فضاء

لماذا العناصر الأكثر شيوعًا في الكون نادرة على الأرض؟

هل سبق لك أن تساءلت عن سبب ندرة العناصر الأكثر شيوعا في الكون، الهيدروجين والهيليوم، على كوكبنا؟ إنه اللغز الذي أذهل العلماء لعقود من الزمن. على الرغم من أن الهيدروجين يشكل 75% والهيليوم يشكل 25% من المادة العادية في الكون، إلا أن هذين العنصرين يمثلان أقل من 1% فقط من تكوين الأرض.

فالهيدروجين، على الرغم من وجوده بكميات كبيرة في محيطاتنا وغلافنا الجوي، لا يشكل سوى جزء صغير من التكوين الإجمالي للأرض. ومن ناحية أخرى، يعد الهيليوم عنصرًا نادرًا للغاية، ولا يتم اكتشافه إلا بكميات ضئيلة. وهنا يطرح السؤال: أين ذهبت هذه العناصر؟ ما هي العمليات التي أدت إلى استنزافها على كوكبنا، في حين تبقى نظيراتها في الكون متوفرة بكثرة؟

الوفرة الكونية للهيدروجين والهيليوم

الكون عبارة عن مساحة شاسعة من العناصر، بعضها أكثر شيوعا من البعض الآخر. وعلى رأس هذه القائمة يوجد الهيدروجين والهيليوم، وهما العنصران الأخف والأكثر وفرة في الكون. وهذه الوفرة ليست مفاجئة، نظرًا لأن هذه العناصر تشكلت في اللحظات الأولى من تاريخ الكون، خلال الانفجار العظيم.

في الدقائق القليلة الأولى بعد الانفجار العظيم، كان الكون عبارة عن فوضى من الكواركات والغلوونات، ومع توسعها وتبريدها، بدأت البروتونات والنيوترونات والإلكترونات في التشكل، وفي النهاية اجتمعت معًا لتكوين العناصر الأخف وزنًا، بما في ذلك الهيدروجين والهيليوم. هذه العملية، المعروفة باسم التخليق النووي بعد الانفجار العظيم (Big Bang nucleosynthesis)، وضعت الأساس لتكوين عناصر الكون.

الهيدروجين هو أخف العناصر، وهو أول من تشكل، حيث كانت الإلكترونات والبروتونات تلتقي عادة لتكوين الهيدروجين. كما تم إنتاج كمية صغيرة من الهيليوم وكمية أقل من الليثيوم. ومن ناحية أخرى، تشكل الهيليوم عندما تم تدمير الكثير من الليثيوم البدائي في النجوم، ولكن نفس النجوم قامت بدمج الهيدروجين ليصبح هيليوم، في وقت لاحق من حياتها، وهي عملية حدثت لاحقًا في تاريخ الكون.

لماذا هرب الهيدروجين والهيليوم من الأرض؟

للإجابة على هذا، دعونا نتعمق في قصة تكوين الأرض. تكوّن كوكبنا من قرص دوار من الغاز والغبار، والذي شمل الهيدروجين والهيليوم من الانفجار العظيم، بالإضافة إلى عناصر أثقل تشكلت في النجوم القديمة. كان هذا القرص الكوكبي الأولي (protoplanetary disk) بمثابة بوتقة انصهار كوني، حيث تمتزج العناصر وتختلط لتشكل اللبنات الأساسية لكوكبنا. ومع تشكل الأرض، لعبت هذه الغازات البدائية دورًا حاسمًا في تشكيل تكوينها. ومع ذلك، لم يبقوا هناك لفترة طويلة.

Related Post

يتمتع الغازان خفيفا الوزن، الهيدروجين والهيليوم، بقدرة رائعة على الإفلات من جاذبية الأرض، وهذا سبب رئيسي لندرتهما على كوكبنا. كلما كان الكوكب أكثر ضخامة، زادت قوة جاذبيته، وحجم المشتري الهائل سمح له بالاحتفاظ بكمية أكبر بكثير من هذه الغازات. وفي المقابل، فإن حجم الأرض الصغير نسبيًا وقربها من الشمس يجعلها بيئة غير مناسبة للاحتفاظ بهذه العناصر.

الهيليوم، كونه غازًا نبيلًا، معرض بشكل خاص للهروب بسبب عدم قدرته على تكوين روابط مع ذرات أخرى يمكن أن تثبته على الكوكب. وهذا، بالإضافة إلى كتلته الذرية المنخفضة للغاية، يجعله مرشحًا مثاليًا للهروب من جاذبية الأرض. ونتيجة لذلك، يعتقد معظم علماء الكواكب أن الهيليوم الأصلي من القرص الكوكبي الأولي قد اختفى منذ فترة طويلة، ولم يترك وراءه سوى كمية صغيرة تم إنتاجها من خلال التحلل الإشعاعي للعناصر الأثقل.

