاطفي والتحكم، وهو ما يمكن أن يترجم إلى تحسين الذكاء العاطفي. عندما ينتقل الراقصون إلى الإيقاع، فإنهم لا يتبعون الخطوات فحسب، بل يضبطون مشاعرهم ويوجهونها إلى الأداء الجسدي. يمكن أن تساعد هذه العملية الراقصين على تطوير وعي أكبر بمشاعرهم، مما يسمح لهم بالتعامل مع التوتر والقلق بشكل أكثر فعالية.

هناك عامل آخر قد يكون هو الجانب الاجتماعي للرقص. سواء كان ذلك من خلال أخذ دروس، أو التدرب مع فرقة، أو الأداء على خشبة المسرح، فإن الرقص غالبًا ما يكون نشاطًا تعاونيًا يعزز الروابط الاجتماعية والشعور بالانتماء للمجتمع. يمكن أن يكون لشبكة الدعم الاجتماعي هذه تأثير مهدئ على الجهاز العصبي.

علاوة على ذلك، فإن الفعل الجسدي المتمثل في الرقص نفسه قد يلعب دورًا في تقليل العصابية. أظهرت الأبحاث أن التمارين الرياضية بشكل عام لها تأثير إيجابي على مستويات المزاج والقلق. يجمع الرقص، على وجه الخصوص، بين الحركة الجسدية والتعبير الإبداعي، مما قد يؤدي إلى الشعور بالإنجاز والثقة بالنفس. يمكن أن تترجم زيادة الثقة هذه بدورها إلى شخصية أكثر قبولًا وانفتاحًا.

المصادر:

Dancers are less neurotic / science daily

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


علم نفس

User Avatar


عدد مقالات الكاتب : 148
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *