Ad

تعود مساعي الإنسان للاستفادة من طاقة الرياح إلى العصور القديمة عندما حاول استخدامها للإبحار. بعدئِذ خدمت الرياح البشرية عبر تغذية الطواحين العملاقة بالطاقة التي استخدمت لطحن الحبوب، وتشغيل مضخات الماء. مرت هذه التقنية بمراحل تطور عديدة امتدت لعقود، لتصل إلى منظومتها الحديثة المعقدة.

كيف تتكون الرياح؟

الشمس هي المحرك الرئيسي المتحكم بنطاق واسع من تغيرات الأحوال الجوية للأرض. يتلقى خط الإستواء كميات كبيرة من الإشعاع الشمسي مقارنة بما يتلقاه القطبان الشمالي والجنوبي، مما ينتج عنه ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض عند خط الاستواء، وبالتالي ارتفاع درجة حرارة الهواء الملامس له، فتقلّ كثافته ويرتفع نحو الأعلى مسبباً بانخفاض ضغط الهواء في الطبقات الدنيا. عكس هذا يحدث في المناطق القطبية، حيث تكون درجة حرارة الأرض منخفضة ممّا يؤدّي لانخفاض درجة حرارة الهواء الملامس له وارتفاع كثافته وهبوطه بالقرب من سطح الأرض، الأمر الذي يتسبب في ازدياد ضغطه وتحركه نحو المناطق الحارة المنخفضة الضغط الملامسة لسطح الأرض، بينما يأتي مكانه الهواء الساخن القليل الكثافة القادم من المناطق الاستوائية الحارّة.[1]

طاقة الرياح في التاريخ القديم

ثمة خلاف تاريخي حول بداية ظهور هذه الميكانيكية المستخدمة للرياح كمصدر طاقة. يرجح البعض بأنها ظهرت لأول مرة في بابل، حيث يعتقد أن الملك البابلي حمورابي خطط لاستخدامها في مشروع الري الموسع الذي كان يطمح إليه في القرن السابع عشر قبل الميلاد؛ والبعض الآخر يفترض بأنها ظهرت لأول مرة في الهند.[2]

طبقًا لما ورد في أرثاشاسترا – المخطوطة السنسكريتية التي كتبها كاوتيليا خلال القرن الرابع قبل الميلاد – عن إشارة إلى آلالات تدار عبر الرياح لتعمل على رفع المياه. عدا هذه المخطوطة، لم يتم إيجاد تسجيل دقيق يثبت وجود هذه التقنيات على أرض الواقع، أو دلائل محسوسة تؤكد ترجمتها إلى ميكانيكيات واقعية مستخدمة.[2]

بداية عصر الطواحين الهوائية

أقدم تسجيل تاريخي موثق لتصميم الطواحين الهوائية يعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد. يشير إلى استخدام الفرس الطواحين الهوائية لطحن الحبوب خلال تلك الفترة، مستخدمين آلات رأسية المحور مزودة بأشرعة مصنوعة من حزم القصب، أو الخشب. كان حجر الطحن مرتبط بعمود رأسي، وتم ربط الأشرعة بالمركز باستخدام دعامات أفقية. حجم الأشرعة يحدد من خلال المواد المستخدمة في التصنيع، لكن عادة كانت أبعادها بين خمسة متر طولي، وتسعة متر ارتفاع.[2]

بحلول القرن الثالث عشر ميلادي، كانت المطاحن منتشرة في أوروبا. تبنى الفرنسيون التقنية في عام ١١٠٥ ميلادية، ولحقهم الإنجليز في عام ١١٩١ ميلادية. خلافًا لتصميم الفرس الرأسي، الطواحين الأوروبية كانت أفقية المحور، ذات بنية مزينة. بني البرج من الخشب، أو الطوب؛ وصممت مساحة مقطعه العرضي لتأخذ شكلًا دورانيًا، أو متعدد الأضلاع. كان يتم توجيه العضو الدوار يدويًا إلى اتجاه الرياح عبر تحريك الذيل، وبالمثل كان يتم حماية الطاحون من الرياح العاتية عبر إدارة العضو الدوار عكس اتجاه الرياح، أو إزالة القماش الذي يغطي العضو الدوار.[2]

ضخ الماء باستخدام الرياح

أتى بعدها الهولنديون بتصميم مستحدث من صنع المصمم «يان أدريانسن». أدخلت العديد من التحديثات للتصميم، وتم ابتكار العديد من الأنواع المختلفة، مثل: تياسكر، والطواحين الدخانية. أخذ تصميم المقطع العرضي للعضو الدوار شكل الجناح الحامل لرفع الكفاءة.
استخدمت هذه الطواحين بجانب طحن الحبوب استخدامات أخرى عديدة، كان منها: تجفيف الأراضي الرطبة.[2]
وصلت هذه التقنية إلى أميركا عام ١٧٠٠ ميلادية عبر المهاجرين الهولنديين. حينها ظهرت الطواحين المستخدمة لضخ الماء، والتي ما زالت تعتبر أحد أهم التطبيقات لطاقة الرياح.[2]

