تقنية

كيف كانت بداية ألعاب الفيديو؟

في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، شرعت مجموعة من المبدعين، المفتونين بإمكانيات أجهزة الكمبيوتر الحديثة، في رحلة لإنشاء شيء جديد تمامًا، وهو ألعاب الفيديو. من هم هؤلاء الرواد؟ وما الذي دفعهم إلى تجاوز حدود التكنولوجيا والإبداع؟ تكمن الإجابة في متعة اللعب، وهي غريزة إنسانية أساسية دفعت الابتكار عبر التاريخ. فكيف كانت بداية ألعاب الفيديو؟

إطلاق العنان للإبداع البشري

ما الذي يدفع البشر للعب؟ من منظور بيولوجي، يعد اللعب جانبًا أساسيًا من جوانب التنمية، حيث يسمح لنا بالتعلم والتجربة والتكيف مع بيئتنا. كأطفال، نلعب لتطوير المهارات الحركية، والتواصل الاجتماعي، وبناء القدرات المعرفية. وكبالغين، يصبح المرح منفذًا إبداعيًا، يمكّننا من الابتكار والتعبير عن أنفسنا وتخطي الحدود.

على مر التاريخ، أظهر البشر قدرة فطرية على تحويل أي شيء إلى ملعب. أعطنا كرة، وسنخترع ألعابًا مثل كرة السلة أو كرة القدم. أعطنا قلمًا، وسنصنع الفن، أو نكتب القصص، أو نؤلف الموسيقى. وهذا الإبداع المتأصل هو ما دفع التقدم البشري، وغذى الابتكار والاكتشاف.

في سياق التكنولوجيا، كانت متعة اللعب حافزًا كبيرًا للتقدم. فكر في المخترعين والرواد الذين تجرأوا على تحقيق أحلام كبيرة، وغالبًا ما كان ذلك مدفوعًا بالفضول وحس المغامرة. كان كريستوفر ستراشي، وآلان تورينج، ووليام هيجينبوثام، على سبيل المثال لا الحصر، أفرادًا مرحين رأوا الإمكانات التي تنطوي عليها التقنيات الناشئة وقاموا بتحويلها إلى شيء غير عادي.

ولادة أجهزة الكمبيوتر

كان اختراع أجهزة الكمبيوتر الحديثة لحظة محورية في تاريخ البشرية، وكان بمثابة بداية حقبة جديدة في الابتكار العلمي. في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وضع الرواد مثل آلان تورينج، وجون فون نيومان، وكونراد تسوسي الأسس لتطوير أجهزة الكمبيوتر الرقمية. هؤلاء المبتكرون، مدفوعين بشغفهم في حل المشكلات والفضول، تجاوزوا حدود الممكن باستخدام الآلات.

واحدة من أهم الإنجازات جاءت مع تطوير أول كمبيوتر ذو برنامج مخزن، وهو الحاسوب والمكامل الرقمي الإلكتروني (ENIAC). تم بناءه في عام 1946، وكان عبارة عن آلة عملاقة، تشغل غرفة كاملة وتزن أكثر من 27 طنًا. وعلى الرغم من حجمه، فقد كان بمثابة خطوة حاسمة نحو إنشاء أجهزة كمبيوتر أصغر وأسرع وأكثر كفاءة.

أول لعبة فيديو

في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، حصل كريستوفر ستراشي، وهو مدرس وصديق لآلان تورينج، على دليل برمجة لجهاز الكمبيوتر (Mark I) في جامعة مانشستر. أثار هذا اللقاء شعلة الإبداع في ستراشي، وبدأ العمل على برنامج لعب الداما الذي من شأنه أن يغير وجه الألعاب إلى الأبد. اللعبة، التي لم يقم ستراشي بتسميتها مطلقًا ولكن يشار إليها الآن باسم (M.U.C. Draughts). كانت اللعبة إنجازًا رائعًا بالنظر إلى القيود التكنولوجية في ذلك الوقت.

Related Post

عرضت (M.U.C. Draughts) لوحة الداما على أنبوب أشعة الكاثود. وقام اللاعبون بحركاتهم باستخدام المبرقة الكاتبة (teletype)، وهي آلة كاتبة متصلة إلكترونيًا بالكمبيوتر. يقوم الكمبيوتر بعد ذلك بتحليل الحركات، وتوقع التحركات المضادة المحتملة، وحتى السخرية من اللاعبين بسبب أخطائهم. كانت هذه اللعبة الرائدة بمثابة شهادة على براعة ستراشي وإبداعه، كما أنها أرست الأساس لألعاب الفيديو التي نعرفها ونحبها اليوم.

على الرغم من أن لعبة ستراشي كانت رائدة، فمن الممكن أن يكون الآخرون قد طوروا ألعاب فيديو مماثلة في نفس الوقت تقريبًا. المنافس الآخر للعبة الفيديو الأولى هي لعبة (tic-tac-toe) التي أنشأها ساندي دوغلاس لكمبيوتر (EDSAC) بجامعة كامبريدج.

تطور ألعاب الفيديو المبكرة

بعد الجهود الرائدة التي بذلها كريستوفر ستراشي وساندي دوغلاس، كانت الخطوة المهمة التالية في تطور ألعاب الفيديو هي إنشاء لعبة (Tennis for Two). تم تطوير هذه اللعبة البسيطة والجذابة بواسطة ويليام هيجينبوتام وروبرت دفوراك وديفيد بوتر، في عام 1958 كعرض توضيحي ليوم الزوار في مختبر بروكهافين الوطني في نيويورك. وباستخدام جهاز كمبيوتر تناظري قديم الطراز، قاموا بإنشاء منظر جانبي لملعب تنس، مكتمل بشبكة وكرة تطير فوقه.

على الرغم من تفكيك لعبة (Tennis for Two) بعد الحدث، إلا أن إرثها استمر. ألهم مفهوم اللعبة موجة جديدة من المبدعين، بما في ذلك مجموعة من مهندسي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الذين ابتكروا (!Spacewar) في عام 1962. أحدثت هذه اللعبة الرائدة ثورة في عالم الحوسبة، حيث تتميز بمساحة محاكاة تحتوي على أشياء تتحرك، وزخارف بصرية، وعناصر يتحكم فيها اللاعبون.

(!Spacewar) كانت اللعبة الأولى التي تتضمن جميع الميزات التي نتوقعها من ألعاب الفيديو الحديثة. كان لديها شمس مركزية تمارس الجاذبية، ونجوم في الخلفية، وسفينتان فضائيتان تخوضان المعركة. يتحكم اللاعبون في سفن الفضاء هذه، باستخدام أجهزة الدفع للتنقل وإطلاق المدافع لتدمير الخصوم. كان تأثير اللعبة كبيرًا جدًا لدرجة أنها أدت إلى ظهور (Spacewar! Olympics) في عام 1972، برعاية مجلة رولينج ستون.

ظهور مشغلات ألعاب الفيديو المنزلية

كان فجر ألعاب الفيديو بمثابة بداية حقبة جديدة في مجال الترفيه، حيث يمكن للناس التفاعل مع عوالم وتجارب محاكاة من منازلهم المريحة. كان (Magnavox Odyssey)، الذي تم إصداره في عام 1972، أول مشغل ألعاب الفيديو منزلي يجلب ألعاب الفيديو إلى غرف معيشة الأشخاص. كان رالف باير وفريقه من المهندسين في شركة (Sanders Associates) يعملون على طريقة لممارسة الألعاب على أجهزة التلفزيون المنزلية. وأدت فكرتهم المبتكرة عن لعبة بينج بونج الإلكترونية إلى إنشاء لعبة (Pong)، وهي اللعبة التي ستصبح قريبًا ظاهرة ثقافية.

كان (Magnavox Odyssey) أكثر من مجرد وحدة تحكم، بل كانت بوابة إلى عالم جديد من الترفيه التفاعلي. لقد كان بمثابة تحول من الأيام الأولى لألعاب الفيديو، حيث كان المتحمسون يجتمعون حول أجهزة الكمبيوتر المركزية للعب ألعاب مثل (!Spacewar)، إلى عصر حيث يمكن للناس الاستمتاع بألعاب الفيديو في أجواء حميمة في منازلهم. كان إصدار (Magnavox Odyssey) بمثابة بداية صناعة بمليارات الدولارات من شأنها أن تغير الطريقة التي نلعب بها، ونتواصل اجتماعيًا، ونتعامل مع التكنولوجيا.

اليوم، أصبحت ألعاب الفيديو جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، حيث يلعبها الملايين من الأشخاص حول العالم على وحدات التحكم وأجهزة الكمبيوتر والأجهزة المحمولة. وقد أدى ظهور مشغل ألعاب الفيديو المنزلي إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على الوصول إلى ألعاب الفيديو، مما سمح للأشخاص من جميع الأعمار والخلفيات بتجربة متعة اللعب. سواء أكان ذلك استكشاف عوالم افتراضية، أو التنافس مع الأصدقاء، أو مجرد الاسترخاء مع لعبة مفضلة، أصبحت ألعاب الفيديو جزءًا أساسيًا من الترفيه الحديث. لقد ألهم الرواد الذين تجرأوا على الحلم بعالم يمكن للناس فيه اللعب على أجهزة الكمبيوتر ووحدات التحكم، أجيالًا وراء أجيال، ويستمر إرثهم في تشكيل مستقبل الترفيه التفاعلي.

المصدر:

Who invented video games? live science

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
أخبار علمية

Share
Published by
أخبار علمية

Recent Posts

ثورة المعرفة في مصر 2025: كيف جعل بنك المعرفة المصري “اقتصاد المعرفة” حقيقة ملموسة على أرض الواقع؟

بنك المعرفة المصري يتحول إلى "منصة دولية" ويقود قاطرة البحث العلمي العربي. في قلب التحولات…

يومين ago

من دهاليز الجيزة إلى أعماق الفضاء.. ظواهر 2025 التي عجز العلم عن تفسيرها

أسرار عام 2025 "عام الغموض": هل اقترب البشر من فك شفرة الكون؟ لطالما اعتبر الإنسان…

أسبوع واحد ago

حلم “إديسون” يتحقق في 2026: ثورة نانوية في عالم البطاريات بقيادة العالم المصري “ماهر القاضي”

في لحظة فارقة من تاريخ العلم، ومع إسدال الستار على عام 2025، تصدّر مشهد الابتكار…

أسبوع واحد ago

البحث العلمي كقاطرة للجمهورية الجديدة: حصاد منظومة البحث العلمي والابتكار في مصر لعام 2025

مع نهاية عام 2025، يبرز البحث العلمي في مصر كأحد المحاور الرئيسية في استراتيجية التنمية…

أسبوعين ago

وداعًا لأسطورة “الحواس الخمس”: أجسادنا “مفاعلات حسية” تعمل فيها عشرات الحواس الخفية بتناغم مذهل

تخيل أنك تستيقظ في غرفتك المظلمة تماماً. دون أن تفتح عينيك، ودون أن تلمس الجدران،…

أسبوعين ago

حصاد العقول والعدسات: “نيتشر” تكشف عن الشخصيات والصور التي صاغت وجه العلم في 2025

من أعماق المحيط إلى حدود الكون: هؤلاء هم أبطال العلم لعام 2025 لم يكن عام…

أسبوعين ago