
لطالما وقف العلم حائراً أمام العتبة الأخيرة للحياة: لحظة الموت. هل هي نهاية كل شيء؟ أم أنها مجرد انتقال لوعي الإنسان إلى حالة أخرى؟ في السنوات الأخيرة، حاول تيار من علماء الأعصاب تقديم تفسيرات مادية بحتة لهذه الظاهرة، مختزلين “تجربة الاقتراب من الموت” في مجرد تفاعلات كيميائية وهلوسات دماغية ناتجة عن نقص الأكسجين.
أحدث هذه المحاولات كانت نظرية طموحة أُطلق عليها اسم “نبتون“، والتي حاولت وضع “قفل نهائي” مادي لظاهرة الوعي بعد الموت. لكن، وفي ورقة بحثية رصينة ومثيرة للجدل نُشرت في دورية Psychology of Consciousness، خرج اثنان من كبار الباحثين في جامعة فرجينيا، وهما الطبيب المخضرم بروس جرايسون وعالمة النفس مارييتا بيهليفانوفا، ليعلنا أن “القفل لم يُغلق بعد”، وأن التفسيرات الفسيولوجية لا تزال عاجزة تماماً عن تفسير تعقيد ووضوح ما يراه الإنسان لحظة الموت.
يستعرض هذا التقرير العلمي المفصل تفاصيل هذا السجال العلمي، ويشرح نظرية “نبتون”، ولماذا يراها جرايسون غير كافية، مع تحديثات حول أحدث اكتشافات “الوعي الخفي” في أدمغة المحتضرين.
ما هي نظرية “نبتون“؟
لفهم نقد الباحثين، يجب أولاً أن نفهم ما يطرحه الفريق المقابل. نظرية “نبتون” (NEPTUNE) هي إطار نظري حديث نسبياً (اختصار لـ Neurophysiological Evolutionary Psychological Theory Understanding Near-Death Experience)، وهي تمثل ذروة التفسير “المادي” لما يحدث عند الموت.
تستند هذه النظرية إلى عدة ركائز بيولوجية لتفسير النور، والسكينة، ورؤية الأقارب الموتى، وهي:
- آلية “التظاهر بالموت“: تقترح النظرية أن الهدوء والانفصال عن الجسد هو بقايا تطورية قديمة موجودة لدى الحيوانات (مثل الأبوسوم الذي يتظاهر بالموت عند الخطر) لحماية الكائن من الألم النفسي والجسدي الهائل لحظة الافتراس أو الموت.
- العاصفة الكيميائية: تعزو النظرية المشاهدات إلى إفراز مفاجئ لمواد كيميائية في الدماغ مثل الإندورفين (مسكنات طبيعية) وناقلات عصبية تسبب الهلوسة.
- نقص الأكسجين: يُعتقد أن تراجع الأكسجين في الفص الصدغي للدماغ يؤدي إلى “رؤية النفق” الشهيرة.
- الطلقات الكهربائية: تشير إلى أن الدماغ المحتضر يطلق شحنات كهربائية عشوائية تسبب رؤى وذكريات متداخلة.
تفكيك النظرية.. لماذا يرفض جرايسون وبيهليفانوفا التفسير المادي؟
في نقدهما المنشور، لم ينفِ جرايسون وبيهليفانوفا وجود تغيرات بيولوجية، لكنهما جادلا بأن هذه التغيرات هي “الآلية” وليست “السبب”، وأنها تفشل في تفسير محتوى التجربة. وقد استندا إلى النقاط العلمية التالية:
معضلة “الإدراك الحقيقي“
أقوى حجة قدمها العالمان هي الحالات الموثقة لمرضى ماتوا سريرياً توقف القلب وتسطح تخطيط الدماغ EEG، ومع ذلك تمكنوا من وصف ما حدث في غرفة الإنعاش بدقة مذهلة.
- النقد: النماذج الفسيولوجية (مثل نبتون) تفترض أن الدماغ في حالة “فوضى” وهلوسة. الهلوسة بطبعها مشوشة وغير دقيقة.
- الواقع: كيف يمكن لدماغ “معطل” أو “مهلوس” أن يرى بدقة الطبيب وهو يمسك بمشرط معين، أو يسمع حديثاً دار في الغرفة المجاورة؟ هذه دقة لا يمكن للهلوسة إنتاجها.
الفرق بين الهلوسة وتجربة الموت
أشار الباحثان إلى أن الهلوسات الناتجة عن الأدوية أو نقص الأكسجين عادة ما تكون:
- أحادية الحاسة: تسمع صوتاً فقط، أو ترى خيالاً فقط.
- مشوشة ومرعبة: غالباً ما تكون مخيفة وغير منطقية.
- قصيرة المدى: تزول فوراً.
بينما تجارب الاقتراب من الموت تكون:
- متعددة الحواس: (رؤية، سمع، إدراك مكاني، وحتى شم) تعمل بتناغم تام.
- شديدة الوضوح: يصفها الناجون بأنها “أكثر حقيقية من الحياة نفسها”.
- ذات أثر تحويلي: تغير شخصية الإنسان للأفضل وتزيل خوفه من الموت لعقود، وهو ما لا تفعله الهلوسة العابرة.
فشل التحفيز الكهربائي في استنساخ التجربة
استندت نظرية “نبتون” إلى دراسات قديمة تشير إلى أن تحفيز منطقة في الدماغ تسمى “الوصلة الصدغية الجدارية” (Temporoparietal Junction) يسبب شعوراً بالخروج من الجسد.
رد جرايسون: المرضى الذين خضعوا لهذا التحفيز شعروا بدوار أو اختلال في توازن أجسادهم، لكنهم لم يمروا بالتجربة الروحية العميقة، ولم يلتقوا بأقارب موتى، ولم يشعروا بالسكينة المطلقة. إنه تشابه سطحي فقط.
ماذا تقول أحدث الدراسات؟
لتعزيز هذا التقرير بأحدث ما توصل إليه العلم، يجب الإشارة إلى نتائج دراسة AWARE-II التي قادها البروفيسور سام بارنيا من جامعة نيويورك، والتي نُشرت نتائجها الكبرى مؤخراً.
كشفت هذه الدراسة عن مفاجأة بيولوجية تدعم جزئياً كلام جرايسون من زاوية أخرى:
- موجات جاما : وجد العلماء أنه حتى بعد توقف القلب لمدة تصل إلى ساعة، تظهر في أدمغة بعض المرضى فجأة موجات “جاما” السريعة جداً، وهي الموجات المرتبطة بأعلى درجات التركيز والوعي وتذكر المعلومات.
- المعنى العلمي: هذا يعني أن الدماغ لا “ينطفئ” فوراً كما كنا نعتقد، بل قد يدخل في حالة من “الوعي الفائق” (Lucidity) أثناء الموت.
هذا الاكتشاف يحطم الفكرة القديمة بأن الدماغ ميت، لكنه -وكما يقول جرايسون- لا يفسر مصدر الصور والمعلومات التي يراها المريض. إنه يثبت وجود “نشاط”، لكنه لا يفسر “الوعي”.
الوعي.. هل هو نتاج الدماغ أم زائر له؟
يصل التقرير هنا إلى المعضلة الفلسفية-العلمية الكبرى التي يطرحها جرايسون وبيهليفانوفا. النظرية المادية (مثل نبتون) تقول: الدماغ يُنتج الوعي (مثلما تنتج الكلية البول). إذا مات الدماغ، انتهى الوعي. أما ما تقترحه الأدلة الجديدة فهو: الدماغ قد يكون مُستقبِلاً للوعي (مثل جهاز الراديو الذي يستقبل الإشارة). إذا تحطم الراديو، لا تنتهي الإشارة، بل يتوقف الجهاز عن بثها فقط.
