صحة

ما هو « العَمَه – agnosia»؟

ما هو «العَمَه-agnosia»؟

كان «الدكتور بي» موسيقيًا، وأستاذًا في كلية الموسيقى المحلية في مدينته، وكانت علاقته بطُلابه جيدة، ولكن بدأت تظهر لديه مشاكل غريبة، فأصبح أحيانًا لا يستطيع تمييز وجوه طلابه رغم أن بصره كان ممتازًا، ولكن يستطيع تمييزهم من خلال أصواتهم عندها يتحدثون.

تكرّرت تلك الحوادث، ولم يكن الدكتور بي عاجزًا عن تمييز الوجوه فحسب؛ بل كان أحيانًا وهو يمشي في الشارع يظن أن رؤوس الحنفيات رؤوس أطفال. بعد مرور 3 سنوات من ظهور هذه الحالة زار «بي» طبيب الجهاز العصبي ساكس، وعند انتهاء الفحص نظرَ «بي» حوله ليبحث عن قُبَّعته، ولكنّه أمسك رأس زوجته، وحاول رفعه ظنًا منه أنها قبعته.

لقد كان بي قصة حقيقة لحالة طبية تُعاني من «العمه البصري» عرضها الطبيب أوليفر ساكس في كتابه الذي حملت قصة «بي» عنوانه؛ «الرجل الذي حَسِب زوجته قُبعة».

ماهو «العَمَه-agnosia»؟

العمه هو فقدان قدرة التعرف على الأشياء أو الوجوه أو الأصوات أو الأماكن. إنه اضطراب نادر يصيب واحد أو أكثر من الحواس. يمكن أن يصيب العمه الإدراك البصري أو السمعي أو إدراك اللمس، ولكن عادة ما يؤثر على مسار حسي إدراكي واحد فقط في الدماغ، فالدكتور «بي» مثلًا كان يصعب عليه تمييز وجوه الطلاب، ولكن يمكنه بسهولة تمييز أصواتهم لأن دماغه لديه خلل في معالجة المعلومات البصرية بدون خلل في معالجة المعلومات السمعية. لذلك يمكن للمصابين التفكير والتحدث والتفاعل مع العالم. [2]

وصف سيغموند فرويد العمه لأول مرة في عام 1891، وتعود أصول كلمة agnosia لليونانية وتعني فقدان المعرفة. [1]

الأشكال النقية من العمه نادرة جدًا، ولكن يمكن أن تأتي مصاحبة لبعض الأمراض العصبية؛ يعاني أقل من 1% من مرضى الأعصاب من العمه. [1]

أنواع العَمَه

هناك ثلاثة أنواع رئيسية من العمه: البصري، والسمعي، واللمسي.

1. «العمه البصري-Visual agnosia»

لفهم الطريقة التي يحدث بها العمه يجب أولًا التمييز بين «الإحساس-sensation» و«الإدراك- perception»، ولكن دعونا أولًا نفهم كيف نُبصِر. عندما تنظر لشيء ما، فإن ما يحدث هو أن الضوء يدخل لعينيك، ويحفز بعض الخلايا لتنتج إشارات كهربائية تسري في العصب البصري، وتصل للقشرة البصرية الأولية الموجودة في «الفص القذالي-occipital lobe».

ينتج عن تحفيز القشرة الأولية الإحساس بدون الإدراك، أي يمكننا أن ننظر بدون معرفة ما ننظر إليه؛ حرفيًا المعلومات من العيون تسير إلى هنا، وبالتالي إذا حدث ضرر في هذه المنطقة ستشعر ببقعة سوداء تتبع رؤيتك أينما ذهبت، وكأن الضوء لم يدخل من تلك البقعة لعينيك.

من القشرة الأولية تمر المعلومات المرئية المختلفة في مسارات متوازية إلى أجزاء كثيرة من الدماغ، فعلى سبيل المثال تذهب المعلومات الخاصة بالحركة وتتم معالجتها في الفص الجداري بينما يمكننا تمييز الأشياء والتعرف عليها عن طريق منطقة معينة في القشرة الصدغية لها اتصال وثيق بالذاكرة. [4]

معالجة المعلومة البصرية عن طريق أجزاء مختلفة من الدماغ هو مايُمَكِّننا من تمييز شكل، ولون، وطبيعة الأشياء الّتي نُبصِرها، ويتطلب حدوث هذا الأمر التفاعل الجيد بين المعلومات البصرية الخام والذاكرة؛ هذا هو الإدراك البصري.

يحدث العمه البصري عندما يكون هناك تلف في الدماغ على طول المسارات التي تربط الفص القذالي للدماغ بالفص الجداري أو الصدغي، وبالتالي يكون الإحساس البصري للمصابين بالعمه البصري سليمًا ولكن هناك خللًا في الإدراك البصري. [2]

للعمه البصري نوعان رئيسيان

1. العمه البصري الإدراكي: يشير إلى خلل في الإدراك البصري، والعملية التمييزية على الرغم من عدم وجود عيوب بصرية أولية. هؤلاء الأشخاص غير قادرين على التعرف على الأشياء، أو رسمها، أو نسخها. لا يمكنهم إدراك الأشكال الصحيحة للكائن على الرغم من أن معرفة الكائن سليمة. مثلًا إذا رسمنا عصفور وطلبنا من مصاب رسمه لن يستطيع رسمه بشكل صحيح بل أحيانًا يرسمه سلسلة من الخربشات بدون معنى على الرغم من أنه يمكنه تمييز أن الرسمة لعصفور. عادة ما يرتبط العمه البصري الإدراكي بضرر في القشرة الجدارية القذالية.

2. العمه البصري الترابطي: يشير إلى صعوبة فهم معنى الأشياء المرئية، يمكن للمصابين الرسم أو النسخ لكنهم لا يعرفون معنى ما رسموه لأنهم غير قادرين على ربط الحافز البصري المدرك بالكامل بالتجربة السابقة لمساعدتهم في التعرف على الأشياء. في هذه الحالة إذا رسمنا عصفور وطلبنا من المصاب رسمه، فإنه يستطيع رسمه ونسخه بالكامل بشكل سليم، ولكن لا يمكنه تمييز أن هذه الرسمة لعصفور فإذا سألتَه ستكون إجابته إما لا أعرف أو إجابة ليست لها علاقة بالعصفور. عادة ما يرتبط العمه البصري الترابطي بتلف في القشرة القذالية الصدغية السفلية. [3]

هناك أنواع أخرى للعمه البصري مثل: عمى الوجوه؛ وهو عدم القدرة على التعرف على الوجوه المألوفة، وعمى الحركة وهو عدم القدرة على إدراك حركة الأشياء المرئية، وعمى الألوان وهو عدم القدرة على تحديد الألوان. [2]

قد يفقد مصابو العمه البصري القدرة على تمييز الأشياء المرئية، ولكن لازال بإمكانهم تمييز هذه الأشياء عن طريق اللمس والسمع كما حدث مع «دكتور بي».

2. العَمَه اللفظي السمعي-Auditory verbal agnosia

وهو عدم القدرة على التعرف على الكلمات المنطوقة وفهمها، على الرغم من سلامة السمع، ويرتبط بضرر ناتج في الفص الصدغي. وقد يكون العمه السمعي في شكل عمه صوتي يفقد فيه المصاب القدرة على تمييز الأصوات المألوفة مع القدرة السليمة على فهم الكلمات الّتي يتحدث بها الآخرون.

Related Post

3. عَمَه اللمس-Tactile agnosia

هو عدم القدرة على التعرف على الأشياء عن طريق اللمس. قد يكون المصاب قادرًا على الشعور بثقل الشيء ولكن لا يمكنه فهم أهميته أو استخدامه. عادة ما تكون الأضرار الموجودة في الفص الجداري للدماغ هي سبب العمه اللمسي. [2]

ماهي أسباب «العَمَه-agnosia»؟

يحدث العمه عندما تتعرض أجزاء من الدماغ للتلف؛ تعالج هذه الأجزاء المعلومات الحسية، وتخزن المعرفة والمعلومات المتعلقة بإدراك الأشياء وتحديدها. يحدث هذا التلف بسبب السكتات الدماغية، أو إصابات الرأس، أو التهاب الدماغ، وغيره. [2]

علاج «العَمَه-agnosia»

يمكن أن يعيق العمه الأداء اليومي للمرضى بشكل كبير. كما يمكن أن يؤثر بشكل كبير على حياة الأسرة والقائمين على رعايتهم.

لا يوجد علاج مباشر للعمه، ولكن يجب علاج السبب أولًا؛ مثل السكتات الدماغية أو الالتهابات. تلعب إعادة التأهيل دورًا مهمًا في علاج العمه، وتركز بشكل أساسي على تعليم المرضى استخدام الأساليب الحسية السليمة للتعويض فمثلًا إذا كان المريض لا يمكنه التعرف على الأشياء بواسطة النظر يجب تدريبه على التعرف عليها باللمس أو السمع. [3]

إقرأ أيضًا: الطبيعة الفريدة لعمل المخ

مصادر ماهو «العَمَه-agnosia»؟:
[1] Springer
[2] Healthline
[3] NCBI
[4] ganong textbook section3. Vision

Author: Sahar mohammed

طالبة طب بشري مهتمة بالعلوم الطبية والبحث العلمي.

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
Sahar mohammed

طالبة طب بشري مهتمة بالعلوم الطبية والبحث العلمي.

Share
Published by
Sahar mohammed

Recent Posts

قراءة علمية في ألغاز الاختفاء الغامض: لماذا تختفي ألمع العقول في المختبرات الحيوية الأمريكية؟

هل أصبحت أبحاث "الأجسام الطائرة" والذكاء غير البشري لعنة على أصحابها؟ لطالما كان العلماء هم…

17 ساعة ago

زلزال في محراب البيولوجيا التطورية.. كيف كشف باحثون خدعة إحصائية تعيد النظر في قواعد “التطور الجنيني”

تصحيح مسار التاريخ البيولوجي.. كيف كشف "الخلل الرياضي" أسرار نمو الكائنات؟ منذ أن وضع داروين…

يومين ago

بكتيريا “الزومبي” واختراق حدود المستحيل: هل نجح العلماء في فك شفرة إعادة إحياء الحياة اصطناعياً؟

تراتيل الحياة من بين ركام العدم في غمرة السعي البشري الحثيث لفك طلاسم الوجود، تطل…

5 أيام ago

“مصريبيثيكس موغراينسيس”: ثورة علمية مصرية تعيد رسم شجرة عائلة القردة العليا وتكشف أسرار الماضي السحيق

حينما تستنطق رمال مصر صمت التاريخ في قلب الصحراء الغربية المصرية، حيث تلتقي زرقة السماء…

7 أيام ago

نهاية “الخلود” الجيني: دراسة يابانية تفك شفرة الانهيار البيولوجي وتكشف الحدود الحتمية لاستنساخ الثدييات

منذ تلك اللحظة التاريخية في عام 1996، حين أعلن العالم "إيان ويلموت" عن ولادة النعجة…

أسبوع واحد ago

لمحة عن الحضارة الصينية القديمة

تُعد الحضارة الصينية من أقدم وأغنى الحضارات في تاريخ البشرية، اذ تمتد جذورها إلى آلاف…

أسبوع واحد ago