
لطالما سحرتنا صورة عالم الآثار الذي يرتدي قبعته الشهيرة، ممسكاً بفرشاة ومعول، يقضي الشهور تحت لهيب الشمس في صبر أسطوري ليزيح الستار عن قطعة فخار أو تمثال صغير. لكن في القرن الحادي والعشرين، لم يعد هذا المشهد هو الوحيد المتصدر للمشهد. نحن الآن أمام جيل جديد من “المنقبين الرقميين” الذين لا يحتاجون لخدش سطح الأرض ليعرفوا ما تخفيه من أسرار.
إنها الجيوفيزياء الأثرية؛ العلم الذي يدمج بين صرامة الفيزياء وعراقة التاريخ. ومؤخراً، سجلت جامعة القاهرة هدفاً دولياً في مرمى البحث العلمي المرموق، بعد أن نشر فريق بحثي من كلية العلوم دراسة استثنائية في مجلة “npj Heritage Science” التابعة لمجموعة “نيتشر” (Nature)العالمية، كشفوا فيها عن أسرار مدفونة في منطقة “سقارة” العريقة باستخدام “عيون فيزيائية” لا تخطئ، حيث نجح فريق جيوفيزيائي من كلية العلوم بجامعة القاهرة في تطبيق منهجية علمية متكاملة لاستكشاف منطقة سقارة. باستخدام الرادار (GPR)، المقاومية (ERT)، والزلزالي (SRT)، تم رصد غرف وقاعات وممرات مدفونة تحت أعماق تصل إلى 2 متر. الدراسة أثبتت كفاءة التقنيات غير التدميرية في توجيه الحفائر الأثرية وحماية المواقع من التلف العشوائي.
الجيوفيزياء الأثرية: لماذا نضع المعول جانباً؟
في الماضي، كان الحفر الاستكشافي عملية محفوفة بالمخاطر؛ فربما ضربة معول خاطئة تدمر طبقة أثرية لا تقدر بثمن، أو تكسر جداراً هشاً صمد لآلاف السنين. هنا تبرز أهمية التطبيقات الجيوفيزيقية التي يبرع فيها قسم الجيوفيزياء بجامعة القاهرة، والتي تعتمد على مبدأ “الاختبارات غير التدميرية“.
أهمية هذه التقنيات للجمهور العام:
- الحفاظ على التراث: نحن نكتشف الآثار دون المساس بسلامتها، تماماً كما يستخدم الطبيب الأشعة السينية (X-ray) لرؤية العظام دون جراحة.
- دقة التحديد: بدلاً من الحفر في مساحات شاسعة، تحدد الأجهزة بدقة أماكن الجدران، الطرق القديمة، والمقابر.
- توفير الوقت والمال: توجه هذه التقنيات جهود الدولة والبعثات نحو الأماكن “الواعدة” فقط، مما يقلل النفقات المهدرة في مواقع خالية.
- رسم خرائط ثلاثية الأبعاد: توفر هذه التقنيات تصوراً كاملاً لما تحت السطح، مما يساعد في تخطيط عمليات الترميم بدقة جراحية.
إنجاز جامعة القاهرة: “سقارة” تحت مجهر البحث العالمي
الدراسة التي قادها كوكبة من العلماء المصريين (د. أحمد الخطيب، د. عمرو عيد، د. محمد عامر، د. أحمد محسن، د. وليد محمد مبروك، د. خالد سليمان سليمان) لم تكن مجرد مسح روتيني، بل كانت نموذجاً لما يسمى “التكامل المنهجي“.
المثلث الذهبي للاستكشاف (التقنيات المستخدمة):
اعتمد الفريق على دمج ثلاث قوى فيزيائية لضمان عدم حدوث أي خطأ في التفسير العلمي:
- رادار اختراق الأرض (GPR – Ground Penetrating Radar):
- آلية العمل: يرسل نبضات راديوية لترتد من الأجسام المدفونة.
- وظيفته: كشف عن الخصائص الخطية التي تبدو كأنها جدران أو ممرات، وانعكاسات قد تدل على حجرات مبنية بالطوب اللَّبِن (طوب مصنوع من الطين والقش).
- تصوير المقاومية الكهربائية (ERT – Electrical Resistivity Tomography):
- آلية العمل: قياس مدى ممانعة الأرض لمرور التيار الكهربائي.
- وظيفته: كشف عن مناطق ذات مقاومة منخفضة، مما يرجح وجود هياكل مبنية وليست مجرد فراغات طبيعية في الصخر.
- تصوير الانكسار الزلزالي (SRT – Seismic Refraction Tomography):
- آلية العمل: قياس سرعة انتقال الموجات الصوتية في طبقات الأرض.
- وظيفته: حدد سرعتين مختلفتين؛ الأولى لطبقة الرمل السطحية ($400-1100$ م/ث)، والثانية لطبقة الحجر الجيري ($1200-1900$ م/ث). وجود مناطق “سرعة منخفضة” داخل الحجر الجيري كان المؤشر الأقوى على وجود غرف أو تجاويف.
ماذا وجدنا تحت رمال سقارة؟
من خلال دمج بيانات هذه التقنيات، استطاع الفريق تحديد ثلاث نقاط “شذوذ” (وهي مناطق تختلف قراءاتها الفيزيائية عن المحيط الطبيعي)، تمثل أهدافاً أثرية مؤكدة بنسبة عالية:
- الهدف (A-1): غرفة مدفونة على عمق يقارب 2 متر تحت السطح.
- الهدف (A-2): قاعة أو صالة ضخمة بأبعاد تصل إلى 6أمتار، تقع على عمق يتراوح بين 1.5 إلى 2 متر.
- الهدف (A-3): حجرة تحت سطحية قد تكون متصلة بممر رأسي، وهو النمط الكلاسيكي لآبار الدفن في الدولة القديمة.
تطابق نتائج التقنيات الثلاث (المقاومة المنخفضة، السرعة المنخفضة، والانعكاس الرادارى) يعزز فرضية أن هذه الهياكل هي من صنع الإنسان (آثار) وليست تكوينات جيولوجية طبيعية.
الأهمية الأكاديمية والمهنية
نشر هذا البحث في مجلة (npj Heritage Science ) المصنفة Q1، (أي ضمن أفضل 25% من المجلات العلمية في العالم) ليس مجرد خبر، بل هو اعتراف دولي بجودة المعامل والكوادر في جامعة القاهرة. إن هذا النوع من الأبحاث يرفع تصنيف الجامعات المصرية ويثبت أننا نمتلك أدوات “القوة الناعمة” العلمية لحماية تاريخنا.
نحو رؤية علمية للتراث
إن ما حققه فريق جامعة القاهرة هو رسالة لكل المهتمين بالتراث: “العلم هو الحارس الأمين للتاريخ”. نحن اليوم لا نحتاج إلى تدمير الموقع لنعرف أسراره، بل نحتاج إلى دعم هذه الفرق البحثية وتزويدها بأحدث الأجهزة. إن مستقبل الاستكشاف في مصر يكمن في “المنقب الرقمي” الذي يقرأ لغة الصخور والموجات قبل أن يلمسها بيده.
ويجب أن يدرك الجمهور العام من الخليج إلى المحيط أن التنقيب عن الآثار لم يعد “فهلوة” أو بحثاً عشوائياً، بل هو علم دقيق. إن استخدام هذه الألفاظ (جيوفيزياء، رادار، مقاومية كهربائية) يجب أن يصبح جزءاً من وعينا الثقافي بآليات حماية التراث.
سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.
التعليقات :