Ad

نجح العلماء في جامعة جونز هوبكنز الطبية في هندسة وبناء خلية اصطناعية، يُطلق عليها اسم “الفقاعة”، يمكنها كسر التناظر استجابة للإشارات الكيميائية، ومحاكاة الخطوة الأولى في الاستجابة المناعية. هذا الإنجاز له آثار بعيدة المدى على فهمنا للحركة الخلوية ويمكن أن يؤدي إلى طرق جديدة لتوصيل الأدوية المستهدفة داخل الجسم. نُشرت الدراسة في يونيو 2024 في مجلة (Science Advances) هذا الإنجاز الرائع هو مجرد بداية لقصة رائعة ستكشف أسرار الحركة الخلوية وكسر التناظر. وفي العناوين التالية، سوف نتعمق أكثر في الخلفية والمفاهيم العلمية وراء هذا الاكتشاف، ونستكشف أسرار الحركة البيولوجية، والتطبيقات المحتملة للخلايا الاصطناعية.

التناظر في الطبيعة

التناظر موجود في كل مكان حولنا، بدءًا من الأنماط المعقدة على أجنحة الفراشة وحتى الأشكال الحلزونية للأصداف البحرية. في الطبيعة، لا يعد التناظر أمرًا جماليًا فحسب، بل إنه يلعب أيضًا دورًا حاسمًا في عمل الكائنات الحية. على المستوى الجزيئي، يعد التماثل ضروريًا لسير عمل الجزيئات الحيوية، مثل البروتينات والحمض النووي. ومع ذلك، لا يتم الحفاظ على التناظر دائمًا في الأنظمة البيولوجية. في بعض الأحيان، تحتاج الخلايا إلى كسر التناظر للاستجابة لبيئتها، أو التحرك نحو هدف، أو التكيف مع الظروف المتغيرة.

كسر التناظر (symmetry breaking) هو مفهوم أساسي في علم الأحياء، حيث يتم إعادة تنظيم جزيئات الخلية، التي كانت مرتبة بشكل متماثل في البداية، في نمط أو شكل غير متماثل. هذه العملية ضرورية لهجرة الخلايا والتمايز والتكيف. على سبيل المثال، أثناء التطور الجنيني، يسمح كسر التناظر للخلايا بالتمايز إلى أنسجة وأعضاء مختلفة. وبالمثل، في الجهاز المناعي، يؤدي كسر التناظر إلى تمكين الخلايا المناعية من الهجرة نحو مواقع العدوى والاستجابة لمسببات الأمراض.

في الفيزياء، يعد مفهوم كسر التناظر أمرًا بالغ الأهمية أيضًا، لأنه يفسر كيفية تشكل القوى الأساسية، مثل الكهرومغناطيسية والجاذبية، والكون. في علم الكونيات، يُعتقد أن كسر التناظر لعب دورًا رئيسيًا في تكوين الكون نفسه، حيث سمح بظهور المادة والطاقة. إن انسجام التناظر في الطبيعة هو توازن دقيق بين التناظر وعدم التناظر. في حين أن التناظر يوفر الاستقرار والنظام، فإن عدم التناظر يسمح بالتكيف والتغيير.

بناء خلية اصطناعية من الصفر

كان بناء خلية اصطناعية بسيطة، يطلق عليها اسم “الفقاعة”، خطوة حاسمة في فهم كيفية تحرك الخلايا واستجابتها لبيئتها. تتكون هذه الحويصلة العملاقة، ذات الغشاء المزدوج الطبقات، من الدهون الفوسفاتية، والبروتينات النقية، والأملاح، و(ATP)، عملة الطاقة في الخلية. ومن خلال التخلص من التعقيدات الموجودة في الخلية الطبيعية، كان العلماء يهدفون إلى تحديد المكونات الأساسية اللازمة للخلية لكسر التناظر.

من خلال إنشاء هذه الخلية الاصطناعية المبسطة، يمكن للباحثين تحديد العناصر الحاسمة اللازمة لكسر التناظر، وهو أمر ضروري لحركة الخلية والاستجابة للإشارات البيئية. وبناءًا عليه، تم تصميم هذه الخلية الأولية لتقليد الخطوة الأولى في الاستجابة المناعية، حيث تستشعر الخلايا المناعية الإشارات الكيميائية وتكسر التناظر لتنتقل نحو موقع العدوى. ومن خلال هندسة هذه القدرة على الاستشعار الكيميائي بنجاح، تغيرت الخلية الأولية من شكل كروي شبه مثالي إلى شكل غير متساوٍ، مما يدل على كسر التناظر في أبسط أشكاله. يمهد هذا الإنجاز الطريق لمزيد من البحث في تعقيدات حركة الخلايا ويفتح طرقًا جديدة لتوصيل الأدوية المستهدفة داخل الجسم.

