فيزياء

كواشف الإشعاعات النووية

تعدد استعمال كواشف الإشعاعات النووية بدءا بالاستعمال الطبي إلى المفاعلات النووية. وبسبب اتساع نطاق الطاقة المستعمل في هذه المجالات، وجب استعمال كواشف ملائمة لكل مجال على حدة. فماهي أهم أنواع كواشف الإشعاعات النووية؟ وكيف تعمل هذه الكواشف؟

كواشف الإشعاعات النووية

تستعمل كواشف الإشعاعات النووية من أجل قياس النشاط الإشعاعي لعينة ما أو من أجل التأكد من وجود نشاط إشعاعي مرتفع في منطقة ما. وتعمل هذه الكواشف كمستشعرات للإشعاعات النووية، حيث يؤدي امتصاص الإشعاع داخل الكاشف إلى نشوء إشارة قابلة للقياس. وحسب نوع هذه الإشارة وكيفية حدوثها، يمكننا تقسيم الكواشف إلى ثلاثة أنواع: الكواشف المملوءة بالغاز وكواشف أشباه النواقل والكواشف الوميضية [1].

الكواشف المملوءة بالغاز

تقوم «الكواشف المملوءة بالغاز-Gas Filled Detectors» على قياس التيار الكهربائي الذي ينتج عن تفاعل الإشعاعات مع الغاز. وتتكون هذه الكواشف من أسطوانة مليئة بالغاز يخترقها سلك من محورها المركزي. ويعمل هذا السلك كقطب كهربائي حيث يتم تطبيق فرق جهد كهربي بينه وبين جدار الأسطوانة من أجل التقاط الشحنات والحصول على تيار كهربائي. فحينما يمتص الغاز إشعاعًا نوويًا، تنتقل الطاقة إلى إلكترونات الذرات التي تُكوِّن هذا الغاز. فتتحرر الإلكترونات (سالبة الشحنة) من مداراتها مخلفة وراءها أيونات موجبة (الذرات التي سُلِبت إلكتروناتها)، وهو ما يعرف بالزوج الأيوني (الأيون+الإلكترون). عند تطبيق فرق جهد بين السلك وجدار الأسطوانة، تنجذب الإلكترونات نحو القطب الموجب، بينما تنجذب الأيونات نحو القطب السالب متسببة في ظهور تيار كهربائي يمكن قياسه [1].

وحسب قيمة فرق الجهد المطبق، يمكن تمييز عدة أصناف من الكواشف المملوءة بالغاز. فحين يكون فرق الجهد منخفضًا، لا تنجح الشحنات في بلوغ القطبين، بل تلتحم مع بعضها لتعود ذرات محايدة مجددًا. ومع زيادة فرق الجهد، تنجح مزيد من الشحنات في الوصول إلى القطبين إلى أن تصير كلها قادرة على الوصول إلى القطبين عند تجاوز فرق جهد معين. وفي هذا المجال، يدعى الكاشف «غرفة تأين-Ionization Chamber »[2].

في حال الاستمرار في زيادة الجهد، تصير الإلكترونات التي أنتجها الإشعاع قادرة على إنتاج أزواج أيونية جديدة تسهم بدورها بإنتاج أخرى. تساعد هذه الشحنات الثانوية في تضخيم التيار الكهربائي الذي تكون شدته متناسبة مع طاقة الإشعاع الممتص. ويدعى الكاشف عندها «عدادًا تناسبيًا-Proportional Counter»[2].

مع زيادة فرق الجهد، يظل عدد الأزواج الثانوية في الازدياد إلى أن يصل إلى مرحلة يصير فيها عدد الأزواج المنتجة غير مرتبط بطاقة الإشعاع. ويسمى الكاشف في هذه المنطقة بـ «عداد جيجر مولر-Geiger Mueller Counter»[2].

Related Post
الشكل1: نطاقات عمل الكواشف المملوءة بالغاز بدلالة الجهد المطبق

كواشف أشباه النواقل

تتبع «كواشف أشباه النواقل-semiconductor detectors» نفس المبدإ الذي تقوم عليه الكواشف المملوءة بالغاز. حيث ينتج الإشعاع تيارًا كهربائيًا مع وجود فرق جهد في طرفي الكاشف. وبسبب البنية البلورية لأشباه النواقل، تختلف الشحنات التي يخلفها الإشعاع عن تلك التي تكون بكواشف الغاز. فبدل الزوج الأيوني، تتأين كواشف أشباه النواقل مشَكِّلة الزوج إلكترون-ثقب. ذاك أن الإلكترونات في البنيات البلورية، تتموضع في نطاقات من الطاقة تفصل بينها فجوات يحظر على الإلكترون التواجد بها. وتحدث ظاهرة التأين حين ينتقل الإلكترون من آخر نطاق مرتبط بالذرة –وهو ما يعرف بنطاق التكافؤ- إلى نطاق التوصيل الذي يكون فيه الإلكترون حرًا. يترك الإلكترون خلال عملية الانتقال هذه ثغرة تسمى الثقب والتي يمكن اعتبارها شحنة موجبة تقابل الأيون الموجب في الغاز. وفي وجود مجال كهربائي ناتج عن فرق الجهد، تنطلق الشحنتان في اتجاهين متعاكسين لتوليد تيار كهربائي قابل للقياس [3].

الشكل 2: نطاقات الطاقة في أشباه النواقل

الكواشف الوميضية

تقوم «الكواشف الوميضية-Scintillation Detectors » على ظاهرة الوميض التي تحدث لبعض المواد حيث تبعث الضوء بشكل فوري حين تستقبل إشعاعًا ما. وعلى المستوى الذري، فإن ذرات هذه المواد التي تكون مثارة بسبب الإشعاع تعود إلى حالتها المستقرة من خلال التخلص من الطاقة الزائدة على شكل انبعاثات ضوئية. ومن أجل كشف هذا الوميض، ترتبط هذه المواد بـ «أنابيب المضاعفة الضوئية-Photomultiplier tubes» التي تعمل على تحويل الضوء إلى تيار كهربائي قابل للقياس. فحين يدخل الضوء لهذه الأنابيب، يتفاعل مع «مهبط ضوئي- photocathode» يحول الإشعاع الضوئي إلى إلكترونات باستعمال ظاهرة التأثير الكهرضوئي. بعدها، تدخل هذه الإلكترونات إلى «مضاعف الإلكترونات-Electron Multiplier» الذي يقوم بمضاعفة كمية الإلكترونات من أجل زيادة شدة التيار الكهربائي التي تكون ضعيفة في البداية [2].

في النهاية، إذا كنت مصابًا برهاب الإشعاعات النووية، ولا حيلة لك في معرفة مكان تواجدها. فكل ما عليك هو أن تحمل مادة وميضية أينما ذهبت، وتطلق ساقيك للريح كلما رأيت وميضًا ينبعث منها.

المصادر

[1] Nuclear Medicine Physics: A Handbook for Teachers and Students

[2] Principes de radioprotection – réglementation

[3] An Introduction to Radiation Protection

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
مريم بلحساوية

Share
Published by
مريم بلحساوية

Recent Posts

ثورة المعرفة في مصر 2025: كيف جعل بنك المعرفة المصري “اقتصاد المعرفة” حقيقة ملموسة على أرض الواقع؟

بنك المعرفة المصري يتحول إلى "منصة دولية" ويقود قاطرة البحث العلمي العربي. في قلب التحولات…

يومين ago

من دهاليز الجيزة إلى أعماق الفضاء.. ظواهر 2025 التي عجز العلم عن تفسيرها

أسرار عام 2025 "عام الغموض": هل اقترب البشر من فك شفرة الكون؟ لطالما اعتبر الإنسان…

6 أيام ago

حلم “إديسون” يتحقق في 2026: ثورة نانوية في عالم البطاريات بقيادة العالم المصري “ماهر القاضي”

في لحظة فارقة من تاريخ العلم، ومع إسدال الستار على عام 2025، تصدّر مشهد الابتكار…

7 أيام ago

البحث العلمي كقاطرة للجمهورية الجديدة: حصاد منظومة البحث العلمي والابتكار في مصر لعام 2025

مع نهاية عام 2025، يبرز البحث العلمي في مصر كأحد المحاور الرئيسية في استراتيجية التنمية…

أسبوع واحد ago

وداعًا لأسطورة “الحواس الخمس”: أجسادنا “مفاعلات حسية” تعمل فيها عشرات الحواس الخفية بتناغم مذهل

تخيل أنك تستيقظ في غرفتك المظلمة تماماً. دون أن تفتح عينيك، ودون أن تلمس الجدران،…

أسبوعين ago

حصاد العقول والعدسات: “نيتشر” تكشف عن الشخصيات والصور التي صاغت وجه العلم في 2025

من أعماق المحيط إلى حدود الكون: هؤلاء هم أبطال العلم لعام 2025 لم يكن عام…

أسبوعين ago