تحوي نواة كل خلية حية على الحمض النووي، ويحتوي الحمض النووي على جينات تقوم بإعطاء الخلية صفاتها الشكلية والوظيفية للكائن الحي. ولكن هل تعليمات الجينات وحدها من يقوم بهذه المهمة؟ أم توجد مستويات أخرى من التعديلات تؤثر على الجينات؟ هذا ما يدرسه علم التخلق أو ما يعرف بـ علم ما فوق الجينات، عن طريق دراسة الآليات الخلوية المسؤولة عن هذه التعديلات وكيفية تأثير العوامل البيئية والسلوكية على الجينات والتعبير الجيني.
محتويات المقال :
علم ما فوق الجينات هو العلم الذي يدرس كيفية تأثير السلوك والبيئة على الطريقة التي تعمل بها الجينات. وعلى عكس التغيرات الجينية فإن التغيرات فوق الجينية تكون قابلة للتغيير في حياة الفرد، كما لا تغير من تسلسل ال DNA ذاته، ولكنها تغير الطريقة التي يقرأ بها الجسم هذا التسلسل.
يدل مصطلح التعبير الجيني على عدد مرات تخليق البروتينات تبعاً للتعليمات الجينية ومتى تصنع. بينما تستطيع التغييرات الجينية استبدال البروتين المُخلق، تؤثر التغييرات ما فوق الجينية على تحرير التعبير الجيني أو تعطيله. وبما أن البيئة والسلوك كالنظام الصحي والتمارين تؤدي إلى تغيرات على المستوى فوق الجيني فإنه من السهل رؤية الرابط بين الجينات وبين سلوك الفرد وبيئته. [1]
يشكل ال DNA الأساس الذي تتطور منه الصفات النفسية والشكلية للفرد عبر إعطاء تعليمات معقدة لتخليق البروتينات والجزيئات الأخرى. والطريقة التي تستخدم بها هذه التعليمات يمكن أن تتغير عبر عوامل عديدة. فعلم ما فوق الجينات يدرس هذه التعديلات الكيميائية التي تؤثر على النشاط الجيني دون المساس بال DNA ذاته. [2]
في منتصف القرن العشرين بدأت مجموعة رفيعة المستوى من العلماء متضمنة كونراد هال ودينغتون وإرنست هادورن بحثاً واسعاً للربط بين الجينات وعلم الأحياء التطوري. تطور البحث فيما بعد إلى ما ندعوه اليوم بعلم التخلق أو علم ما فوق الجينات. في عام 1942، صاغ ودنغتون مصطلح علم ما فوق الجينات-Epigenetics من الكلمة اليونانية “epigenesis” والتي وصفت تأثير العمليات الجينية على التطور. وخلال تسعينيات القرن الماضي تجدد الاهتمام ب«الاستيعاب الجيني-genetic assimilation». وهذا ما قاد إلى تفسير الأساس الجزيئي لملاحظات ودينغتون بأن الضغوطات من البيئة المحيطة سببت استيعاب جيني لأنماط ظاهرية محددة. [3]
وبكلمات بسيطة فإن الدرجات العالية من الاجهاد والضغوط البيئية تغير المشهد اللا جيني للخلية مؤدية لظهور أنماط ظاهرية جديدة للصفات المعرضة لتلك الظروف، وندعو هذه العملية بالاستيعاب الجيني. [4]
تقام دراسات معمقة حالياً فيما يتعلق بآليات علم ما فوق الجينات على أحد أنواع التعديلات فوق الجينية وهو مثيلة ال DNA. يعود تاريخ اكتشاف مثيلة ال DNA، وهو إضافة جزيء ميثيل للشريط الوراثي، لعام 1969 حيث اقترح العالمان غريفز وماهلر أن مثيلة ال DNA قد تكون مهمة للذاكرة الوظيفية طويلة الأمد. كما درست آليات تعديلية أخرى فوق جينية سنتطرق لها في الفقرة القادمة.
قاد الاهتمام المتجدد بعلم ما فوق الجينات إلى اكتشافات جديدة تربط بين التغييرات ما فوق الجينية ومجموعة من الاضطرابات، كمجموعة واسعة من السرطانات، والأمراض المناعية، واضطرابات عصبية ونفسية وأخرى مرتبطة بالتأخر العقلي. [3]
قبل الخوض في هذه الآليات سنتطرق لشرح موجز عن الDNA والتعبير الجيني: [5]
يلتف شريط الحمض النووي بطريقة منظمة حول جزيئات بروتينية تدعى الهستونات مشكلة بذلك الجسيم النووي. تشكل هذه الجسيمات ما يشبه الخرز على العقد، والتي إما أن تكون متقاربة بشدة على بعضها البعض ومتكدسة أو متباعدة. يتحكم بحالة الجسيمات النووية من حيث التباعد أو التقارب وجود أو غياب مجموعات كيميائية مرتبطة بالهستونات.
عند اقتراب مجموعة أسيتيل [coch3] من مناطق معينة من الهيستون تؤدي إلى ارتخاء بنية الهيستون وبذلك تباعد الجسيمات النووية عن بعضها. يسمح هذا الشكل المفتوح بوصول عوامل الانتساخ بشكل أسهل لتقوم بقراءة الجينات الموجودة في هذه المنطقة من الحمض النووي وتشكلRNA مرسال ليستخدم في بناء البروتينات. يكون عندها الجين مفعل.
أما المجموعات الكيميائية الأخرى كمجموعة الميثيل [CH3]، تقرب الهيستونات من بعضها البعض (لكن يكون ذلك في حالات معينة تعتمد على المكان الذي ترتبط به مجموعات الميثيل). وبرصف القواعد بهذا الشكل يصبح من الصعب وصول عوامل النسخ للجينات، وبالتالي لا تنسخ ولا تترجم لبروتينات. وحينها نقول عن الجين أنه معطل أو مغلق.
ترتبط مجموعة الميثيل مع الDNA ثنائي الشريط عند قواعد السايتوزين أو ما يدعى بجزر CpG، وهي عبارة عن مناطق غنية بقواعد الغوانين والسيتوزين مرتبطة بروابط فوسفاتية أي أنها متتالية بجانب بعضها (تختلف هذه الحال عن ارتباط الميتيل بالهيستون).
يوجد قبل الجين في الDNA مناطق تدعى محفزات أو معززات. ويمتلك حوالي 60% من الجينات جزر CpG في منطقة المحفز. وعند مثيلة الجزر في المحفز، يصبح الجين غير مفعل وبذلك لا تتمكن عوامل النسخ من قراءته وتكوين RNA مرسال. فلا يتم التعبير عن هذا الجين أي تم إغلاقه أو تعطيله. [5]
يختلف ال RNA عن ال DNA بأنه أحادي الشريط. كما أن له عدة أنواع، بعضها تؤثر مباشرة على عملية التعبير الجيني، وأخرى تشارك في بعض عمليات تعديل الهيستون ومثيلة ال DNA.
يوجد لل RNA غير المرمز القصير عدة أنواع سنتحدث عن اثنين منها وهي «RNA المكروي -microRNAs »و «RNA المتداخل القصير-Short Interfering RNA» . كلاهما بطول 22-21 نكليوتيد، وتستطيع منع التعبير الجيني بطريقتين:
ينظم الRNA الطويل غير المرمز التعبير الجيني عن طريق التعديل على إنتاج ال RNA. حيث يساهم في «تعطيل الجينات-Gene- Silencing» ، والوراثة اللاجينية (فوق الجينية)، وتمايز الخلايا الجذعية، وتنظيم الجهاز المناعي وانتشار السرطان. [5] وهكذا نرى بوضوح التداخل بين بعض الآليات الخلوية وعملية التعبير الجيني فإما أن توقفه أو تفعله.
ما زال هنالك الكثير لنتعلمه عن هذه الآليات والعوامل التي تؤثر على عملها والنتائج المترتبة عليها وعلى طفراتها، وهذا ما سنتناوله في مقالاتنا القادمة.
المصادر:
1-?CDC| What Is Epigenetics
2-Psychology Today| Epigenetics
WHAT IS EPIGENETICS.3
System Evolutionary Biology of Waddington’s Canalization and Genetic Assimilation.4
5.Australian Academy of Science| It is not All in the gene-the role of epigenetics
في عالم الكم، لم تعد قواعد الفيزياء الكلاسيكية قابلة للتطبيق. واحدة من أكثر الحالات الرائعة…
أظهرت دراسة جديدة أن المرضى يجدون الذكاء الاصطناعي أكثر تعاطفاً وتفهماً من الأطباء النفسيين وخبراء…
باتت التجارب الرقمية أكثر عمقًا وانغماسًا مع دمج الحواس البشرية في البيئات الافتراضية. ويأتي نظام…
في اكتشاف رائد، كشف باحثون من جامعة أتينيو دي مانيلا عن أدلة على وجود شكل…
درس العلماء الأسماك الغضروفية الحديثة، مثل أسماك القرش وأسماك الزلاجات. وقارنوها بنظيراتها عديمة الفك، مثل…
تحول دماغ شاب إلى زجاج منذ ما يقرب من 2000 عام، وهي ظاهرة يعتقد العلماء…