
في الوقت الذي ينتظر فيه الملايين حول العالم بارقة أمل لشفاء من مرض السرطان، صدمت أوساط البحث العلمي بتقرير يكشف عن “وباء” من الأوراق البحثية المزيفة التي تسللت إلى كبرى المجلات الطبية. لم تعد المشكلة مجرد أخطاء بشرية عفوية، بل تحولت إلى صناعة منظمة تُعرف بـ “مصانع الأبحاث“، وهي كيانات تجارية تبيع دراسات مفبركة للباحثين الساعين للترقي الوظيفي. اليوم، وبفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي، تمكن فريق دولي من تطوير “مصفاة رقمية” قادرة على تمييز الخبيث من الطيب في ملايين الصفحات العلمية.
الأداة الثورية: “رادار” لكشف التزوير
قاد البروفيسور أدريان بارنيت، الباحث المرموق بجامعة كوينزلاند للتكنولوجيا، جهداً بحثياً بالتعاون مع “المركز الأسترالي للابتكار في الرعاية الصحية”، لتطوير أداة تعتمد على التعلم الآلي. هذه الأداة ليست مجرد برنامج عادي، بل هي نموذج لغوي متطور يُدعى “بيرت” (BERT)، تم تدريبه على التعرف على “البصمات النصية” التي تتركها مصانع الأبحاث وراءها.
حجم الكارثة بالأرقام
قام الفريق بتحليل قاعدة بيانات ضخمة تشمل 2.6 مليون دراسة حول السرطان نُشرت بين عامي 1999 و2024. وكانت النتائج صادمة:
- رصد أكثر من 250 ألف ورقة بحثية مشبوهة.
- قفزت نسبة الأبحاث المزيفة من 1% في عام 2000 إلى أكثر من 16% في عام 2022.
- تحديد دقة الأداة في كشف التلاعب بنسبة تصل إلى 91%.
كيف تعمل “مصانع الأبحاث”؟
تعتمد هذه المصانع على استراتيجيات ذكية لكنها مكشوفة للذكاء الاصطناعي:
- إعادة تدوير النصوص: استخدام فقرات كاملة من أبحاث قديمة مع تغيير أسماء الجينات أو أنواع الخلايا فقط.
- الصور المفبركة: التلاعب بصور المجهر أو نتائج التحاليل المخبرية باستخدام برامج التحرير.
- القوالب الجاهزة: استخدام هيكل ثابت للبحث يتم حشو بيانات وهمية داخله.
التخصصات الأكثر تضرراً
كشف التقرير أن التلاعب يتركز بشكل مخيف في أبحاث بيولوجيا السرطان الجزيئية، وخاصة تلك المتعلقة بـ:
- سرطان الكبد والمعدة.
- سرطان الرئة والعظام.
- الأبحاث المخبرية الأولية التي تسبق تجربة الأدوية على البشر.
لماذا يمثل هذا خطراً على حياتك؟
قد يتساءل القارئ العادي: “ما شأني وأنا لست باحثاً؟“. الحقيقة أن هذه الأبحاث هي حجر الأساس الذي تُبنى عليه التجارب السريرية للأدوية الجديدة.
يقول البروفيسور بارنيت: “إذا كانت نقطة الانطلاق (البحث المخبري) مزيفة، فإننا نهدر سنوات من الوقت ومليارات الدولارات في ملاحقة سراب طبي، والأخطر أننا قد نعرض المرضى لأدوية بُنيت فعاليتها على بيانات كاذبة”.
نحو بيئة علمية نزيهة
إن كشف هذه الآلاف من الدراسات المشبوهة ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتنقية “ذاكرة العلم”. بدأت بالفعل ثلاث مجلات علمية كبرى في دمج هذا الفلتر ضمن إجراءات التحكيم قبل النشر. إن حماية البحث العلمي من التزيير هي حماية لحياة الإنسان في المقام الأول، وتذكير بأن التكنولوجيا التي قد تُستخدم للتزوير (مثل النماذج اللغوية) هي نفسها السلاح الأقوى لكشفه.
سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.
التعليقات :