خلية اصطناعية تكسر التناظر

استشعار الإشارات الكيميائية

وفي قلب قدرة الخلية الاصطناعية على كسر التناظر تكمن قدرتها على استشعار الإشارات الكيميائية. يعد هذا الإنجاز المذهل خطوة حاسمة نحو فهم كيفية استجابة الخلايا لبيئتها والتحرك نحو أهداف محددة.

تخيل فقاعة صغيرة، الخلية الاصطناعية، كالسفينة تطفو في بحر من المواد الكيميائية في عتمة الجسد. وفجأة، يُكتشف إشارة كيميائية محددة، كالمنارة التي تناديها. تدفع هذه الإشارة الخلية إلى إعادة تنظيم بنيتها الداخلية، وكسر شكلها المتناظر والتحول إلى كيان مستقطب غير متناظر. أصبحت هذه العملية ممكنة بفضل الاستخدام الذكي لبروتينين يعملان كمفتاحين جزيئيين، وهما (FKBP) و(FRB)، اللذين يعملان كأجهزة استشعار كيميائية.

عندما أدخل الباحثون مادة راپاميسين (rapamycin)، وهي مادة كيميائية، خارج الخلية، انتقل بروتين (FKBP) إلى الغشاء ليرتبط مع بروتين (FRB)، مما يؤدي إلى عملية تسمى بلمرة الأكتين (actin polymerization). وأدت عملية إعادة التنظيم هذه لهيكل الخلية الاصطناعية إلى تكوين شكل يشبه القضيب الذي يضغط على غشاء الخلية، مما يؤدي إلى ثنيه وكسر التناظر.

وباستخدام تقنيات التصوير ثلاثية الأبعاد المتقدمة، سجل الفريق استجابة الخلية الأولية للإشارة الكيميائية في الوقت الفعلي، مصورًا العملية الديناميكية لكسر التناظر. يوضح هذا الإنجاز قدرة الخلية الاصطناعية على الإحساس والاستجابة للإشارات الكيميائية الخارجية، وهي خاصية أساسية للخلايا الحية.

مستقبل الخلايا الاصطناعية

إن اكتشاف الحد الأدنى من الخلايا الاصطناعية التي يمكنها كسر التناظر استجابةً للإشارات الكيميائية يجعلنا أقرب إلى توصيل الأدوية بدقة إلى مناطق محددة من الجسم، مما سيحدث ثورة في الطريقة التي نعالج بها الأمراض. ويتصور العلماء مستقبلًا حيث يمكن توجيهها لإطلاق حمولتها في الموقع الصحيح تمامًا، مما يزيد من فعاليتها مع تقليل الآثار الجانبية.

فكر في هذه الخلايا الاصطناعية كخدمات بريدية مجهرية، تتنقل عبر شبكة الجسم المعقدة من الأوعية الدموية والأنسجة للوصول إلى أهدافها. بفضل قدرتها على استشعار الإشارات الكيميائية، يمكنها الوصول إلى مواقع محددة، مثل الأورام أو مواقع العدوى، وتقديم حمولاتها العلاجية بدقة. ومن الممكن أن يؤدي هذا النهج المستهدف إلى تحويل الطريقة التي نعالج بها الأمراض، من السرطان إلى أمراض القلب والأوعية الدموية، بل ويساعد حتى في تقليل عبء مكافحة مقاومة المضادات الحيوية.

ومع استمرار العلماء في تطوير هذه التكنولوجيا وتحسينها، فإن الاحتمالات لا حصر لها. ومن الممكن أن يصبح توصيل الأدوية المستهدفة حقيقة واقعة، الأمر الذي من شأنه أن يغير وجه الطب ويحسن حياة الملايين من الناس في مختلف أنحاء العالم.

المصادر:

Synthetic’ cell shown to follow chemical directions and change shape, a vital biological function / phys.org

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


أحياء

User Avatar


عدد مقالات الكاتب : 148
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *