أكاديمية البحث العلمي

من “ديكور” محال الأسماك إلى “عناق السحاب”.. القصة الكاملة لإنقاذ وإطلاق 10 بجعات مهاجرة في “أشتوم الجميل”

في انتصار جديد للحياة البرية على ممارسات الاتجار غير المشروع، وت1أكيداً لالتزام الدولة المصرية بصون التنوع البيولوجي، سطر قطاع حماية الطبيعة ملحمة بيئية جديدة بمحمية أشتوم الجميل. ننشر لكم التفاصيل الكاملة لرحلة علاج وتأهيل “عمالقة البجع الأبيض” وعودتهم لمسار الهجرة العالمي.

من عتمة الأسر إلى براح الحرية

بينما كانت أسراب الطيور المهاجرة ترسم لوحاتها المعتادة في سماء مصر، كان هناك عشرة من طيور “البجع الأبيض الكبير” يقبعون خلف قضبان الأسر في ظروف لا تمت للإنسانية بصلة، وقد حوّلتهم يد الطمع التجاري إلى مجرد “ديكور” صامت في محال لبيع الأسماك بعدة محافظات. لم تكن تلك الطيور تدرك أن “أنياب القانون” المصري وقبضة “حراس الطبيعة” ستكون أقرب إليها مما تتخيل.

وفي واقعة تؤكد أن الوعي البيئي في مصر قد تجاوز مرحلة الشعارات إلى مرحلة التنفيذ الحاسم، سطر رجال وزارة البيئة ملحمة إنقاذ حقيقية، أعادت لهذه الكائنات حقها المسلوب في الحياة والطيران. هذا التقرير يرصد كواليس رحلة العودة من “الموت البطيء” في الأقفاص الضيقة، إلى “عناق السحاب” فوق محمية أشتوم الجميل، بفضل تضافر الجهود العلمية والإرادة السياسية.

بداية الخيط: حملات تفتيشية تضرب معاقل الاتجار

أعلنت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة، تفاصيل الواقعة التي بدأت بحملات ميدانية مكثفة ومباغتة شنتها الوزارة بالتنسيق مع شرطة البيئة والمسطحات. استهدفت هذه الحملات محافظات القناة وسيناء (السويس، الإسماعيلية، وجنوب سيناء)، وذلك استجابة لتوجيهات صارمة بضبط الأسواق والتصدي لظاهرة الاتجار غير المشروع بالكائنات البرية.

كشفت الحملات عن ممارسات مخالفة يقوم بها بعض أصحاب محال الأسماك، تتمثل في احتجاز طيور البجع واستخدامها كوسيلة “جذب سياحي” أو دعائي للزبائن. وغالباً ما تتضمن هذه الممارسات جريمة بيئية بشعة تعرف بـ “قص الريش الجائر” لمنع الطائر من الطيران والهرب، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً لقانون البيئة المصري رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته، والاتفاقيات الدولية المنظمة لصون الحياة البرية. أسفرت الحملات عن مصادرة 10 بجعات، ونقلها فوراً لتلقي الرعاية العاجلة.

أشتوم الجميل: هنا يُصنع الأمل

تم نقل الطيور المصادرة إلى مركز أشتوم الجميل لإنقاذ السلاحف البحرية والطيور المائية المهاجرة، وهو المشفى البيئي المتخصص الواقع على ضفاف بحيرة المنزلة بمحافظة بورسعيد. وأكدت الوزيرة أن الطيور خضعت لبرنامج “إعادة تأهيل” علمي دقيق، شمل المراحل التالية:

  1. الفرز والتقييم البيطري: فور وصولها، خضعت الطيور لفحص شامل لعزل المصاب منها بالأمراض المعدية، وتقييم حجم الضرر في الأجنحة والعضلات.
  2. العلاج الغذائي: عانت الطيور من سوء تغذية نتيجة الاعتماد على مخلفات الأسماك في المحال؛ لذا تم وضع نظام غذائي غني بالبروتينات والفيتامينات لاستعادة حيويتها.
  3. التأهيل البدني والسلوكي: وهي المرحلة الأصعب، حيث تم تدريب الطيور على تقوية عضلات الصدر التي ضمرت بسبب الحبس، وتحفيزها على الصيد الذاتي للأسماك الحية لضمان قدرتها على البقاء في البرية دون مساعدة بشرية.
  4. اختبار الطيران: التأكد من نمو ريش الطيران الأساسي وجاهزية الطيور للمناورة والتحليق لمسافات طويلة.

وقد تكللت هذه الجهود بنجاح باهر، حيث تم إطلاق 9 بجعات على عدة مراحل، لتعود إلى بيئتها الطبيعية وتلحق بأسرابها.

جنود الميدان

وخلف هذا النجاح المؤسسي، لابد من الإشارة بمداد من التقدير إلى الدور المحوري الذي لعبه قطاع المحميات الطبيعية، وعلى رأسه الصديق العزيز الدكتور حسين رشاد، مدير محمية أشتوم الجميل ومدير المحميات الشمالية بقطاع حماية الطبيعة.

Related Post

لقد كان لخبرته الميدانية الطويلة، وحسه العلمي الرفيع، وشغفه الشخصي بالحياة البرية، الأثر الأكبر في إدارة هذه الأزمة. أدار الدكتور حسين وفريقه عملية الاستقبال والرعاية باحترافية تضاهي المراكز العالمية، مشرفاً بنفسه على التفاصيل الدقيقة لبرنامج العلاج، وصولاً لقراره الجريء بتحديد “ساعة الصفر” لإطلاق الطيور. إن الدكتور حسين رشاد يمثل نموذجاً للأكاديمي والمسؤول الذي نزل من “البرج العاجي” إلى قلب المعركة البيئية، مؤمناً بأن حماية الطبيعة هي رسالة سامية ولأمانة ثقيلة، فكان نعم الصديق للبيئة، ونعم الحارس لمقدراتها.

لماذا نهتم بـ “البجع الأبيض الكبير”؟

قد يتساءل القارئ الكريم: لماذا كل هذا الجهد من أجل بضعة طيور؟ الإجابة تكمن في القيمة العلمية والبيئية الهائلة لطائر البجع الأبيض الكبير (Pelecanus onocrotalus):

  • مهندس النظام البيئي: يعتبر البجع “مفترساً علوياً” في النظم البيئية للأراضي الرطبة. بتغذيه على الأسماك، يساهم في التخلص من الأسماك الضعيفة والمريضة، مما يحافظ على جودة المخزون السمكي وصحة المياه.
  • مؤشر حيوي: وجود البجع بصحة جيدة دليل على سلامة المسطحات المائية وخلوها من التلوث الشديد.
  • موقع مصر الاستراتيجي: تقع مصر في قلب ثاني أهم مسار لهجرة الطيور في العالم (مسار حفرة الانهدام الأفريقي). وتعتبر بحيرة المنزلة ومحمية أشتوم الجميل “محطة وقود” (Stopover Site) حيوية لاستراحة وتغذية هذه الطيور قبل استكمال رحلتها الشاقة بين أوروبا وأفريقيا.

شركاء النجاح

لم يكن هذا النجاح جهداً فردياً، بل جاء ثمرة تعاون بين وزارة البيئة وجهات شريكة تؤمن بقضية صون الطبيعة، وعلى رأسها الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، ومركز النشاط الإقليمي للمناطق المتمتعة بحماية خاصة (SPA/RAC). هذا التعاون يعكس التزام مصر بالاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD) واتفاقية الأنواع المهاجرة (CMS).

