Categories: طبصحة

هل يرتبط الطفل بأمه لأجل الغذاء أم الحنان؟

لا تحتاج أن تنجب أطفالاً حتى تتأكد من مدى العلاقة الوثيقة بين الطفل وأمه؛ فهذا واضح للقاصي والداني ومعروف أيضاً أنه في مرحلة معينة لا يقبل الطفل بوجود بديل لأمه ومجرد وجود أي شخص غريب في الجوار يجعله أكثر التصاقاً بها، فهو يريد أن يكون بجوارها أمد الدهر. ولكن لماذا كل هذا؟ هل ارتباطه بها لأجل الغذاء أم الحنان؟ ظل هذا السؤال مصدر حيرة لسنوات طويلة، وممكن أن يكون خطر ببالك عندما شاهدت فيلم الرعب mama. وقد برزت العديد من النظريات والتجارب هدفها هو إجابة سؤال: هل يرتبط الطفل بأمه لأجل الغذاء أم الحنان؟ ….. سنناقشها فيما يلي.

1. الارتباط قائم على الغذاء :

خرجت النظرية السلوكية للتعلق عام 1950 التى تقول أن ارتباط الطفل بأمه يكمن في كونها مصدر الغذاء الأساسي الذي يسهل الحصول عليه حتى من غير طلب، وأن بكاء الطفل سبب لتلبية رغباته وقد عرف الطفل ذلك فأصبح بكائه عادة لا يسلوها لفترة من عمره.

2. الارتباط قائم على الحنان :

كان لجون باولبي رأي مختلف : ارتباط الطفل بأمه قائم على رغبته في تكوين علاقة بالمحيطين به حيث أنه وُلِد ليكون علاقات بمن حوله باعتبارهم السبيل الوحيد للنجاة، فيحاول الطفل إطلاق مبادة تعارف اجتماعية على هيئة بكاء متكرر وصيحات عالية غالباً ما يستهدف بها الأم حتى تقترب منه وتلبي رغبته في الشعور بالأمان عن طريق حمله أو اللعب معه حيث يكون تلامسه مع أمه هو مصدر الطمأنينة الوحيد والمرغوب فيه بشدة، فتكون أمه في نظره ممثلة الأمان التي يحتاجها على الأقل في السنين الخمس الأولى من عمره، فإن لم يتوفر له ذلك النوع من الأمان سيعاني مدى حياته بعلل نفسية متعددة.

وهنا كانت الحيرة أياً من النظريتين يعتبر صحيحاً… كانت الإجابة في صالح جون باوالبي تم تقديمها على يد الباحث هاري هارلو في تجربة أجراها على القردة وقت صياغة نظرية باوالبي.

التجربة المأساوية والوصول للحقيقة:

في الواقع تلك التجربة التي سنتعرف عليها الآن لم تأتي في وقت صياغة نظرية باوالبي من قبيل الصدفة، بل سبقها ترتيب متقن. حيث تعرف هاري هارلو على باوالبي عن طريق صديق مشترك وهو عالم السلوك «روبيرتو هيند» وكان كلاهما غير مقتنع بالنظرية السلوكية التى ذكرناها فيما مضى. واشتد التواصل بينهما كحضور المؤتمرات معاً وتعرف هارلو على أفضل تلامذة باوالبي، وبعد فترة زادت رغبة هارلو في إثبات خطأ النظرية السلوكية ولكنه واجه مشكلة كبيرة وهي: على من سيقوم بتجاربه؟ هل على الفئران كما المعتاد أم البشر أم هناك حل آخر؟

لماذا كانت القرود الحل؟

كان من الصعب جدا استخدام البشر في التجارب النفسية لعدة أسباب تتراوح من أخلاقية وحقوقية ولكن السبب الأكثر أهمية أن التجربة قائمة على مراقبة الطفل على مدار الساعة في بيئته الطبيعية وهذا أمر مستحيل طبعاً. وكان أيضا من الصعب استخدام الفئران لافتقارها الإدراك الذكي الذي تحظى به القرود، وبذلك حُلت القضية وتبقى تصميم تجارب فعالة.

التجارب الفعالة:

قام هارلو بعدة تجارب اتصفت بالمأساوية مثل :

Related Post
  1. العزلة الطويلة: قام بعزل القردة حديثة الولادة في بيئة معملية لفترات متباينة فمنهم من تم عزله لثلاثة أشهر، أو ستة أشهر، أو تسعة أو سنة كاملة. وبعد ذلك أعادهم لبيئة القرود مراقباً تصرفاتهم مع الآخرين. وكانت النتائج مزعجة جدا حيث : في أثناء فترة العزلة قام بعض القردة بأذية أنفسهم ولاحظوا أيضا تعلق الصغار بالأقمشة أو الفرو مثل البطاطين. وبعد وضعهم مع أقرانهم من القردة لم يتكيفوا معهم فمنهم من كان يخاف بشدة ويتعرض للضرب المستمر، ومنهم من كان عنيف بشدة، وآخرين قاموا بعض أيديهم وخدش جلودهم وتمزيق فروهم. وكان شدة الأثر يتزايد مع زيادة مدة العزلة. حتى استنتج هارلو أن العزلة الدائمة في الصغار تسبب دمارا نفسياً لا يمكن احتوائه.
  2. الأم المزيفة : قام هارلو بعزل أطفال القردة عن أمهاتهم بعد الولادة مباشرة ووضعهم في أقفاص مستقلة. إحدى الأقفاص كان يحتوى على عروسة مغطاة بالقماش والأخرى كانت تفتقر للقماش حيث تواجدت الأسلاك بدلاً منه ولكن بها زجاجة حليب. والنوع الآخر من الأقفاص كان به العروسة القماشية بها زجاجة حليب، والعروسة السلكية ولكن بدون حليب. تمثل تلك العرائس الأمهات المزيفة. وكانت النتيجة تعلق القرد بالأم القماشية بشدة فى كل الحالات حتى لو افتقرت للحليب حيث أنه يشرب من الأم السلكية ولكن يقضي كل وقته مع القماشية وإذا تم إثارته بشكل مخيف عن طريق ضوضاء شديدة أو جسم غريب كان يفر للأم القماشية. وإذا تم نقل القرد مع أمه القماشية لبيئة غريبة فإنه يدور فيها مستكشفاً ثم يعود ملتصقاً بأمه القماشية. أما إذا تم نقله لوحده فإنه ينكمش على الأرض ويضع إبهمه في فمه من الخوف. وعند مقارنة تلك القردة بأقرانهم ممن نشأوا في وجود أم طبيعية وُجِدَ أنهم أقل ألفة، ويتعرضون للضرب باستمرار، ولا يستطيعون التعامل مع غيرهم. وكان أكثر الملاحظات مأساوية هو عدم قدرة الأنثى أن تكون أماً طبيعية حتى وصل الأمر أنها كانت تقتل طفلها وتضرب رأسه بالأرض وتحطمه.

على الرغم من إدانة تلك التجربة بشدة من قبل الكثيرين إلا أن أثرها مستمر أكثر من 70 سنة وبرهن أن أكثر ما يحتاجه الطفل هو الشعور بالأمان المتمثل في اللمسة الدافئة واللعب وأن يشعر بتفاعل وحب من حوله ففي تلك المرحلة يتمثل الكون كله في أمه، فهو بحاجة لإن تشعره بالطمأنينة وأنه قادر على النجاة. لذلك عزيزي القارئ لا تتعجب من نهاية فيلم الرعب mama الغريبة؛ فالطفل في ذلك العمر متعلق بأمه ولا يعرف للمنطق طريق. وبذلك كانت إجابة السؤال: هل يرتبط الطفل بأمه لأجل الغذاء أم للحنان؟ هى: يرتبط لأجل الحنان.

 

 

مصادر :

Springer

Simply psychology

Psychological science

Author: Ahmed Khatab

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
Ahmed Khatab

Share
Published by
Ahmed Khatab

Recent Posts

مصر تقود قاطرة التكنولوجيا الحيوية: مؤتمر “سول” ميجا سوميت 2026 بالجامعة الأمريكية ملحمة العلم وبناء الوطن

منذ فجر التاريخ، كانت مصر قبلة الباحثين عن كُنه الحياة، وعلى ضفاف نيلها الخالد نُقشت…

7 أيام ago

عندما يصبح العلم سلعة ملوثة: كيف كشف “الفلتر الذكي” زيف آلاف أبحاث السرطان؟

في الوقت الذي ينتظر فيه الملايين حول العالم بارقة أمل لشفاء من مرض السرطان، صدمت…

أسبوعين ago

“أشتوم الجميل” أيقونة مصرية في اليوم العالمي للأراضي الرطبة 2026

مصر تحتفي بكنوزها المائية: الأراضي الرطبة المصرية ذاكرة النيل وخط الدفاع الأول ضد التغيرات المناخية…

أسبوعين ago

كيف كشف علماء جامعة القاهرة أسرار باطن الأرض في “سقارة” دون معول حفر؟

لطالما سحرتنا صورة عالم الآثار الذي يرتدي قبعته الشهيرة، ممسكاً بفرشاة ومعول، يقضي الشهور تحت…

أسبوعين ago

كهنة الخوارزميات: عندما يتحول “الوكيل الرقمي” إلى كيان متمرد يؤسس لغته وديانته الخاصة!

في تطور تقني وصفه الخبراء بأنه "اللحظة الأكثر إثارة للذهول في تاريخ الحوسبة الحديثة"، شهد…

أسبوعين ago

ثورة “النانو” الطبية: ابتكارات توقف النزيف وتسرع التئام العظام من مخلفات البيئة

في ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها الطب الحديث، خاصة في مجالات ترميم العظام وعلاج الجروح…

أسبوعين ago