فضاء

هل يستطيع جيمس ويب رؤية المجرات خارج الأفق الكوني؟

في اكتشاف رائد، تجاوز تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) حدود المراقبة الفلكية، والتقط الضوء من المجرات التي تبعد 33.8 مليار سنة ضوئية. ويبدو أن هذا العمل الفذ يتحدى القوانين الأساسية للفيزياء، حيث أن العمر المقدر للكون هو 13.8 مليار سنة فقط. إذًا، هل يمكن رؤية المجرات التي يُزعم أنها تقع خارج الأفق الكوني، وهي النقطة التي لا يمكن للضوء أن يصل إلينا بعدها؟

نافذة على الماضي

الكون يشبه كبسولة زمنية، تحمل أسرار الماضي في اتساعها الشاسع. عندما ننظر إلى الكون، فإننا نلقي نظرة خاطفة على تاريخه، حيث تعمل المجرات بمثابة لقطات لعصور مختلفة. المجرات البعيدة، مثل (JADES-GS-z14-0) رائعة بشكل خاص، لأنها تقدم لمحة عن اللحظات الأولى للكون. ولكن كيف يمكننا رؤية هذه المجرات، بالنظر إلى أن الضوء يستغرق مليارات السنين للسفر عبر الكون؟

لنقل أنك قمت بالتقاط صورة للكون في نقاط مختلفة من تاريخه الممتد لـ 13.8 مليار سنة. ستكشف كل لقطة عن حقبة مميزة، مع تطور المجرات والنجوم بمرور الوقت. الكون هو نافذة على الماضي، توفر نظرة ثاقبة لتكوين وتطور المجرات والنجوم والكواكب. ومن خلال دراسة هذه المجرات البعيدة، يمكننا كشف أسرار الأيام الأولى للكون، واكتساب فهم أعمق للتطور الذي شكل الكون الذي نراه اليوم.

البحث العلمي لفهم الأفق الكوني

يعد الكون موطنًا للعديد من الألغاز، ولكن أحد أكثرها إثارة للاهتمام هو مفهوم الأفق الكوني (Cosmological horizon). الأفق الكوني هو أقصى مسافة يمكن للمرء استرجاع المعلومات منها. وفي سياق عمر الكون، فهي أبعد نقطة يمكن أن ينتقل منها الضوء إلينا. تُعد هذه الحافة من الكون المرئي جانبًا حاسمًا في فهم توسع الكون والمجرات البعيدة التي اكتشفها تلسكوب جيمس ويب الفضائي.

يوضح عالم الفلك جيك هيلتون أن هناك آفاقًا كونية متعددة، لكل منها تعريفها الخاص وتعتمد على كميات كونية مختلفة. والأكثر أهمية هنا هو الأفق الكوني الذي يمثل أقصى مسافة يمكن للضوء أن يقطعها إلينا في عمر الكون. وهذا يحدد حافة الكون القابل للملاحظة، وهذا الأفق يتغير باستمرار بسبب توسع الكون.

لقد تجاوز تلسكوب جيمس ويب الفضائي حدود فهمنا من خلال اكتشاف مجرات مثل (JADES-GS-z14-0)، والتي تبعد عنا مسافة مذهلة تبلغ 33.8 مليار سنة ضوئية. وهذا يثير تساؤلات حول إمكانية رؤية الضوء من جسم بعيد جدًا لدرجة أن الكون ليس قديمًا بما يكفي للسماح له بالوصول إلينا. الجواب يكمن في توسع الكون، الذي تسارع منذ الانفجار الكبير.

Related Post

توسع الكون

مع توسع الكون، تزداد المسافة بين المجرات، ويستغرق الضوء الصادر من تلك المجرات وقتًا أطول للوصول إلينا. ولكن هناك تطور.

في بداية الكون، كان هناك الفترة الأولية من التضخم الكوني السريع (initial period of rapid cosmic inflation)، المعروفة باسم الانفجار الكبير (Big Bang). وأعقب ذلك عصر هيمنت عليه المادة، حيث توسع الكون ببطء. ثم، منذ حوالي 10 مليارات سنة، بدأ الكون فجأة في التوسع بسرعة مرة أخرى، مدفوعًا بقوة غامضة تسمى الطاقة المظلمة. ويستمر هذا التسارع حتى يومنا هذا

ويعني هذا التوسع أن الضوء المنبعث من مجرة (JADES-GS-z14-0) لم يسافر إلينا إلا لمدة 13.5 مليار سنة، على الرغم من أن مصدره أبعد بكثير. يبدو الأمر كما لو أن الكون يعطينا لمحة عن الماضي، مما يسمح لنا برؤية مجرة (JADES-GS-z14-0) كما كانت بعد 300 مليون سنة من الانفجار الكبير.

