Ad

         يُقال أن الإنسان كائنٌ اجتماعي، وأن العيش في مجموعات عموماً يصب في صالح الحيوانات، ويساعدها على استغلالٍ أعلى للموارد وتقليل المخاطر. لكن تُرى كيف هو الحال مع الكائنات وحيدة الخلية كالبكتيريا والفطريات؟ هل تعيش هي الأخرى بمجموعات وتكوّن مجتمعاتها الخاصة بها؟ هل يوجد ما يسمى بالمجتمع الميكروبي؟ في ثمان نقاط عن الغشاء الحيوي الرقيق البيوفيلم دعنا نجيب عن تلك الأسئلة.

وجد العلماء أن الميكروبات تعيش في مجتمعات في الغالبية العظمى من مراحل حياتها، بل إن الشذوذ هو عيشها منفردة. وقد وجدوا أن هذا النظام يمكنها من الاستفادة القصوى من الموارد المتاحة، والحماية من الظروف البيئية القاسية التي قد تتعرض لها، من جفاف ومضاداتٍ حيوية ونقصٍ في الغذاء، بل وحتى من هجوم جهاز المناعة. نتج عن ذلك أن غدت هذه الظاهرة محط عددٍ كبير من الدراسات، لكونها مرتبطةً أيضا بالعدوى البكتيرية المزمنة. وللمفاجأة؛ لاحظ العلماء أن الميكروبات في هذا المجتمع تتواصل فيما بينها بلغتها الخاصة المميزة.

ما هو البيوفيلم (الغشاء الحيوي الرقيق)؟

هو مجتمع تعيش فيه خلايا كائنات ميكروبية (بكتيريا أو فطريات أو غيرهما) معاً. محاطة بتركيب يشبه الهلام (الجل). يتكون هذ الهلام من سكريات متعددة (أفرزتها الكائنات المجهرية نفسها). وهو يمكنها من الالتصاق بالأسطح الحية وغير الحية، والتواصل مع بعضها، وتبادل الموارد، وحماية نفسها من الأخطار التي قد تتواجد في البيئة المحيطة.
[1، 2]

اكتشاف البيوفيلم (الغشاء الحيوي الرقيق):

يوجد البيوفيلم في سجلات أحفورية يعود تاريخها إلى 3,3-3,4 مليار سنة، بيد أن اكتشاف البيوفيلم الميكروبي كان في عام 1943م. عند ملاحظة العلماء أن البكتيريا التي تعيش في المياه تفضل العيش في تجمعات ملتصقة بالأسطح الصلبة. [2]

تركيب الغشاء الحيوي الرقيق:

  1. سكريات متعددة تشكل هيكل الغشاء الحيوي الرقيق. تتخللها قنوات تمثل مسارات لتبادل المواد المختلفة بين خلايا مجتمع البيوفيلم وبعضها وبينها وبين الوسط المحيط. تشبه هذه القنوات الأوعية الدموية التي تغذي أنسجة جسمنا المختلفة وتساعدها على التواصل فيما بينها.
  2. خلايا مجتمع البيوفيلم نفسها، تكون من نفس الجنس، أو من أجناس مختلفة من البكتيريا، أو من حتى بكتيريا وفطريات، وتشكل كتلة الخلايا تلك فقط 5-35% من تكوين البيوفيلم.
  3. جزيئات حمض نووي ريبوزي RNA وجزيئات حمض نووي منقوص الأكسجين DNA.
  4. بروتينات.
  5. ماء يشكل 97% من تركيب البيوفيلم (الغشاء الحيوي الرقيق).
  6. معادن ومواد أخرى. [3، 4، 5]

مراحل تكوين الغشاء الحيوي الرقيق:

  1.  التلامس والالتصاق Attachment and adhesion: تقترب الخلية الميكروبية من سطح صلب، وتلتصق به، عن طريق أسواط أو تركيبات أخرى بجسم الخلية، أو عن طريق قوى تجاذب فيزيائية مثل: قوى فاندرفال Van der Waal’s forces.
  2.  النمو وتكوين المستعمرات الدقيقة Growth and micro-colonies formation: في هذه المرحلة تقوم الخلية الملتصقة بالتكاثر والانقسام لتكوين مجتمع الغشاء الحيوي الرقيق، وتقوم بإفراز السكريات المتعددة، وتصنيع مكونات الغشاء الحيوي الرقيق المختلفة.
  3.  النضج Maturation: تتواصل الخلايا في البيوفيلم مع بعضها، وتحث بعضها على إنتاج المواد المختلفة، وخاصة السكريات المتعددة التي تكون بناء البيوفيلم. في هذه المرحلة يكتمل بناء البيوفيلم.
  4.  الانفصال Detachment: في هذه المرحلة تنفصل بعض خلايا المجتمع البكتيري عن البيوفيلم، لتنطلق بشكل فردي، وتسبح في الوسط المحيط، وقد تكوّن بيوفيلم في مكان آخر. [3، 5]

فائدة البيوفيلم للميكروب:

  1. الحماية من تأثير العوامل الخارجية الضارة مثل: الأشعة فوق البنفسجية ودرجات الحرارة شديدة الارتفاع وشديدة الانخفاض ونقص الموارد.
  2. مقاومة المضادات الميكروبية.
  3. الحماية من هجوم جهاز المناعة الخاص بالعائل.
  4. يجعل الغشاء الحيوي الرقيق الميكروبات قادرة على تبادل جينات تساعدها في الضراوة (إحداث العدوى) أو مقاومة المضادات الميكروبية.
  5. يمكّن البيوفيلم الميكروبات من تشارك الموارد والتعاون في التخلص من الفضلات. [2]

آليات مقاومة البيوفيلم للمضادات الميكروبية:

تعتبر الميكروبات التي تعيش في البيوفيلم شديدة المقاومة للمضادات الحيوية، تبلغ مثلاً مقاومة البكتيريا في البيوفيلم للمضادات الحيوية 10 آلاف ضعف مقاومة البكتيريا التي تعيش منفردة.

تعتمد البكتيريا في الغشاء الحيوي الرقيق عدّة آليات لمقاومة المضادات الحيوية:

  1. الحاجز الفيزيائي: إن البيوفيلم كما ذكرنا سابقاً عبارة عن بناء من السكريات المتعددة (وغيرها من المواد الأخرى بنسب أقل) يتخلله قنوات يتم خلالها تبادل المواد بين الخلايا وبعضها وبين الخلايا والوسط المحيط. إن فتحات هذه الممرات تحول دون دخول بعض المضادات الحيوية ذات الجزيئات كبيرة الحجم، بعض هذه المضادات الميكروبية شديد الفاعلية (الفانكومايسين ذو الفعالية الفائقة ضد سلالات خطرة تدعى الميرسا [المكورة العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيللين] MRSA {Methicillin-Resistant Staphylococcus aureus} مثلاً). جدير بالذكر أن هذه الآلية تحول أيضًا دون تفاعل الخلايا المناعية البلعمية (التي تبتلع الأجسام الغريبة) وكذلك الأجسام المضادة (التي ينتجها جهازنا المناعي ضد الأجسام الغريبة لتحييد أثرها على الجسم) مع الميكروبات في البيوفيلم.
  2. الروابط الكيميائية: بعض من مكونات الغشاء الحيوي الرقيق ترتبط بالمضادات الحيوية بروابط كيميائية وبالتالي تمنعها من قتل البكتيريا؛ مثلاً: مضاد حيوي يحمل شحنة موجبة قد يرتبط بجزيئات حمض نووي ريبوزي سالبة الشحنة.
  3. التدفق النشط Efflux pump: حيث يقوم الميكروب بإخراج المضاد الميكروبي وطرده خارج خلاياه، وقد وُجِدَ أن الخلايا الميكروبية في الغشاء الحيوي الرقيق يزيد تصنيعها للبروتينات المسئولة عن تلك المهمة.
  4. جينات المقاومة: إن تعايش الميكروبات بالقرب من بعضها داخل الغشاء الحيوي الرقيق يساعد على تبادل الجينات المسؤولة عن مقاومة المضادات الميكروبية، وانتقالها من سلالات مقاومة إلى أخرى غير مقاومة وذلك بين أفراد الجنس الواحد بل وحتى أفراد أجناس مختلفة مما يساهم في انتشار مقاومة المضادات الميكروبية عموماً.
  5. النشاط الأيضي: تكون الخلايا الميكروبية في سطح البيوفيلم نشطة وتتكاثر، بينما الخلايا في مركزه خاملة وشبه ميتة. تعتمد كثير من المضادات الميكروبية في قتلها للميكروبات على أن يكون الميكروب نشط ويتكاثر، ومن ثم فإنها قد تقضي على الميكروبات على سطح الغشاء الحيوي الرقيق، وبالتالي تقلل من الالتهاب الناتج عن العدوى، لكنها تفشل في القضاء على الميكروبات بداخله، والتي تكون مصدر جديد لانتشار الميكروبات على السطح وعودة الالتهاب، وهذا أحد أسباب كون معظم عدوى البيوفيلم مزمنة. [5]

