تقنية

من الخيال إلى الواقع: كيف يمكن لأجهزة فك تشفير الدماغ أن تقرأ أفكارك؟

لطالما راود البشر حلم قراءة العقول، لكن ما كان يُعتقد أنه محض خيال علمي أصبح اليوم أقرب إلى الواقع بفضل الذكاء الاصطناعي.

في السنوات الأخيرة، شهد علم الأعصاب قفزات هائلة. بفضل تطوير واجهات الدماغ والحاسوب. فقد تمكنت مجموعة من الباحثين من جامعة تكساس مؤخرًا من إحراز تقدم مذهل. في وحدة فك تشفير الدماغ القائمة على الذكاء الاصطناعي. والتي يمكنها ترجمة أفكار الشخص إلى نص. بمجرد مسح سريع للدماغ وبدون تدريب.

 كما تسمح خوارزمية المحولات الجديدة، لـ “وحدة فك تشفير الدماغ” بالتكيف بسرعة مع أفكار شخص آخر. وهي أحد أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تطورًا؛ إذ تُستخدم لفهم وتحليل البيانات المتسلسلة، بطريقة آلية وسريعة. على عكس النماذج التقليدية التي تعالج الكلمات أو البيانات بشكل متتابع. كما يستطيع المحول تحديد العلاقات بين الكلمات أو العناصر المختلفة حتى لو كانت متباعدة. مما يساعده على فهم السياق بشكل أعمق. 

بفضل هذه الميزات، أصبحت خوارزمية المحولات هي الأساس للعديد من التطبيقات المتقدمة، مثل ChatGPT في معالجة اللغة الطبيعية، وDALL-E في توليد الصور من النصوص.

فكيف تعمل هذه الأجهزة؟ وما التحديات التي تواجهها؟ هذا ما سنكتشفه في هذا المقال.

ما هو تشفير الدماغ؟

لطالما كان فك رموز الدماغ، وهو العضو الأكثر تعقيدًا في جسم الإنسان، مهمة رائعة ولكنها شاقة للعلماء. فعلى مدار قرونٍ عدة، سعى الباحثون إلى فهم كيفية معالجة أدمغتنا للمعلومات، وتخزين الذكريات، وتمكيننا من التفكير، والتعلم، والتواصل. لقد جعلتنا التطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي أقرب إلى كشف أسرار الدماغ. كما أحدث تطوير واجهات الدماغ والحاسوب (BCIs) ثورة في مجال علم الأعصاب.

ولعل أحد الجوانب الحاسمة لفك تشفير الدماغ هو فهم كيفية تمثيل اللغة ومعالجتها؛ إذ أن اللغة هي جانب أساسي من التواصل البشري. ومع ذلك، فهي تظل واحدة من أكثر وظائف الدماغ تعقيدًا وغموضًا. ويٌعد تطوير أجهزة فك تشفير الدماغ التي تعمل بالذكاء الاصطناعي أحد أبرز العوامل التي مكّنت الباحثين من الاستفادة من مراكز اللغة في الدماغ وترجمة الأفكار إلى نص.

ويمكن اعتبار مفهوم فك تشفير الدماغ شكل من أشكال الترجمة العصبية؛ حيث تترجم الإشارات العصبية للدماغ إلى لغة يمكننا فهمها. أصبحت هذه العملية ممكنة. بفضل التقدم في التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI). والذي يسمح للباحثين برسم خريطة للنشاط العصبي للدماغ في الوقت الحقيقي.

وجدير بالذكر، أن خوارزمية الذكاء الاصطناعي الجديدة التي طورها الباحثون تأخذ هذا المفهوم خطوة أخرى إلى الأمام. عن طريق رسم خريطة لاستجابات الدماغ للمحفزات المختلفة، مثل الروايات الصوتية أو المرئية. وقد يسمح هذا للخوارزمية بتحديد الأنماط والعلاقات بين النشاط العصبي للدماغ واللغة التي يعالجها. مما يتيح إنشاء وحدة فك تشفير دماغية أكثر دقة وكفاءة.

التطور المستمر في أبحاث واجهة الدماغ والحاسوب

لقد كان مفهوم واجهات الدماغ والحاسوب (BCIs) موجودًا منذ عقود، لكن فكرة قراءة الأفكار وتحويلها إلى النص لم تكتسب اهتمامًا كبيرًا إلا مؤخرًا؛ حيث تعود إحدى المحاولات الأولى إلى سبعينيات القرن العشرين، عندما اقترح عالم الأعصاب جاك فيدال فكرة استخدام تخطيط كهربية الدماغ لفك إشارات الدماغ. ومنذ ذلك الحين، حقق الباحثون تقدمًا متزايداً في تطوير واجهات التواصل بين الدماغ، لكنهم واجهوا تحديات كبيرة في إنشاء أجهزة يمكنها ترجمة نشاط الدماغ بدقة إلى نص.

وفي تسعينات القرن الماضي، حقق العلماء اختراقات كبيرة في أبحاث واجهة الدماغ الحاسوبية، إذ تمكنوا من تطوير أجهزة يمكنها فك تشفير إشارات الدماغ البسيطة، مثل حركات المؤشر على الشاشة. ومع ذلك، كان لهذه الأجهزة المبكرة تأثيرًا محدودًا على قراءة الأفكار المعقدة كما كانت تتطلب تدريبًا مكثفًا.

استمرت محاولات التطوير وصولًا إلى عام 2010، عندما بدأ الباحثون في استكشاف استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لفك تشفير نشاط الدماغ، مما أدى إلى تطوير واجهات تواصل الدماغ (BCIs) الأكثر تطورًا والتي يمكنها فك تشفير الجمل الأساسية وحتى إعادة بناء الصور المرئية من نشاط الدماغ.

Related Post

القصة وراء الاكتشاف

بدأ النهج المبتكر للباحثين في تدريب وحدة فك تشفير الدماغ باستخدام الذكاء الاصطناعي بسؤال حاسم: هل يمكن نقل وحدة فك التشفير المدربة على دماغ شخص ما إلى دماغ شخص آخر بأقل قدر من التدريب؟ وللإجابة على هذا السؤال، قاموا بتحديد كيفية استجابة أدمغة المشاركين لنفس القصص الصوتية. ثم تم بعد ذلك استخدام هذه المعلومات لتدريب وحدة فك التشفير على العمل مع أدمغة المشاركين المستهدفين، مما يلغي الحاجة إلى ساعات من بيانات التدريب.

طبق الفريق هذه الخطوة عن طريق اختبار خوارزمية المحولات على المشاركين في الهدف؛ حيث استخدمت إحدى الخوارزميات البيانات التي تم جمعها أثناء استماع المشاركين إلى 70 دقيقة من القصص الإذاعية. بينما استخدمت خوارزمية أخرى بيانات من 70 دقيقة من مشاهدة أفلام بيكسار القصيرة الصامتة التي لا علاقة لها بالقصص الإذاعية. وقد سمح هذا للباحثين باستكشاف ما إذا كان من الممكن تدريب وحدة فك التشفير على البيانات غير اللغوية، مثل استجابات الدماغ للسرد البصري.

وكانت النتائج مذهلة: فقد تمكن جهاز فك التشفير، من التنبؤ بالكلمات المرتبطة لغويًا بقصة الاختبار، حتى عندما لم يسمع المشارك القصة من قبل.

ترجمة الأفكار إلى نص بدقة عالية

تتميز خوارزمية فك تشفير الدماغ الجديدة بدقة مذهلة في ترجمة الأفكار إلى نص، حتى مع الحد الأدنى من التدريب. ولكن ما الذي تنطوي عليه هذه النتائج بالضبط؟

وجد الباحثون أن خوارزمية المحول، التي تم تدريبها على 70 دقيقة فقط من بيانات الفيلم الصامت، يمكنها التنبؤ بدقة بالكلمات من خلال مسح دماغ المشارك بدقة ملحوظة. على سبيل المثال، عندما تم تقديم قصة قصيرة عن شخص يناقش وظيفة غير مُرضية، تنبأ جهاز فك التشفير بجمل مثل “كنت في وظيفة اعتقدت أنها مملة. كان علي أن أتلقى الأوامر ولم تعجبني، لذلك عملت عليها كل يوم.”