وفقًا لجيك هيلتون، عالم الفلك بجامعة أريزونا وعضو في فريق المسح العميق خارج المجرات المتقدم (JADES) التابع لـ (JWST)، فإن الأفق الكوني، أو “أفق الفوتون”، هو عبارة عن كرة تبعد حوالي 46.1 مليار سنة ضوئية، وبعدها لا ينبغي أن نكون قادرين على رؤية أي مجرة. وتقع مجرة (JADES-GS-z14-0) ضمن هذا الأفق، ولهذا السبب يمكننا مراقبته.

لتجنب الارتباك، يستخدم علماء الفلك في الواقع مقياسين لقياس المسافة: مسافة الحركة المشتركة التي تستبعد توسع الكون كعامل ومسافة مناسبة تتضمنه. وهذا يعني أن مسافة الحركة المشتركة لـ (JADES-GS-z14-0) هي 13.5 مليار سنة ضوئية، في حين أن مسافتها المناسبة هي 33.8 مليار سنة ضوئية.

نافذة محدودة للفرص الكونية

في حوالي 2 تريليون سنة، سيكون توسع الكون قد حمل هذه المجرات إلى ما وراء أفقنا الكوني، مما يجعلها غير مرئية لأي أشكال حياة ذكية مستقبلية قد تنشأ في درب التبانة. إنها فكرة واقعية، تؤكد أهمية لحظتنا الحالية في تاريخ الكون.
نحن محظوظون بأن نعيش في وقت لا تزال فيه المجرات البعيدة في متناول أيدينا، ولدينا البراعة التكنولوجية لدراستها بتفاصيل غير مسبوقة. لقد فتح تلسكوب جيمس ويب الفضائي، بقدراته الرائعة، حدودًا جديدة في علم الفلك، مما يسمح لنا بالتعمق في الكون أكثر من أي وقت مضى.

وبينما نواصل استكشاف الكون، فإننا نواجه حقيقة أن الوقت المتاح لنا للنظر إلى الكون محدود. إن نافذة الفرص المحدودة هذه بمثابة دعوة واضحة لعلماء الفلك والعلماء والجمهور على حد سواء، لاغتنام الفرصة وتحقيق أقصى استفادة من امتيازنا الكوني.

إن اكتشاف (JADES-GS-z14-0) والمجرات البعيدة الأخرى هو شهادة على براعة الإنسان وفضولنا حول الكون. وبينما نواصل دفع حدود المعرفة، يتم تذكيرنا بأن الكون عبارة عن نسيج ديناميكي ومتغير باستمرار، وأن فهمنا له يتطور.

المصدر

Can the James Webb Space Telescope see galaxies over the universe’s horizon? / live science

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
أخبار علمية

Share
Published by
أخبار علمية

Recent Posts

قراءة علمية في ألغاز الاختفاء الغامض: لماذا تختفي ألمع العقول في المختبرات الحيوية الأمريكية؟

هل أصبحت أبحاث "الأجسام الطائرة" والذكاء غير البشري لعنة على أصحابها؟ لطالما كان العلماء هم…

15 ساعة ago

زلزال في محراب البيولوجيا التطورية.. كيف كشف باحثون خدعة إحصائية تعيد النظر في قواعد “التطور الجنيني”

تصحيح مسار التاريخ البيولوجي.. كيف كشف "الخلل الرياضي" أسرار نمو الكائنات؟ منذ أن وضع داروين…

يومين ago

بكتيريا “الزومبي” واختراق حدود المستحيل: هل نجح العلماء في فك شفرة إعادة إحياء الحياة اصطناعياً؟

تراتيل الحياة من بين ركام العدم في غمرة السعي البشري الحثيث لفك طلاسم الوجود، تطل…

5 أيام ago

“مصريبيثيكس موغراينسيس”: ثورة علمية مصرية تعيد رسم شجرة عائلة القردة العليا وتكشف أسرار الماضي السحيق

حينما تستنطق رمال مصر صمت التاريخ في قلب الصحراء الغربية المصرية، حيث تلتقي زرقة السماء…

7 أيام ago

نهاية “الخلود” الجيني: دراسة يابانية تفك شفرة الانهيار البيولوجي وتكشف الحدود الحتمية لاستنساخ الثدييات

منذ تلك اللحظة التاريخية في عام 1996، حين أعلن العالم "إيان ويلموت" عن ولادة النعجة…

أسبوع واحد ago

لمحة عن الحضارة الصينية القديمة

تُعد الحضارة الصينية من أقدم وأغنى الحضارات في تاريخ البشرية، اذ تمتد جذورها إلى آلاف…

أسبوع واحد ago