منذ فجر التاريخ، كانت مصر قبلة الباحثين عن كُنه الحياة، وعلى ضفاف نيلها الخالد نُقشت أولى أبجديات المعرفة. واليوم، ونحن في رحاب الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في قلب العاصمة التي لا تنام، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ مهيب لا يقل جلالاً عن مشهد بناة الأهرامات؛ إنهم بناة “الأهرامات الحيوية”، علماء وشباب استبدلوا الحجر بالفكر، والعتاد بجزيئات الحمض النووي، ليصوغوا لمصر فجرًا جديدًا من السيادة العلمية.
في هذا المحفل، مؤتمر “سول” ميجا سوميت 2026، تلاقت العقول كالأنهار لتصب في بحر الابتكار. لم تكن القاعات مجرد فضاءات للمحاضرات، بل كانت “محاريب” مقدسة، تُتلى فيها آيات العلم والعمل، وتُرسم فيها ملامح الهوية الجديدة لمصر: مصر التي تقود قاطرة التكنولوجيا الحيوية في المنطقة، مصر التي تزرع الأمل في المختبرات وتجنيه ازدهارًا في الحقول والمصانع.
محتويات المقال :
لا يمثل مؤتمر “سول” لهذا العام مجرد تجمع أكاديمي سنوي، بل هو “إعلان سيادة” تقنية. فالتكنولوجيا الحيوية اليوم ليست مجرد رفاهية معرفية، بل هي العمود الفقري للأمن القومي الشامل بمفهومه الواسع: الأمن الغذائي، والأمن الدوائي، والأمن البيئي.
إن انعقاد هذا المؤتمر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبمشاركة واسعة من الجامعات المصرية والمؤسسات الدولية، يعكس إيمان الدولة والمجتمع العلمي بأن “العقل البشري” هو أثمن ثروة نملكها. نحن هنا لنحتفي بالرواد الذين وضعوا حجر الأساس، ولنحتضن الشباب الذين سيكملون البناء، في تلاحم فريد يجسد مفهوم “الاستدامة البشرية”.
لقد كان من أهم لحظات المؤتمر تلك الدقائق التي توقفت فيها عجلة النقاش لتكريم قامات علمية صاغت وجدان هذا التخصص في مصر. إن تكريم هؤلاء الرواد هو تكريم لفكرة “الاستمرارية” في البحث العلمي المصري:
الدكتور محمود إمام نصر (عميد معهد الهندسة الوراثية السابق):
العميد و المؤسس الحقيقي لعلوم الهندسة الوراثية في الجامعات المصرية اشهرها معهد بحوث الهندسة الوراثية بجامعة مدينة السادات، واللي صدر قرار من شهور قليلة بتحويله لأول كلية في التكنولوجيا الحيوية في الجامعات الحكومية. رجلٌ لم يبنِ جدران المعامل فحسب، بل بنى الإنسان. مبررات تكريمه تنبع من شجاعته في تأسيس مؤسسات بحثية في وقت كان فيه الحديث عن “الهندسة الوراثية” ضرباً من الخيال العلمي. إنه حارس “الجينوم المصري” الذي سجل سيادتنا الجينية في المحافل الدولية.
استلمت الجائزة بالنيابة عنه الدكتورة غادة محمود نصر وهي تسير على نفس خطى و الدها و هي حالياً استاذة في معهد الهندسة الوراثية.
الدكتور محمود صقر: الرئيس السابق لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا و حالياً رئيس الجمعية المصرية للتكنولوجيا الحيوية.
تقديراً لدوره العظيم في نقل البيوتكنولوجي من المعامل للتطبيق الفعلي و المساهمة في تأسيس شركات ناشئة كتير داخل مصر و ده من خلال القوانين و البرامج القومية اللي سعى لتأسيسها.
الدكتور أيمن علي دياب (عميد كلية التكنولوجيا الحيوية جامعة MSA)
مهندس العولمة العلمية. كُرِّم لأنه استطاع كسر حاجز العزلة الأكاديمية، وربط الطالب المصري بالمعايير العالمية عبر شراكات دولية حقيقية، مؤمناً بأن العالم قرية صغيرة، وأن الباحث المصري قادر على القيادة إذا ما توافرت له البيئة المناسبة.
الدكتور طارق يحيى قابيل (كاتب هذه السطور):
لقد كان تكريمي بمثابة رسالة تقدير لدور “التواصل العلمي” و”النزاهة البحثية”. إن مبررات هذا التكريم، كما صاغتها لجنة المؤتمر، تكمن في الإيمان بأن العلم بلا أخلاق هو “بتر”، وأن تبسيط العلوم للعامة وحمايتها من التزييف هو واجب وطني وأخلاقي لا يقل أهمية عن البحث نفسه.
في كل زاوية من زوايا المؤتمر، كان الحماس يشتعل. لم يكن الطلاب مجرد متلقين، بل كانوا “فرسان” يبارزون بالعلم. لقد أطلقنا عليهم وصف “دولة التلاوة العلمية”، وهذا الوصف ليس مجازياً فحسب، بل هو رصد لحالة من الإتقان والخشوع في محراب المختبر تماثل خشوع وإتقان قراء مصر الكبار في دولة التلاوة القرآنية.
كانت مشاركة طلاب مدرسة “مصر للتكنولوجيا الحيوية” (Misr Biotech School) هي “أيقونة” المؤتمر. هؤلاء الشباب، الذين ما زالوا في مقتبل العمر، نافسوا 13 جامعة عريقة، ولم يكتفوا بالمشاركة، بل انتزعوا مراكز الصدارة:
المركز الأول في Entrepreneurship: حينما عرض طلاب الصف الثالث مشروعهم كأفضل مشروع قابل للتطبيق، أذهلوا لجنة التحكيم بقدرتهم على فهم احتياجات السوق وتحويل الفكرة المعملية إلى “بيزنس” مستدام. هؤلاء هم “قادة الغد” الذين سيبنون اقتصاد المعرفة.
المركز الثاني والرابع في Presentation Skills: سارة عيسى وناردين نجيب، أسماء سيسجلها التاريخ العلمي المصري، حيث استعرضتا قضايا الذكاء الاصطناعي والأسمدة الحيوية بلغة واثقة وفكر مرتب، مبرهنين على أن جودة التعليم تتفوق على سنوات الخبرة التقليدية.
إن نجاح هؤلاء الطلاب، بدعم من إدارة المدرسة والشركاء الصناعيين مثل (MTBi/Bionostix) والمؤسسة الحديثة (MDE)، يعكس منظومة نجاح متكاملة تؤكد أن “مصر ولادة” وأن الأمل في هؤلاء الشباب ليس له حدود.
لم يتوقف المؤتمر عند المسابقات، بل شمل جلسات نقاشية وورش عمل غطت كافة محاور التكنولوجيا الحيوية:
بناءً على ما شهدناه في هذا العرس العلمي، نضع هذه التوصيات أمام صناع القرار والمجتمع العلمي، إيماناً بأن هؤلاء الشباب هم “الثروة القومية” الحقيقية:
إن مؤتمر “سول” 2026 لم يكن نهاية المطاف، بل هو “نقطة انطلاق” جديدة. لقد رأينا في عيون الشباب المصري بالجامعة الأمريكية بريقاً يقول: “نحن هنا، ونحن قادرون”.
إن مصر التي استطاعت أن تحافظ على هويتها عبر آلاف السنين، هي اليوم قادرة -بهذه العقول الفذة- على أن تقتحم آفاق المستقبل. التكنولوجيا الحيوية هي “العبور الجديد” نحو الرفاهية والاستقلال والسيادة.
خالص الشكر لكل القائمين على هذا العمل، ومبارك لمكرمينا ولأبنائنا الطلاب، فأنتم القوة الدافعة، وأنتم الأمل الذي لا يغيب. مصر ولادة، وستظل بإذن الله منارة للعلم والعلماء.
تراتيل الحياة من بين ركام العدم في غمرة السعي البشري الحثيث لفك طلاسم الوجود، تطل…
حينما تستنطق رمال مصر صمت التاريخ في قلب الصحراء الغربية المصرية، حيث تلتقي زرقة السماء…
منذ تلك اللحظة التاريخية في عام 1996، حين أعلن العالم "إيان ويلموت" عن ولادة النعجة…
تُعد الحضارة الصينية من أقدم وأغنى الحضارات في تاريخ البشرية، اذ تمتد جذورها إلى آلاف…
بقلم د. طارق قابيل منذ أن وطئت قدم الإنسان أرض الوادي، كانت المياه هي المبتدأ…
بقلم: د. طارق قابيل في أروقة الجامعات العريقة ومراكز الأبحاث الدولية، اعتدنا على صورة نمطية…