كان هذا المستوى من الدقة غير متوقع. حيث لم يتم تدريب وحدة فك التشفير على بيانات اللغة بل على روايات الأفلام الصامتة. ويشير العلماء إلى أن هذا الإنجاز يكشف عن تداخل في كيفية تمثيل الدماغ للأفكار من اللغة والسرد البصري. مما يعني أن الدماغ يستخدم أنماطًا مماثلة لمعالجة المعلومات وتخزينها. بغض النظر عن ماهيتها.

الذكاء الاصطناعي في خدمة البشرية

يتمتع “جهاز فك تشفير الدماغ” الثوري الذي يعمل بالذكاء الاصطناعي بالقدرة على تحسين حياة الأفراد. خاصةً الذين يعانون من فقدان القدرة على الكلام بشكل كبير. وهو اضطراب دماغي يؤثر على قدرة الشخص على التواصل. وباستخدام هذه التكنولوجيا، قد تتاح لهؤلاء الأشخاص أخيرًا فرصة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بطريقة كانت مستحيلة في السابق.

تخيل أنك غير قادر على نقل أفكارك أو عواطفك أو حتى احتياجاتك الأساسية بسبب حالة تجعلك عاجزًا عن الكلام. هذه هي الحقيقة القاسية التي يواجهها ملايين الأشخاص حول العالم. وهنا يُقدم “جهاز فك تشفير الدماغ” الجديد بصيص أمل لهؤلاء الأفراد.

ويهدف الباحثون حاليًا إلى اختبار المحول على المشاركين الذين يعانون من فقدان القدرة على الكلام وتطوير واجهة من شأنها تسهيل توليد اللغة. إذا نجحت هذه التكنولوجيا، فيمكن أن تصبح شريان حياة لأولئك الذين يكافحون من أجل التواصل مع من حولهم.

لكن مع هذه الثورة تأتي تحديات أخلاقية وتساؤلات حول الخصوصية والحرية الفكرية. فهل سنشهد مستقبلًا يُستخدم فيه هذا الابتكار لصالح البشرية. أم أنه قد يصبح سلاحًا ذا حدين؟ الإجابة على هذا السؤال تكشفها الأيام القادمة.

المصادر:

  1. ScienceDirect
Author: Zeinab Sherif

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
Zeinab Sherif

Share
Published by
Zeinab Sherif

Recent Posts

ثورة المعرفة في مصر 2025: كيف جعل بنك المعرفة المصري “اقتصاد المعرفة” حقيقة ملموسة على أرض الواقع؟

بنك المعرفة المصري يتحول إلى "منصة دولية" ويقود قاطرة البحث العلمي العربي. في قلب التحولات…

يومين ago

من دهاليز الجيزة إلى أعماق الفضاء.. ظواهر 2025 التي عجز العلم عن تفسيرها

أسرار عام 2025 "عام الغموض": هل اقترب البشر من فك شفرة الكون؟ لطالما اعتبر الإنسان…

أسبوع واحد ago

حلم “إديسون” يتحقق في 2026: ثورة نانوية في عالم البطاريات بقيادة العالم المصري “ماهر القاضي”

في لحظة فارقة من تاريخ العلم، ومع إسدال الستار على عام 2025، تصدّر مشهد الابتكار…

أسبوع واحد ago

البحث العلمي كقاطرة للجمهورية الجديدة: حصاد منظومة البحث العلمي والابتكار في مصر لعام 2025

مع نهاية عام 2025، يبرز البحث العلمي في مصر كأحد المحاور الرئيسية في استراتيجية التنمية…

أسبوع واحد ago

وداعًا لأسطورة “الحواس الخمس”: أجسادنا “مفاعلات حسية” تعمل فيها عشرات الحواس الخفية بتناغم مذهل

تخيل أنك تستيقظ في غرفتك المظلمة تماماً. دون أن تفتح عينيك، ودون أن تلمس الجدران،…

أسبوعين ago

حصاد العقول والعدسات: “نيتشر” تكشف عن الشخصيات والصور التي صاغت وجه العلم في 2025

من أعماق المحيط إلى حدود الكون: هؤلاء هم أبطال العلم لعام 2025 لم يكن عام…

أسبوعين ago