
في خطوة بدت وكأنها قفزة مباشرة من صفحات روايات الخيال العلمي إلى أرض الواقع، أعلنت شركة يابانية رائدة عن طرح “الغسالة البشرية” للبيع التجاري، وذلك عقب النجاح الجماهيري الساحق الذي حققته نسختها التجريبية في معرض “إكسبو أوساكا” الذي اختتم فعالياته مؤخراً. هذا الابتكار، الذي كان مجرد حلم مستقبلي قبل نصف قرن، بات اليوم حقيقة ملموسة تعتمد على أعقد تقنيات الذكاء الاصطناعي وفيزياء الموائع، لتقديم تجربة لا تكتفي بتنظيف البدن، بل تزعم الشركة أنها “تغسل الروح” أيض!
محتويات المقال :
الحلم القديم
لم تكن فكرة “الغسالة البشرية” وليدة اللحظة؛ فجذورها تعود إلى عام 1970، عندما استضافت مدينة أوساكا معرض إكسبو العالمي لأول مرة. حينها، قدمت شركة “سانيو” (Sanyo) نموذجاً أولياً لـ “حوض استحمام بالموجات فوق الصوتية”، أبهر الحضور لكنه لم يتحول إلى منتج تجاري بسبب تعقيدات تقنية وتكلفته العالية آنذاك. اليوم، وبعد مرور 55 عاماً، قررت شركة “ساينس” (Science Co. Ltd)، وهي شركة يابانية مقرها أوساكا متخصصة في ابتكارات الحمامات والمطابخ، إحياء هذا الإرث. وتقول المتحدثة باسم الشركة، ساتشيكو مايكورا، إن رئيس الشركة الحالي، ياسواكي أوياما، كان طفلاً يبلغ من العمر 10 سنوات عندما شاهد النموذج الأصلي في معرض 1970، وظل الحلم يراوده طوال حياته حتى حققه اليوم عبر مشروع “ميراي نينجن سنتاكي” (Mirai Ningen Sentakuki) أو “غسالة البشر المستقبلية”.
كيف تعمل الغسالة البشرية؟ (الجانب العلمي):
تختلف الآلة الجديدة كلياً عن مجرد حوض استحمام متطور؛ فهي كبسولة مغلقة يستلقي فيها المستخدم، لتبدأ دورة تنظيف وتجفيف مدتها 15 دقيقة تعتمد على تقنيات فيزيائية متقدمة:
- تكنولوجيا الفقاعات الدقيقة (Fine Bubble Technology): لا تعتمد الآلة على الفرك اليدوي أو الفرش القاسية، بل تستخدم ضخ ملايين الفقاعات متناهية الصغر (Micro-bubbles) والفقاعات النانوية (Nanobubbles). هذه الفقاعات تمتلك خاصية فيزيائية فريدة؛ حيث تحمل شحنات كهربائية تساعدها على اختراق مسام الجلد بعمق وجذب الأوساخ والدهون العالقة وإزالتها بلطف شديد دون الحاجة لكميات كبيرة من الصابون، مما يحافظ على الطبقة الطبيعية للجلد.
- الموجات فوق الصوتية (Ultrasonic Waves): تعمل الموجات على توليد اهتزازات دقيقة في الماء تساعد في تفكيك الأوساخ وتنشيط الدورة الدموية للمستخدم، مما يوفر تأثيراً مشابهاً للتدليك العلاجي (Massage).
غسيل “الروح” والذكاء الاصطناعي:
ما يميز هذا الابتكار هو دمج “الذكاء الاصطناعي” (AI) مع “المستشعرات الحيوية” (Bio-sensors).
- تحتوي الكبسولة على مستشعرات تراقب العلامات الحيوية للمستخدم مثل نبضات القلب (Heart rate) وحالة الجهاز العصبي (Nervous system).
- يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل هذه البيانات لتحديد مستوى التوتر لدى المستخدم (Stress level).
- بناءً على التحليل، تقوم الآلة بضبط بيئة الاستحمام: درجة حرارة الماء، الموسيقى الهادئة، وحتى الصور التي يتم عرضها على شاشة داخلية أمام عين المستخدم، بهدف نقله من حالة التوتر (سيادة الجهاز العصبي الودي) إلى حالة الاسترخاء التام (الجهاز العصبي اللاودي). وهذا ما دفع الشركة لوصف التجربة بأنها “غسل للروح” وليس للجسد فقط.
الطرح التجاري والسعر “الفلكي”:
بعد أن لفت النموذج الأولي انتباه شركة منتجعات أمريكية، قررت شركة “ساينس” تحويله لمنتج تجاري حقيقي.
- السعر: ذكرت وسائل إعلام محلية يابانية أن سعر الوحدة يبلغ 60 مليون ين ياباني (ما يعادل حوالي 385,000 دولار أمريكي).
- الندرة: تخطط الشركة لإنتاج عدد محدود جداً يبلغ 50 وحدة فقط، مما يضيف عنصر “الندرة” كقيمة تسويقية للمنتج.
- أماكن التواجد: اشترى فندق في أوساكا أول وحدة لتقديمها كخدمة للنزلاء، كما أعلنت سلسلة متاجر الإلكترونيات الشهيرة “يامادا دينكي” (Yamada Denki) عن عرض الجهاز في فروعها لجذب الزوار.
غسالة بشرية تعمل بتقنية الفقاعات الدقيقة والذكاء الاصطناعي.
تمثل “الغسالة البشرية” أكثر من مجرد وسيلة رفاهية للأثرياء؛ فهي تفتح آفاقاً علمية جديدة في مجال “تكنولوجيا الرعاية” (Care Technology). فعلى الرغم من سعرها المرتفع حالياً، إلا أن تطوير هذه التقنية قد يساهم مستقبلاً في إحداث ثورة في رعاية كبار السن والمرضى الذين يجدون صعوبة في الاستحمام التقليدي، موفرة لهم تجربة نظافة كريمة وآلية بالكامل. إن دمج التكنولوجيا الحيوية مع الحياة اليومية يثبت مرة أخرى أن اليابان لا تزال رائدة في تحويل الخيال إلى واقع يخدم الإنسان.
ال
سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.
التعليقات :