أمراض تسببها الميكروبات في البيوفيلم:

حسب تقديرات المعهد الوطني للصحة بأمريكا؛ فإن الميكروبات بالغشاء الحيوي الرقيق مسئولة عن ما يقرب من 65%من العدوى الميكروبية و80% من العدوى الميكروبية المزمنة (أي التي تستمر أكثر من 3 أشهر). [1، 3]

  1.  العدوى المرتبطة بالأجهزة:

ترتبط عدوى الغشاء الحيوي الرقيق بشكل كبير بالأجهزة الطبية التي تزرع داخل جسم الإنسان مثل المفاصل والصمامات والعدسات الداخلية الصناعية وكذلك العدسات اللاصقة والقساطر.

عندما تتمكن الميكروبات من تكوين بيوفيلم على أسطح هذه الأجهزة؛ تصبح مصدرًا للعدوى. وفي بعض الحالات يكون من الصعب إزالة البيوفيلم من أسطح هذه الاجهزة، وقد يتطلب الأمر إزالة الجهاز من الجسم واستبداله بآخر جديد معقم، تفادياً لانتشار الميكروب بالجسم وتدميره للأعضاء القريبة من الجهاز أو تدمير أعضاء بعيدة عنه بالوصول لها عبر الدم.
[1، 3]

لا يتمكن الأخصائيون أحيانًا من معرفة البكتيريا المسببة لعدوى الغشاء الحيوي الرقيق إلا متأخراً، بسبب صعوبة زراعة البكتيريا التي تعيش في البيوفيلم. [7]

ويجدر الإشارة أيضًا إلى أن العدوى في كثير من الأحيان قد لا تسببها فقط ميكروبات خارجية ممرضة، بل على العكس قد تسببها ميكروبات تعيش محايدة على أسطح جلدنا وتشكل في الوضع الطبيعي جزء من جهازنا المناعي. [1، 3]

أمثلة على هذا النوع من العدوى:

  1. عدوى التهاب شغاف القلب Endocarditis infection، الناتج عن صمامات قلب ملوثة ببيوفيلم، وهي عدوى خطيرة قد تودي بحياة المريض حال لم تتم معالجتها بشكل فعال. [1، 3]
  2. عدوى التهاب القرنية keratitis infection، الناتجة عن ارتداء عدسات لاصقة ملوثة ببيوفيلم. [6]
  3. عدوى السائل داخل العين Intraocular fluid infection، الناتج عن أجهزة ملوثة ببيوفيلم، تمت زراعتها داخل العين، لتساعد على علاج مشاكل بالنظر أو تحسين وظيفة العين عمومًا.
    قد يتسبب كلا هذين النوعين من العدوى في فقدان المريض لبصره تمامًا. [6]
  4. عدوى الجهاز البولي المزمنة، التي قد تنتج عن تكون بيوفيلم على قسطرة البول. [3]

2– العدوى غير المرتبطة بالأجهزة:
هي العدوى التي لا تنتج عن وجود جهاز تم توصيله أو تركيبه بالجسم.