توصيات علمية ومجتمعية

انطلاقاً من دورنا التوعوي والعلمي، نضع بين يدي القارئ والمسؤول التوصيات التالية لضمان عدم تكرار هذه المأساة:

  1. تشديد الرقابة الاستباقية: تكثيف الحملات التفتيشية المفاجئة على الأسواق، خاصة في مواسم الهجرة (الخريف والربيع).
  2. المقاطعة المجتمعية: نناشد المواطنين بعدم الشراء أو التعامل مع المحال التي تعرض حيوانات برية كأسيرة، لأن “الشراء” هو ما يشجع “الصيد”.
  3. دعم مراكز الإنقاذ: ضرورة توفير دعم مادي ولوجستي إضافي لمحمية أشتوم الجميل، وتزويدها بأحدث التجهيزات البيطرية، لتمكين فريق الدكتور حسين رشاد من توسيع دائرة الرعاية.
  4. الإبلاغ الفوري: تفعيل دور المواطن كـ “رقيب بيئي” للإبلاغ عن أي انتهاكات عبر الخط الساخن لوزارة البيئة (19808).

رسالة تتجاوز الأجنحة

ختاماً، إن تحليق تلك البجعات التسع فوق مياه بحيرة المنزلة اليوم ليس مجرد رقم يُضاف إلى إحصائيات وزارة البيئة، بل هو “صك براءة” للطبيعة المصرية، ورسالة ردع شديدة اللهجة لكل من تسول له نفسه العبث بالتوازن البيئي. لقد أثبتت تجربة “أشتوم الجميل” أن منظومة الرصد والإنقاذ في مصر تعمل بكفاءة، وأن التكامل بين “عين المواطن” و”حزم المسؤول” و”علم الخبير” هو السبيل الوحيد لصون ثرواتنا الطبيعية. لتبقَ سماء مصر مفتوحة وآمنة لضيوفها المهاجرين، وليبقَ القانون سيفاً مسلطاً يحمي حق الحياة لكل كائن يدب أو يطير على أرض المحروسة.


المصادر:

  • البيان الرسمي لوزارة التنمية المحلية ووزارة البيئة المصرية.
  • قاعدة بيانات الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) – رابط المصدر.
  • تقارير الجمعية المصرية لحماية الطبيعة (NCE) – رابط المصدر.
  • اتفاقية الأنواع المهاجرة (CMS) – رابط المصدر.
Author: طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير...

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 5]
طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير علمه وخدمة مجتمعه. وقد ترك بصمة واضحة في مجال العلوم الأساسية، وفتح آفاقًا جديدة للباحثين الشبان.

Share
Published by
طارق قابيل

Recent Posts

العشبة الذهبية وتكنولوجيا النانو.. كيف تحول الزعتر إلى “قنبلة مناعية ذكية” في حقبة جديدة من الطب الدقيق؟

لطالما احتل الزعتر مكانة مقدسة في الذاكرة الشعبية والطبية العربية والعالمية، من تلال بلاد الشام…

14 ساعة ago

لغز الوعي المحيّر: علماء يقلبون الطاولة على نظرية “نبتون” المادية

لطالما وقف العلم حائراً أمام العتبة الأخيرة للحياة: لحظة الموت. هل هي نهاية كل شيء؟…

يوم واحد ago

ثورة المستقبل: 10 تقنيات خارقة ترسم ملامح عام 2026 وما بعده

في عالم تتسارع فيه عجلات التطور التكنولوجي بسرعة مذهلة، يطل علينا عام 2026 ليحمل في…

3 أيام ago

كشف علمي مذهل.. كيف كشفت وجبة ذئب من العصر الجليدي أسرار انقراض”وحيد القرن الصوفي”

نافذة على الماضي السحيق: هل قتل المناخُ وحيد القرن الصوفي؟ جينات مستخلصة من "أمعاء ذئب"…

4 أيام ago

متلازمة “التخمر الذاتي”: عندما يسكر الإنسان دون أن يشرب قطرة كحول!

تخيل أنك تستيقظ في الصباح، تشعر بدوار شديد، ثقل في اللسان، وعدم اتزان في المشي،…

5 أيام ago

عمالقة مجهريون يستيقظون من سبات الجليد: هل تشكل “الفيروسات الزومبي” خطراً على البشرية؟

في عمق المحيطات الشاسعة، وتحت طبقات الجليد السرمدي (التربة الصقيعية التي تظل متجمدة لأعوام طويلة)…

5 أيام ago