من ناحية أخرى، الهيدروجين أكثر وفرة على الأرض لأنه يشكل روابط بسهولة مع عناصر مثل الأكسجين، مما يجعله أقل عرضة للهروب. ومع ذلك، حتى الهيدروجين ليس محصنًا ضد جاذبية الأرض، ويُعتقد أن معظم الهيدروجين الموجود خلال التكوين المبكر للكوكب قد هرب منذ فترة طويلة، خاصة خلال الفترات الشديدة من تدفقات الصهارة على سطح الكوكب.

كما أن قرب الأرض من الشمس يلعب دورًا مهمًا في فقدان هذه العناصر. عندما تعمل طاقة الشمس على تسخين الغازات، فإنها تزيد من طاقتها الحركية، مما يجعلها أكثر عرضة للهروب من جاذبية الكوكب. وقد أدى هذا إلى استنفاد هذه العناصر بمرور الوقت.

التطبيقات الحاسمة للعناصر الأرضية النادرة

كما رأينا، فإن العناصر الأكثر شيوعا في الكون، الهيدروجين والهيليوم، نادرة على الأرض بشكل مدهش. ولكن على الرغم من ندرتها، إلا أن لها تطبيقات مهمة تؤثر بعمق على حياتنا اليومية. خذ الهيليوم على سبيل المثال. إلى جانب ارتباطه ببالونات الحفلات، يعد الهيليوم ضروريًا لتبريد المعدات العلمية وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي إلى درجات حرارة منخفضة للغاية. في الواقع، إن اعتمادنا على الهيليوم كبير جدًا لدرجة أننا اضطررنا إلى تطوير استراتيجيات ذكية لحصده من أماكن قديمة حيث تراكم الهيليوم على مدى ملايين السنين.

علاوة على ذلك، مع تحول العالم بعيدًا عن الوقود الأحفوري، قد نحتاج إلى إعطاء الأولوية لمصادر الهيليوم ذات التركيز العالي. وقد يؤدي ذلك إلى ابتكارات واكتشافات جديدة. ويحمل الهيدروجين أيضًا إمكانات هائلة. باعتباره مصدرًا نظيفًا وفعالًا للطاقة، يتمتع الهيدروجين بالقدرة على تغيير الطريقة التي نولد بها الطاقة ونزود أنظمة النقل بالوقود.

باختصار، قد تكون العناصر الأكثر شيوعًا في الكون نادرة على الأرض، لكن أهميتها لا يمكن المبالغة فيها. ومن خلال الاستمرار في دراسة هذه العناصر وتسخيرها، يمكننا إطلاق العنان لتقنيات جديدة، ودفع الابتكار، وخلق مستقبل أكثر إشراقًا لأنفسنا وللأجيال القادمة.

المصدر

Why Are The Universe’s Most Common Elements So Rare On Earth? | iflscience

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
أخبار علمية

Share
Published by
أخبار علمية

Recent Posts

من دهاليز الجيزة إلى أعماق الفضاء.. ظواهر 2025 التي عجز العلم عن تفسيرها

أسرار عام 2025 "عام الغموض": هل اقترب البشر من فك شفرة الكون؟ لطالما اعتبر الإنسان…

5 ساعات ago

حلم “إديسون” يتحقق في 2026: ثورة نانوية في عالم البطاريات بقيادة العالم المصري “ماهر القاضي”

في لحظة فارقة من تاريخ العلم، ومع إسدال الستار على عام 2025، تصدّر مشهد الابتكار…

14 ساعة ago

البحث العلمي كقاطرة للجمهورية الجديدة: حصاد منظومة البحث العلمي والابتكار في مصر لعام 2025

مع نهاية عام 2025، يبرز البحث العلمي في مصر كأحد المحاور الرئيسية في استراتيجية التنمية…

4 أيام ago

وداعًا لأسطورة “الحواس الخمس”: أجسادنا “مفاعلات حسية” تعمل فيها عشرات الحواس الخفية بتناغم مذهل

تخيل أنك تستيقظ في غرفتك المظلمة تماماً. دون أن تفتح عينيك، ودون أن تلمس الجدران،…

6 أيام ago

حصاد العقول والعدسات: “نيتشر” تكشف عن الشخصيات والصور التي صاغت وجه العلم في 2025

من أعماق المحيط إلى حدود الكون: هؤلاء هم أبطال العلم لعام 2025 لم يكن عام…

أسبوع واحد ago

على خطى الاستدامة.. “علوم القاهرة” ترسم خارطة الطريق نحو “الحرم الجامعي الأخضر” وتفك شفرة “البصمة الكربونية”

في ظل تسارع وتيرة التغيرات المناخية التي تعصف بكوكبنا الأزرق، لم يعد دور المؤسسات الأكاديمية…

أسبوع واحد ago