نشر كتاب “سيكولوجية الجماهيرˮ أول مرة عام 1895 لمؤلفه غوستاف لوبون، والذي يعد مؤسس علم نفسية الجماهير. وسنستعرض هنا ملخصًا موجزًا للكتاب.
محتويات المقال :
تبدو الانقلابات الكبرى التي تسبق عادةً تبدل الحضارات محسومةً بتحولات سياسية ضخمة كالغزو أو قلب السلالات المالكة. ولكن الدراسة المتفحصة تكشف غالبًا أن السبب الحقيقي هو التغير العميق الذي يصيب أفكار الشعوب. أما الأحداث الضخمة التي تتناقلها كتب التاريخ فليست إلا الآثار المرئية للمتغيرات اللامرئية التي تصيب سيكولوجية الجماهير وعواطفها.
إن العصر الذي ندخل فيه الآن هو بالفعل عصر الجماهير. فالجماهير هي القوة الوحيدة التي تتزايد هيبتها وجاذبيتها باستمرار، ولا يستطيع شيء تهديدها. ونشأت قوة الجماهير أولًا عن نشر بعض الأفكار التي زرعت في النفوس ببطء، ثم بالتجميع المتدرج للأفراد من خلال الروابط والجمعيات. وإن معرفة سيكولوجية الجماهير (علم نفس الجماهير) تشكل المصدر الأساسي لرجل الدولة الذي يريد ألّا تحكمه الجماهير.
الخصائص الأساسية للفرد المنخرط في الجمهور هي تلاشي الشخصية الواعية، وهيمنة الشخصية اللاواعية، وتوجه الجميع إلى نفس الاتجاه بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار، والميل إلى تحويل الأفكار المحرّض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة.
ومن أسباب ظهور هذه الصفات، اكتساب الفرد بواسطة العدد المتجمع فقط شعورًا عارمًا بالقوة، والعدوى العقلية أو الذهنية للعواطف والأفعال في الجمهور.
“لا يوجد في التجمع الذي يشكله جمهور ما حاصلٌ ومتوسط للعناصر، وإنما يوجد فقط تركيب وخلق للخاصيات. وهذا يشبه ما يحصل في مجال الكيمياء. فبعض العناصر المستخدمة في التركيب كالقواعد والحوامض مثلًا تتداخل في بعضها البعض وتتركب من أجل تشكيل مادة جديدة مزودة بخصائص مختلفة عن تلك الخصائص التي كانت تتحلى بها العناصر المفردة قبل تركيبها”.
الخصائص الأساسية للجماهير
إذ تكون الانفعالات التحريضية التي تخضع لها الجماهير مهيمنةً وقوية إلى درجة أنها مستعدة للموت من أجلها.
نجد الجمهور غالبًا في حالة ترقب مهيأة لتلقي أي اقتراح، ويفرض أول اقتراح يظهر نفسَه مباشرة بواسطة العدوى والانتشار، فخلق الأساطير التي تنتشر بسهولة في أوساط الجماهير ينتج عن سرعة التصديق والتضخيم الهائل للأحداث.
بساطة عواطف الجماهير وتضخيمها يحميانها من عذاب الشكوك وعدم اليقين.
جوستاف لوبون“إن الاستبداد والتعصب يشكلان بالنسبة للجماهير عواطف واضحة جدًا، وهي تحتملها بنفس السهولة التي تمارسها. فهي تحترم القوة ولا تميل إلى احترام الطيبة التي تعتبرها شكلًا من أشكال الضعف. وما كانت عواطفها متجهة أبدًا نحو الزعماء الرحيمين وطيبي القلب، وإنما نحو المستبدين الذين سيطروا عليها بقوة وبأس. وهي لا تقيم تلك النصب التذكارية العالية إلا لهم. وإذا كانت تدعس بأقدامها الديكتاتور المخلوع فذلك لأنه قد فقد قوته ودخل بالتالي في خانة الضعفاء المحتقرين وغير المهابين. إن نمط البطل العزيز على قلب الجماهير هو ذلك الذي يتخذ هيئة القيصر. فخيلاؤه تجذبها، وهيبته تفرض نفسها عليها، وسيفه يرهبها”.
الجماهير غير مهيأة لاحترام النزعة الأخلاقية فيما يخص بعض الأعراف والتقاليد الاجتماعية، أما بالنسبة لبعض الصفات كالإخلاص والنزاهة والتضحية بالذات فهي قادرة على أرفع أنواع الأخلاقية، ولكنها تبرهن على انحطاط أخلاقيتها غالبًا.
وتقسم إلى أفكار طارئة تتشكل تحت تأثير اللحظة كالانبهار بفرد أو عقيدة ما، وأفكار أساسية تقدم لها البيئة والوراثة والرأي العام استقرارًا كبيرًا كالأفكار الدينية والديمقراطية والاجتماعية. ولا تهيمن الأفكار إلا إذا اتخذت هيئة بسيطة جدًا وتجسدت في سيكولوجية الجماهير على هيئة صور، فتدخل إلى اللاوعي وتصبح عاطفة متماسكة. وإذا كان يلزم وقت طويل كي تترسخ الأفكار، فإنه يلزم وقت لا يقل عنه طولًا كي تزول.
ترتكز المحاجّات العقلية المؤثرة على الجماهير على ترابطات بين أشياء متنافرة ليس بينها إلا علاقات سطحية ظاهرية. كما أن الجماهير تعمّم حالات فردية وخصوصية، وهاتان هما الخاصيتان الأساسيتان للمنطق الجماعي.
تأسست مقدرة الفاتحين وقوة الدول على قاعدة الخيال الشعبي، وإن معرفة سيكولوجية الجماهير وفن التأثير على مخيلتها تعني معرفة فن حكمها.
نابليون في مجلس الدولة الفرنسي“لم أستطع إنهاء حرب الڤاندي إلا بعد أن تظاهرت بأني كاثوليكي حقيقي، ولم أستطع الاستقرار في مصر إلا بعد أن تظاهرت بأني مسلم تقي. وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا. ولو أتيح لي أن أحكم شعبًا من اليهود لأعدت من جديد هيكل سليمان”.
للعاطفة الدينية خصائص بسيطة جدًا، عبادة إنسان يعتبر خارقًا للعادة، والخوف من القوة التي تعزى إليه، كما أن الخضوع الأعمى لأوامره مظهر مهم، واستحالة أية مناقشة لعقائده، والرغبة في نشر هذه العقائد، والميل لاعتبار كل من يرفضون تبنيها أعداءً. ولذلك فالتعصب وعدم التسامح يشكلان المرافق الطبيعي لها.
تمهد هذه العوامل الأرضية لانبثاق الأفكار الجديدة، إذ تجعل الجماهير قادرة على تبني بعض القناعات وغير مؤهلة لتبني قناعات أخرى.
وهو أهم من كل العوامل الأخرى مجتمعة، إذ يمكن للمقترحات الاجتماعية أن تمارس فعلًا مهمًّا، ولكنه مؤقت دائمًا إذا كانت مضادة لمقترحات العِرق أي لكل سلسلة الأسلاف.
تمثل التقاليد خلاصة العِرق، ولا يمكن لأية حضارة أن توجد بدونها، أي بدون روح قومية، والجماهير تعارض بإصرار أية محاولة لتغييرها.
إن بعض الأفكار التي يمكن تحقيقها في فترة ما تبدو مستحيلة في فترة أخرى، فالزمن يراكم بقايا العقائد والأفكار وتولد منها أفكار عصر ما، فهو يجعل كل العقائد تتطور وتموت، فبه تمتلك قوتها وبه تفقدها.
لقد حصلت حروب دموية لفرض مؤسسات تعزى إليها مقدرة خارقة على خلق السعادة، فالمؤسسات تؤثر على روح الجماهير لأنها تولد انتفاضات كهذه، ولكنها لا تمتلك أية فضيلة.
يتيح التعليم المقدم في بلد ما استشراف مصير هذا البلد ومستقبله، فمع التربية والتعليم تتحسن سيكولوجية الجماهير وروحها أو تفسد، فهما مسؤولان عن ذلك جزئيًا.