من أمثلة هذه العدوى:

  1. عدوى تسوس الأسنان Dental caries (الأشهر والأكثر+ شيوعاً)، وعدوى التهاب دواعم الأسنان Periodontitis infection، والتي تنتج عن تكوين بيوفيلم على سطح الأسنان أو الأنسجة المخاطية بالفم.
  2. بعض عدوى التهاب العظام Osteomyelitis infections تسببه الميكروبات التي انتقلت عن طريق الدم، أو جرح، أو خلافه إلى العظام، وكونت عليها بيوفيلم.  [1، 3]

أضرار البيوفيلم على الصناعة:

تتسبب الميكروبات في البيوفيلم بأضرار كثيرة في الصناعات، كتلوث المنتجات أو تلفها، أو تآكل الأجزاء المعدنية للآلات والأجهزة، الأمر الذي يؤثر على أدائها في العملية الصناعية. [8]

في صناعة الغذاء كالألبان واللحوم وخلافه: وجِد أن العديد من الميكروبات تستطيع تكوين غشاء حيوي رقيق على أسطح الأجهزة والآلات المستخدمة بالتصنيع، كما أنها تكوّن أيضًا بيوفيلم بداخل الأغذية نفسها، وهذه الميكروبات تتسبب في تسمم وتلف هذه المواد الغذائية وحتى في تلف الآلات المستخدمة في الصناعة. [8، 9]

الصناعات الطبية والدوائية: قد تلتصق الميكروبات على جدران أنابيب المياه وأسطح الأجهزة، وبالتالي تنتقل بسهولة وتلوث المستحضرات الدوائية، وقد تسممها. أو تلتصق بأسطح الأجهزة التعويضية، والمستلزمات الطبية، وتكون مصدراً للإصابة بالعدوى. [8، 10]

صناعة البناء: كذلك لم تسلم من مشاكل الميكروبات في الغشاء الحيوي الرقيق، حيث تتسبب في تآكل الخرسانة وتصدعها.

محطات توليد الطاقة: أيضاً تتأثر بالميكروبات في البيوفيلم والتي تلتصق بالمكثفات وتنموا عليها وبالتالي تؤثر على كفاءتها.

تكرير البترول والغاز الطبيعي: يتسبب تكوّن البيوفيلم على أسطح أنابيب التكرير بتآكلها، وبالتالي إنتاج غاز أو بترول ذو درجة نقاء منخفضة.

أجسام السفن: تنمو عليها الطحالب والميكروبات في البيوفيلم وتؤثر على سرعتها.

يتم اللجوء لاستراتيجيات كمحاولة لمنع نمو الميكروبات في البوفيلم على الأسطح في الصناعة؛ كطلاء الأسطح أو تغطيتها بمواد تحول دون التصاق الميكروبات أو تكون سامة لها. [8]

المراجع:

  1. Biofilms by bacterial human pathogens: Clinical relevance – development, composition and regulation – therapeutical strategies (nih.gov)
  2. Bacterial biofilms: from the Natural environment to infectious diseases | Nature Reviews Microbiology
  3. Bacterial biofilm and associated infections – ScienceDirect
  4. Fungal-bacterial biofilms: their development for novel biotechnological applications 
  5. Mechanisms of Biofilm Development, Antibiotic Resistance and Tolerance and Their Role in Persistent Infections
  6. Biofilms in Infections of the Eye
  7. Towards diagnostic guidelines for biofilm-associated infections | Pathogens and Disease | Oxford Academic 
  1. Impact of environmental biofilms: Industrial components and its remediation
  2. Biofilms in the Food Industry: Health Aspects and Control Methods
  3. The Risk of Biofilm  
  4. Image source: Biofilm-coated bacteria could help to treat gastrointestinal infections

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


أحياء تطور صحة طب

User Avatar

Gamal Ashraf


عدد مقالات الكاتب : 12
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق