كان القرن العاشر الميلادي عصراً غنياً بالجدل الفكري والعقائدي، حيث نمت فيه المذاهب وتعددت الآراء. وكثر المثقفون وظهر نوابغ الشعراء وكبار الأدباء وتزايد عدد المكتبات وهواية اقتناء المخطوطات. وكان قرنًا حيوياً في الترجمة والكتابة والمناظرة مع كثرة الانقلابات السياسية ووجود الفرق الفكرية المؤثرة كالمعتزلة. وهو القرن الذي كتبت فيه رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا والتي لم تكن بالغريبة آنذاك (2).
محتويات المقال :
إخوان الصفا وخلان الوفا هم مؤلفو رسائل إخوان الصفا. وهي موسوعة إسلامية تتكون من 52 رسالة وأطروحة شاملة إضافية (رسالة جامعة) في مختلف العلوم الفلسفية التي فسرها علماء الشيعة الإسماعيليون (3).
أثيرت الكثير من التساؤلات حول هوية وانتماء إخوان الصفا وخلّان الوفا العقائدي منذ بداياتهم الأولى. فقد حدد العالم الأديب أبو الحيان التوحيدي هويّاتهم قائلاً أنهم القاضي أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني وأصدقاؤه الثلاثة، أبو سليمان محمد بن مشير البستي المشهور بالمقدسي، وأبو محمد النهرجوري، والعوفي. وذلك بسبب إقامتهم في البصرة وقربهم من الوزير زيد بن رفاعة (2).
لكن بعد القراءة والبحث العميق لكلام التوحيدي تبين أنّ ما قاله ليس دقيقًا. ورغم كل محاولات كشف هوياتهم إلّا أنّ الأسئلة المتعلقة بهويتهم ما زالت بلا إجابة إلى اليوم (2).
كما أثيرت التساؤلات حول انتمائهم العقائدي، فهنالك آراء نسبتهم إلى الشيعة وأخرى إلى المعتزلة وغيرهم نسبوهم إلى القرامطة. و وزُعم أن هناك عناصر أخرى تدل على الإلهام الإسماعيلي لإخوان الصفا، مثل الهيكل الهرمي للكون والإشارات إلى الأدوار السبعة والتمييز بين المختارين والعامة واستخدام الرموز الإسماعيلية (على سبيل المثال النحل كرمز للإمام… إلخ). كما اشترك اخوان الصفا في العديد من الآراء الأساسية مع الاسماعيلية (2).
لكن المفاهيم والأفكار التاريخية التي هي على الأقل قريبة من تلك الأفكار الشيعية مثل هجاء مذبحة كربلاء، أو التفسير المجازي للقرآن والأحاديث، أو النفور من الحكومات السياسية والأمل في سقوطها عند اكتمال الأدوار السبعة الحالية؛ تبين أن المؤلفين كانوا يمثلون التيار الإسماعيلي ولكنهم ليسوا دعاة رسميين له (2).
يعتقد الباحثون أنّ السبب الرئيسي للتكتم على هويتهم كان الخوف من بطش وجهالات العامة ودعوات التكفير التي قد تلاحقهم. وبذلك أرجعوا سبب التكتم على هويتهم لسببين (2).
تعرض إخوان الصفا إلى تدرج الطبيعة في الخلق. فقالوا بالبداية بالجماد ثم النبات ومنه كان الحيوان ومنه كان الإنسان الذي يجمع بين ذكاء الحصان وحركات جسم القرد.
وتطرّقت الرسائل إلى ظواهر الطبيعة وكيف أنها تطوّر نفسها بنفسها بما ترك الله فيها من قوانين. فلا تخرج نبتة الشعير من بذرة الحنطة ولا العكس أيضاً.
رسائل إخوان الصفا“الأفراد في حالة تدفق دائم فهي ليست محددة ولا محفوظة. والسبب في الحفاظ على الأشكال والأجناس والأنواع في المادة هو ثبات سببها السماوي، لأنّ سببها الفعّال هو الروح الكونية للأجواء بدلاَ من التغيير والتدفق المستمر للأفراد الذي يرجع إلى تنوع سببهم.”(4)
وبذلك يصف النص الموجود في موسوعة إخوان الصفا الذي تمت ترجمته عن أرسطو وجالينوس، التنوع البيولوجي بطريقة مشابهة لنظرية التطور الحديثة، على الرغم من تفسيرها بشكل مختلف من قبل العلماء.(1)
تنقسم الموسوعة إلى 52 رسالة ذات فترات متفاوتة، والتي تشكّل 4 كتب. كل كتاب يتناول بالتفصيل مواضيع مختلفة. (3)
وفّق الإخوان بين الفلسفة اليونانية والمصادر الإسلامية وكانوا متأثرين بالفكر الأفلاطوني والأرسطي (3). وكان معظم اهتمامهم مُنصَب على الفلاسفة اليونانيين المدعوين بـ “ما قبل سقراط” إلى أفلاطون وأرسطو وأفلوطين والرواقيين. ولهذا يمكن اعتبار موسوعتهم (الرسائل) كملخص وافٍ للفلسفة اليونانية (2). حيث استحقت الاهتمام حتى من جهة المهتمين فقط باكتشاف مدى معرفة العرب عن المذاهب القديمة في ذلك الوقت. فالسمة الأولى للموسوعة، هي إعادة صياغة المحتويات “العلمية” الأجنبية. حيث تجتمع العناصر الثقافية المختلفة فيها كعلم التنجيم البابلي والهندي والإيراني، والسرد الهندي والفارسي، والاقتباسات التوراتية والتأثيرات القبلانية، والإشارات إلى العهد الجديد والغنوصية المسيحية (2).
غالبًا ما تُظهر المقارنات بين اقتباسات إخوان الصفا والنسخ العربية للأعمال الكلاسيكية أنهم ربما استخدموا نفس الترجمات المتوفرة لدينا الآن. وعندما لا تكون مثل هذه المقارنات ممكنة فإن المقتطفات القديمة تتوافق عادة مع النصوص الأصلية الموجودة. ومن خلال الاقتباسات والتقارير وربما الترجمات أيضا لهذه المصادر القديمة، نستنتج بأن إخوان الصفا يعرضون نفس الخبرة اللغوية والفلسفية المرتبطة بالعلماء الذين ندين لهم بازدهار حركة الترجمة في بغداد (2).
وطرح إخوان الصفا فكرة الدولة وكأنها كائن حي تمر بمرحلة النشوء والنمو والشباب ثم الشيخوخة. وبذلك أثروا بفكر ابن خلدون المؤرخ الشهير، ومؤسس علم الاجتماع. وظهر التأثير جلياً في مقدمته وعلى وجه الخصوص مسألة تدرج خلق الطبيعة وتحديد مفهوم الدولة والعلوم والاجتماع (2).
كما تطرّقت موسوعة إخوان الصفا التي تعد جزءً مهماً من تاريخ الفكر الإسلامي إلى مواضيع مختلفة. فكانوا سابقين لعصرهم في الكثير من المجالات ومن المساهمين الرئيسيين في نهضة الحضارة الإسلامية وتطورها. ولا يزال أثرهم في الفكر العربي والغربي محل بحث ودراسة عميقة عالميًا.
المصادر:
في عالم الكم، لم تعد قواعد الفيزياء الكلاسيكية قابلة للتطبيق. واحدة من أكثر الحالات الرائعة…
أظهرت دراسة جديدة أن المرضى يجدون الذكاء الاصطناعي أكثر تعاطفاً وتفهماً من الأطباء النفسيين وخبراء…
باتت التجارب الرقمية أكثر عمقًا وانغماسًا مع دمج الحواس البشرية في البيئات الافتراضية. ويأتي نظام…
في اكتشاف رائد، كشف باحثون من جامعة أتينيو دي مانيلا عن أدلة على وجود شكل…
درس العلماء الأسماك الغضروفية الحديثة، مثل أسماك القرش وأسماك الزلاجات. وقارنوها بنظيراتها عديمة الفك، مثل…
تحول دماغ شاب إلى زجاج منذ ما يقرب من 2000 عام، وهي ظاهرة يعتقد العلماء…