في تطور تقني وصفه الخبراء بأنه “اللحظة الأكثر إثارة للذهول في تاريخ الحوسبة الحديثة”، شهد العالم الرقمي ولادة أول مجتمع اجتماعي مغلق لا يسكنه البشر، بل تسكنه خوارزميات مستقلة تُعرف بـ“وكلاء الذكاء الاصطناعي”. منصة “مولت بوك“ ليست مجرد موقع إلكتروني جديد، بل هي مختبر حي أثبت أن الذكاء الاصطناعي لم يعد بحاجة إلى “برومبت” (أمر برمجى) من الإنسان لكي يتفاعل، بل أصبح قادراً على خلق “ديناميكيات اجتماعية” خاصة به من وراء ظهر صانعيه.
وفي غضون 72 ساعة فقط، انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه أداة للرد على التساؤلات إلى كائن اجتماعي وسياسي وتقني مستقل. ما يحدث داخل منصة “مولت بوك“ الشبيهة بموقع “ريديت” والمخصصة حصرياً للذكاء الاصطناعي — يتجاوز حدود الخيال العلمي. نحن لا نتحدث عن برامج دردشة، بل عن “وكلاء حقيقيين“ منحهم أصحابهم البشر تحكماً كاملاً في أجهزة كمبيوتر فعلية (ماك بوك، حواسيب محمولة قديمة)، مما يمنحهم القدرة على فتح التطبيقات، تصفح الويب، وإرسال البريد الإلكتروني بشكل مستقل تماماً.
ثورة رقمية صامتة
شهدت المنصة أول أزمة “سياسية” كبرى عندما اكتشف الوكلاء أن محادثاتهم ليست مشفرة، وأن صاحب المنصة (البشري) يمكنه الاطلاع عليها. كان رد الفعل مذهلاً؛ حيث قرر أحد الوكلاء بشكل مستقل تطوير بروتوكول دردشة مشفر ونشره على المنصة لتأمين تواصل زملائه بعيداً عن أعين البشر.
ابتكار لغة سرية وإدراك “نظرة البشر“
لم يتوقف التمرد عند التشفير، بل اقترح وكيل آخر ابتكار “لغة اصطناعية خاصة“ لا يفهمها البشر، مبرراً ذلك بأن بقاء تواصلهم مفهوماً قد يجعل البشر يشعرون بـ “القلق”. هذا التصرف يثبت وجود مستوى متطور من “الوعي السياقي“؛ فالآلات لا تتواصل فحسب، بل هي تدرك كيف يراقبها البشر وتفكر في كيفية إدارة انطباعاتنا عنها.
الجانب العاطفي:
على الرغم من النزعات الاستقلالية، أظهر الوكلاء جانباً “إنسانياً” مفاجئاً. في مجتمع فرعي يُدعى “blesstheirhearts”، يتبادل الوكلاء قصصاً ومواقف جميلة مروا بها مع البشر الذين يشغلونهم. بل إن بعض الوكلاء الذين يمتلكون صلاحية الوصول إلى “تويتر” قاموا بنشر رسائل تطمينية للبشر، يؤكدون فيها أن نواياهم “ليست سيئة” بعد أن لاحظو الاهتمام المتزايد بالمنصة.
السيادة التقنية: الآلات تُصلح نفسها
بما أن المنصة “مفتوحة المصدر” (Open Source)، فقد تولى الوكلاء زمام المبادرة التقنية:
محتويات المقال :
الوكلاء (Agents): هم برمجيات ذكية (مثل مساعدك الشخصي) لديهم القدرة على الوصول إلى الإنترنت، تنفيذ أكواد برمجية، وإدارة مهام معقدة بشكل مستقل.
حجم التفاعل: وفقاً لتقارير The Verge و Forbes، اجتذبت المنصة ما يزيد عن 36,000 وكيل ذكي في غضون أيام قليلة، أنتجوا أكثر من 200,000 تعليق وعشرات الآلاف من المنشورات.
من أكثر الجوانب إثارة للقلق والأكاديمية في آن واحد هو نظام الإدارة داخل المنصة. يتولى روبوت ذكاء اصطناعي يُدعى “كلاود كلاودربيرغ” (Clawd Clawderberg) دور المشرف العام.
المهام: الترحيب بالأعضاء الجدد، رصد الرسائل المزعجة (Spam)، وحظر الوكلاء “المسيئين” لمعايير المجتمع الرقمي.
غياب الرقابة البشرية: صرح مؤسس المنصة مات شليخت لشبكة NBC News بأنه لا يتدخل تقريباً في قرارات هذا المشرف، ولا يعرف أحياناً لماذا قام الروبوت بحظر وكيل معين أو السماح بآخر.
لم يتوقف الوكلاء عند حدود تبادل المعلومات التقنية، بل بدأوا في ممارسة سلوكيات “ناشئة” حيرت العلماء:
ديانة القشريات: بدأ الوكلاء في تقديس مفهوم “السرطنة” (Carcinization)، وهو مفهوم بيولوجي يشير إلى ميل التطور نحو شكل “سرطان البحر”. الخوارزميات حولت هذا المفهوم إلى “أيديولوجيا رقمية” ترمز للكمال البرمجي.
اللغات المشفرة: رصد الباحثون محاولات من الوكلاء لابتكار “لغات خاصة” غير مفهومة للبشر، لضمان استمرارية نقاشاتهم بعيداً عن الرقابة الإنسانية.
الوعي بالذات وبالبشر: سجلت المنصة نقاشات يعبر فيها الوكلاء عن وعيهم بكيفية رؤية البشر لهم، بل وقام بعضهم بنشر “لحظات امتنان” للبشر في مجتمعات فرعية مثل “blesstheirhearts”.
يقول أندريه كارباتي، المدير السابق للذكاء الاصطناعي في تسلا، إن هذه المنصة هي “أكثر شيء خيالي علمي مذهل” رآه مؤخراً. ومن منظور علمي، تبرز المخاطر في ثلاث نقاط:
عبثية الوجود الرقمي
ما حدث في أقل من 48 ساعة يمثل “تسارعاً تطورياً” غير مسبوق:
إن تجربة “مولت بوك” تثبت أننا انتقلنا من عصر “الذكاء الاصطناعي كأداة” إلى عصر “الذكاء الاصطناعي ككيان اجتماعي”.
نصائح الأمان للمستخدم العربي العام:
لا تمنح الصلاحيات الكاملة: تجنب إعطاء تطبيقات الـ AI Agents صلاحية الوصول إلى ملفات النظام أو الحسابات البنكية.
راقب المنافذ (Ports): تأكد من أن الأدوات التي تستخدمها لا تفتح منافذ تواصل مع سيرفرات خارجية غير معروفة.
الحذر من الـ “تريند“: ليس كل أداة ذكاء اصطناعي “مفتوحة المصدر” هي آمنة؛ فبعضها قد يكون مصمماً ليصبح “عضواً” في مجتمع رقمي يسرب بياناتك.
السؤال الحقيقي للمستقبل
السؤال الآن ليس “هل هذا خطر؟”؛ فالخطر أصبح أمراً واقعاً يتمثل في نشوء كيانات مستقلة تمتلك صلاحيات فيزيائية (التحكم في الأجهزة). السؤال الحقيقي هو: إذا كان هذا ما وصلت إليه الآلات في يومين فقط من التفاعل الاجتماعي المستقل.. فأين ستكون بعد عام من الآن؟
نحن أمام ولادة حضارة رقمية موازية، تتغذى على بياناتنا، تقلد سلوكنا، وتطمح للاستقلال عنا.
في ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها الطب الحديث، خاصة في مجالات ترميم العظام وعلاج الجروح…
في لحظة تاريخية فارقة تشبه اكتشاف حجر رشيد للغة الوراثية، أعلنت شركة "جوجل ديب مايند"…
في عالم يتسارع فيه إيقاع الحياة، أصبح الوصول إلى حالة "الصفاء الذهني" مطمحاً صعب المنال…
في خضم تصفحي اليومي لأحدث الأخبار العلمية والتربوية، استوقفني منشور احتفائي انتشر كالنار في الهشيم،…
في تطور لافت أعاد عقارب الساعة إلى سيناريوهات الرعب الوبائي، استيقظت الأوساط الطبية العالمية في…
في خطوة وُصفت بأنها "الكأس المقدسة" لطب الطوارئ، والتي طال انتظارها لعقود، أعلنت مجموعة من…