تؤدي هذه العوامل إلى التمردات الشعبية أو الإضرابات. وهي التي تدفع أغلبية من الشعب إلى الوصول بشخص ما إلى السلطة أو إسقاط حكومة معينة.
ترتبط قوة الكلمات بالصور التي تثيرها، والكلمات التي يصعب تحديد معانيها بدقة هي التي تمتلك أحيانًا أكبر قدرة على التأثير. مثلًا، ديمقراطية، اشتراكية، حرية، …إلخ.
تحوّل الجماهير نظرها عن الحقائق التي تزعجها وتفضل تأليه الخطأ إذا ما جذبها، فمن يعرف كيف يوهمها يصبح سيدها، ومن يحاول قشع الأوهام عن أعينها يصبح ضحية لها.
تشكل التجربة المنهجية الوحيدة الفعالة تقريبًا لزرع حقيقة ما في روح الجماهير، وإن التجارب التي عاشها جيل ما غير ذات جدوى بالنسبة للجيل اللاحق، فالأحداث التاريخية التي تضرب عادة مثلًا للموعظة لا تفيد شيئًا، وتكمن فائدتها الوحيدة في البرهنة على ضرورة تكرار التجارب من عصر إلى عصر لتمارس بعض التأثير.
يعدّ العقل عاملًا سلبيًا في التأثير.
إن القادة ليسوا رجال فكر غالبًا، وإنما رجال ممارسة وانخراط، وغالبًا ما يكونون خطباء ماهرين، إذ تعطي كثافة الإيمان لكلامهم قوة تحريضية كبيرة، فالكثرة تصغي دائمًا إلى الإنسان المزود بإرادة قوية.
التأكيد، والتكرار، والعدوى. إذ يشكل التأكيد المجرد من البراهين الوسيلة الموثوقة لإدخال فكرة ما في روح الجماهير، والشيء المؤكد يرسخ في النفوس بواسطة التكرار إلى درجة أنه يقبل كحقيقة برهانية، وعندما يتاح لتوكيد ما أن يكرّر كثيرًا وبالإجماع، يتشكل عندئذٍ ما ندعوه بتيار الرأي العام، وتتدخل الآلية الجبارة للعدوى.
وهي نوع من الجاذبية الساحرة التي يمارسها فرد أو عقيدة ما على روح الجماهير، ولها نوعان أساسيان.
وهي العقائد الإيمانية الكبرى والتي تدوم قرونًا عديدة وترتكز عليها حضارة بأكملها، مثل أفكار الإصلاح المسيحي (لوثر) والأفكار الديمقراطية والاجتماعية.
جوستاف لوبون“أما العقائد الكبرى العامة فذات عدد محصور جدًا. وتشكلُها وتلاشيها يمثلان بالنسبة لكل عرق تاريخي نقاط الذروة في تاريخه. إنها تشكل الهيكل العظمي للحضارات”.
وهي طبقة سطحية من الآراء والأفكار، تتموضع فوق العقائد الراسخة، وتولد وتموت باستمرار، مثل النظريات التي توجه الفنون والآداب. وتتزايد هذه الآراء لأن العقائد القديمة تفقد هيمنتها على النفوس تدريجيًا، وبسبب ظهور الصحافة ونشرها لأكثر الآراء اختلافًا. وينتج عن هذه الأسباب المختلفة ظاهرة جديدة جدًا في تاريخ العالم؛ وهي عجز الحكومات عن قيادة الرأي العام.
تقسم الجماهير إلى
جماهير غير متجانسة.
جماهير متجانسة
تشكل الطائفة المرحلة الأولى من مراحل تشكل الجماهير المتجانسة، إذ تحتوي على أفراد من ثقافات ومهن وأوساط مختلفة أحيانًا، ولا رابطة بينها إلا العقيدة والإيمان.
وتمثل الزمرة أعلى درجات التنظيم التي يقدر عليها الجمهور، ولا تشمل إلا أفرادًا من نفس المهنة، أي ذوي تربية وأوساط متماثلة تقريبًا.
وتتشكل الطبقة من أفراد ذوي أصول مختلفة توحّدهم بعض المصالح وبعض عادات الحياة والتربية المتشابهة.
وتمتلك نفس الخصائص العامة لجميع أنواع الجماهير، فجرائم الجماهير ناتجة عمومًا عن تحريض ضخم، والأفراد الذين ساهموا فيها لا يعدّون أنفسهم مجرمين، بل يقتنعون أنهم أطاعوا واجبهم.
نعثر في هذا الجمهور على الخصائص الأساسية، فهيئات المحلّفين تتأثر جدًا بالعواطف ومسحورة بمظاهر الهيبة، وإن هذه الهيئات الديمقراطية في تشكيلتها تبدو أرستقراطية في عاطفتها وميولها. والقرارات المتخذة متماثلة أيًا تكن تركيبة الهيئة المحلّفة ومهما اختلفت وتنوعت.
وهي جماهير غير متجانسة، ونعثر في قراراتهم على تأثير القادة المحركين وعلى دور التوكيد والتكرار والعدوى والهيبة الشخصية، فالوعود المبالغ فيها تولّد آثارًا ضخمة على الناخبين في لحظتها، والناخب لا يهتم لاحقًا بمسألة التحقق فيما إذا كان المرشح قد التزم بوعوده أم لا، بل إنه ينسى ذلك تمامًا. وإن تصويت الجماهير يعبر غالبًا عن آمال العِرق وحاجياته اللاواعية.
وهي جماهير غير متجانسة وغير مغْفَلَة، وتمثل آراءً متطرفة، فالأفراد يميلون دائمًا إلى تضخيم قيم مبادئ أحزابهم عندما ينخرطون في جمهور ما. وإن قابلية التحريض والعدوى تظل محدودة في المجالس النيابية؛ فلكلّ حزب محركوه وقادته.
جوستاف لوبون“إن المجالس النيابية السياسية هي آخر محلّ في الأرض يمكن للعبقرية أن تشع فيه. فلا أهمية فيه إلا للفصاحة الخطابية المتناسبة مع الزمان والمكان، وللخدمات المقدمة للأحزاب السياسية لا للوطن. أما الجمهور العادي فيتلقى هيبة القائد المحرك ولا يدخل في سلوكه أية مصلحة شخصية ولا ينتظر جزاءً ولا شكورا”.
والمجالس النيابية ليست جماهيرًا بالمعنى الاصطلاحي إلا في بعض الأوقات، فأعضاؤها يحققون فردانيتهم في حالات عديدة، ولذلك يمكنها أن تصوغ قوانين ممتازة.
وعلى الرغم من صعوبات تسييرها، فإنها تمثل أفضل طريقة وجدتها الشعوب لحكم ذاتها، ولا يهددها إلا خطران:
إن دورة الحياة لشعب ما، الانتقال من حالة البربرية إلى حالة الحضارة عن طريق ملاحقة حلم ما، ثم الدخول في مرحلة الانحطاط والموت ما إن يفقد هذا الحلم قوته.
يمكنك قراءة المزيد من ملخصات الكتب من هنا.
في اكتشاف رائد، كشف باحثون من جامعة أتينيو دي مانيلا عن أدلة على وجود شكل…
درس العلماء الأسماك الغضروفية الحديثة، مثل أسماك القرش وأسماك الزلاجات. وقارنوها بنظيراتها عديمة الفك، مثل…
تحول دماغ شاب إلى زجاج منذ ما يقرب من 2000 عام، وهي ظاهرة يعتقد العلماء…
لطالما راود البشر حلم قراءة العقول، لكن ما كان يُعتقد أنه محض خيال علمي أصبح…
إذا كنت تريد القيام برحلة ذهاب فقط إلى المريخ، فستستغرق حوالي تسعة أشهر، ولكن الرحلة…
حقق العلماء طفرة في تكنولوجيا التبريد، حيث قاموا بتطوير جهاز تبريد قابل للإرتداء يمكنه ضخ…