يقول جرايسون: “إن النماذج المادية لا يمكنها تفسير حدوث الإدراك الواعي الواضح والدقيق في غياب النشاط الدماغي الطبيعي“. إن وجود وعي صافٍ في دماغ يفتقر للأكسجين والدم هو لغز يتحدى قوانين البيولوجيا العصبية الحالية.
العلم يوسع حدوده
في الختام، يؤكد هذا السجال العلمي الراقي بين مؤيدي نظرية “نبتون” وبين جرايسون وبيهليفانوفا أن العلم لم يقل كلمته الأخيرة بعد. إن الاعتراف بقصور التفسيرات الفسيولوجية ليس استسلاماً للخرافة، بل هو قمة الأمانة العلمية التي تفتح الباب للبحث عن “فيزياء جديدة” للوعي.
قد نكون أمام حقيقة مذهلة: أن الموت السريري ليس زر “إيقاف التشغيل” للإنسان، بل قد يكون مجرد بوابة لتجربة وعي من نوع آخر، لا تزال أدواتنا المادية الحالية أعجز من أن ترصدها بالكامل. وكما قال العالمان: “مسألة الوعي وارتباطه بالدماغ تظل واحدة من أكبر الألغاز في العلم“.
جدول مقارنة: معركة تفسير “الوعي” بين المادية والروحانية العلمية
| النظرية المادية (الفسيولوجية/نبتون) | نظرية استقلال الوعي (جرايسون/الوعي غير المحلي) | وجه المقارنة |
| الدماغ هو المصنع: الوعي هو نتاج مباشر للعمليات الكيميائية والكهربائية في الدماغ. إذا توقف الدماغ، اختفى الوعي تماماً. | الدماغ هو المُستقبِل (Radio): الوعي كيان مستقل قد يستخدم الدماغ كأداة للظهور، لكنه لا يفنى بتلف الجهاز (الدماغ)، تماماً كما لا تختفي الإذاعة بتحطم الراديو. | مصدر الوعي |
| خلل وظيفي (Malfunction): هي “هلوسات” ناتجة عن نقص الأكسجين، واضطراب كهربائي، وإفراز مواد كيميائية، وآلية دفاعية ضد الخوف. | انفصال حقيقي: هي تجربة وعي حقيقية تحدث عندما يتحرر “العقل/الروح” من قيود الجسد المادي والقوانين الفيزيائية المعروفة. | سبب تجربة الموت |
| مشوشة وضبابية: بما أنها نتاج دماغ يحتضر، يجب أن تكون مثل الأحلام المتداخلة أو الهلذيان غير المترابط. | فائقة الوضوح (Hyper-real): يصفها المجربون بأنها “أكثر حقيقية من الواقع”، تتميز بحدة حواس خارقة، وتفكير منطقي وتسلسل زمني دقيق، وهو ما يستحيل حدوثه لدماغ معطل. | وضوح التجربة |
| ذكريات كاذبة: ما يرويه المريض عن غرفة الإنعاش هو مجرد تخمينات، أو سماع غير واعي تمت إعادة بنائه كذكريات بصرية لاحقاً. | مشاهدات دقيقة: هناك حالات موثقة لمرضى رأوا أشياء دقيقة (رقم تسلسلي لجهاز، أداة جراحية مخفية) يستحيل رؤيتها من وضعية الجسد، مما يثبت أن الوعي كان “خارج” الجسد. | الرؤية الواقعية |
| تتلاشى أو تسبب صدمة: مثل أي هلوسة أو حلم، غالباً ما تُنسى تفاصيلها بمرور الوقت، أو تترك أثراً سلبياً كاضطراب ما بعد الصدمة. | محفورة ومُغيِّرة: تبقى الذاكرة حية لعقود بكامل تفاصيلها، وتحدث تغييراً إيجابياً جذرياً في الشخصية (زيادة الإيثار، زوال الخوف من الموت) لا يمكن تفسيره بيولوجياً. | الذاكرة والأثر |
سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.
التعليقات :