بداية تطور منظومة طاقة الرياح

ظهرت العنفات ذات المراوح المتعددة أميركية الصنع عام ١٨٠٠ ميلادية، مزودة بعضو دوار صغير بقطر يتراوح من متر إلى عدة أمتار.[2]
كان الغرض من هذه التقنية ضخ المياه من تحت سطح الأرض للاستخدامات الزراعية. أعطت هذه المضخات المائية بمراوحها المعدنية، وتصميمها الهندسي الفعال نتائج أفضل من سابقاتها من التقنيات المستخدمة في هذا المجال. وتباعًا، أُنشئت أكثر من ستة مليون وحدة في الولايات المتحدة مابين ١٨٥٠ و١٩٣٠ ميلادية.[2]

المولدات الكهربائية ومحطات طاقة الرياح

بدأ عصر المولدات الكهربائية التي تعمل بالرياح في وقت قريب إلى حدٍ ما من عام ١٩٠٠ ميلادية. بحيث صُنعت أول عنفة رياح حديثة لإنتاج الكهرباء في الدنمارك عام ١٨٩٠ ميلادية، وعملت على تزويد المناطق الريفية بالكهرباء.[2]

خلال الفترة نفسها، صُنع أول مولد كهربائي يعمل بالرياح في كليفلاند بولاية أوهايو، مستخدمًا لأول مرة صندوق تروس سرعات. عملت المنظومة على مد الطاقة لمدة عشرين عامًا.[2]
اُستخدمت العديد من الطرق الحديثة للتصميم الهندسي للعنفات خلال هذه الفترة. وتم تطوير العضو الدوار، وزعانف العنفات مما أدى إلى رفع الكفاءة، والفاعلية لهذه المنظومات الحديثة. وبحلول عام ١٩١٠م، زودت مئات من هذه المنظومات العديد من قرى الدنمارك بالطاقة.
بدأت التجارب البحثية تأخذ مجالًا أوسع، ونتيجةً لذلك أُنشئت محطات إنتاج الطاقة بالرياح في العديد من الدول، أبرزها: الولايات المتحدة، والدنمارك، وفرنسا، وألمانيا، والمملكة المتحدة.[2]

إلا أنه في السنوات اللاحقة ظهرت مصادر طاقة أكثر اقتصادية، وكفاءة مثل: الوقود الأحفوري، والطاقة النووية. فكانت المقارنة بين تكلفة إنتاج الكهرباء من هذه المحطات، ومن إنتاجها في محطات الرياح لا تصب في مصلحة الأخيرة.[2]
وبهذا تناقص الاهتمام بطاقة الرياح بحلول عام ١٩٧٠م.

العودة إلى طاقة الرياح

أجبرت أزمة النفط التي حدثت في عام ١٩٧٣م العلماء والمهندسين، وصناع القرار على إيجاد حلول بديلة بعدما تراءى لهم أن الاعتماد على النفط كمصدر طاقة رئيسي يترتب عليه تبعات على اقتصادهم بناءًا على سياساتهم المتبعة. وبات جليًا أن حدوث أي توتر سياسي، سيطوق توفر الوقود الأحفوري مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعاره بشكل جنوني، فيصبحون بذلك تحت رحمة دول الأوبك. ومن جانب آخر، أدرك العالم أن الوقود الأحفوري مصيره الإنتهاء يومًا ما.

خيار الاعتماد على الطاقة النووية كان مصدر تساؤل كبير أيضًا، وذلك بسبب خطورة تداعياتها على البيئة والبشر على حد السواء. كل هذه العوامل أدت لإحياء الاهتمام بطاقة الرياح، وبذلت جهود حثيثة لإيجاد حلول تغطي جوانب العجز في هذه التقنية. توالت البحوث في مجالات مصادر الطاقة، وتطوير المنظومات الحالية التي من شأنِها جعل التقنية أكثر اقتصادية، وكفاءة، واستدامة.[2]

المصادر
[1] Wind Energy Fundamentals
[2] Wind Energy

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


تقنية هندسة

User Avatar

Dalia Almokadam

مهندسة ميكانيكية مهتمة بالعلوم الهندسية، والطبيعية، والطاقة المتجددة.


عدد مقالات الكاتب : 12
الملف الشخصي للكاتب :

شارك في الإعداد :
تدقيق لغوي : Batoul sirees

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق