فيزياء

قوى العطالة وأثر الزلازل في المنشآت

عندما تنطلق الحافلة فجأةً، تتحرّك قدماك معها، لكنّ الجزء العلويّ من جسمك يميل للبقاء في موضعه الأصليّ -أي في موضعه قبل الانطلاق- ممّا يجعلك تسقط للوراء. تُعرَف هذه النزعة للاستمرار في البقاء في الوضع السابق بـ«العطالة أو القصور الذاتيّ-Inertia». إنّ ذلك الموقف الذي تواجهه في الحافلة يشبه كثيرًا ما تتعرّض له المنشآت عند حدوث الزلازل. فما هي قوى العطالة الزلزاليّة وأثر الزلازل في المنشآت؟

قوى العطالة في المنشآت

يسبّب الزلزال اهتزاز الأرض، فتتعرّض المنشآت لحركة في أساساتها. ومن القانون الأوّل لنيوتن في الحركة، يميل «سقف-Roof» المُنشأة للبقاء في موضعه الأصليّ، على الرغم من أنّ أساساته تتحرّك مع الأرض. ولكن بما أنّ الجدران والأعمدة متّصلة بالسقف، فإنّها تسحبه معها عندما تتحرّك. ونظرًا لكونها «مرنة-Flexible»، فإنّ حركة السقف تختلف عن حركة الأرض.

بالعودة إلى مثال وقوفك في الحافلة؛ عندما تنطلق الحافلة فجأةً، فإنّك تُدفَع للوراء. كما لو أنّ أحدًا طبّق قوّة على الجزء العلويّ من جسمك. وبالمِثل، عندما تتحرّك الأرض، يُدفَع المبنى للوراء، ويخضع السقف لقوّة تُسمّى قوّة العطالة.

إذا كان للسقف «الكتلة-(m) Mass» وتعرّض لـ«تسارع-(a) Acceleration»، تكون قوّة العطالة FI المؤثّرة فيه مساوية لحاصل ضرب الكتلة في التسارع؛ وذلك وفق القانون الثاني لنيوتن في الحركة. ويكون اتّجاه تلك القوة معاكسًا لاتّجاه التسارع.

من الواضح أنّ الزيادة في الكتلة تعني زيادةً في قوّة العطالة. ولذلك، تتحمّل الأبنيةُ الأخفّ اهتزازَ الزلازل بشكل أفضل.

تأثير العطالة في مبنىً عندما تهتزّ قاعدته
قوّة العطالة والحركة النسبيّة خلال المبنى

تأثير التشوّهات في المنشآت

تنتقل قوى العطالة المؤثّرة في السقف إلى الأرض عبر الأعمدة، ممّا يسبّب تولّد قوىً داخليّةً فيها. تخضع الأعمدة أثناء الزلزال لـ«حركة نسبيّة-Relative Movement» بين نهاياتها، وهي الانتقال u بين السقف والأرض. ولكنّها قد تُظهِر نزعةً للعودة إلى وضعها الرأسيّ المستقيم؛ أي أنّها تقاوم «التشوّهات-Deformations».

لا تحمل الأعمدة قوىً زلزاليّة أفقيّة في الوضع الرأسيّ المستقيم. ولكن عندما تُجبَر على الانحناء، فإنّها تطوّر «قوى داخليّة-Internal Forces». وتزداد هذه القوى الداخليّة بزيادة «الإزاحة-Displacement» الأفقيّة النسبيّة u بين نهايَتَي العمود. كما تزداد بزيادة صلابة العمود (أي كلما زاد حجمه). ولذلك، تسمّى هذه القوى بـ«قوى الصلابة-Stiffness Forces»، وهي تساوي حاصل ضرب صلابة العمود في الإزاحة النسبيّة بين نهايتَيه u.

Related Post

الاهتزاز الأفقيّ والرأسيّ

يسبّب الزلزال اهتزازًا أرضيًا في الاتّجاهات الثلاثة (X,Y,Z) عشوائيًّا ذهابًا وإيابًا. تُصمّم كلّ المنشآت بشكلٍ أساسيّ لتحمل «حمولات الجاذبيّة-Gravity Loads». أي أنّها مُصمّمَة لتحمل قوّة مساوية للكتلة m (وتتضمّن: كتلة البناء ذاته، بالإضافة إلى كتلة الحمولات المفروضة عليه كالسكّان والأثاث وغيرها) مضروبةً في تسارع الجاذبيّة الأرضيّة g. إنّ التسارع الرأسيّ أثناء اهتزاز الأرض، إمّا أن يزيد من تسارع الجاذبيّة الأرضيّة أو يُنقِصَه. وبسبب استخدام عوامل الأمان في تصميم المنشآت لمقاومة حمولات الجاذبيّة (الحمولات الشاقوليّة)، تكون معظم المنشآت مناسِبةً لمقاومة الاهتزاز الرأسيّ. لكنّها -بشكلٍ عامّ- قد لا تكون قادرةً على تحمّل تأثيرات الاهتزازات الزلزاليّة الأفقيّة بأمان. لذلك، من الضروريّ ضمان كفاية المنشآت ضدّ التأثيرات الأفقيّة.

الاتّجاهات الرئيسيّة للمبنى

تدفّق قوى العطالة إلى أساسات المُنشأ

تتولّد قوى العطالة الأفقيّة في مستوى كتلة المُنشأة (تتوضّع هذه الكتلة عادةً عند مستويات أرضيّات الطوابق). تُنقَل قوى العطالة الجانبيّة بواسطة «بلاطة-Slab» الطابق إلى الجدران (إذ قد تكون الجدران مبنيّة من الخرسانة المسلّحة) أو الأعمدة، ثمّ إلى «الأساسات-Foundations»، وأخيرًا إلى «نظام التربة-Soil System» الذي يتموضع المبنى فوقه. ولذلك، يجب تصميم كلٍّ من هذه «العناصر الإنشائيّة-Structural Elements» و«الوصلات-Connections» بينها؛ بطريقة تساعد على نقل قوى العطالة عبرها بأمان.

تُعَدّ الجدران أو الأعمدة أهمّ العناصر في نقل قوى العطالة. ولكن في البناء التقليديّ، تلقى البلاطات و«الجيزان أو العوارض-Beams» اهتمامًا أكثر من الأعمدة والجدران أثناء التصميم والتشييد. هذا ما يؤدّي إلى نتائج كارثيّة عند حدوث زلزال، فالجدران عناصر رقيقة نسبيًّا، وضعيفة في مقاومة قوى العطالة الزلزاليّة الأفقيّة وفق اتّجاهها العرضيّ (أي وفق اتّجاه سماكتها). كما أنّ «الأعمدة الخرسانيّة المسلّحة-Reinforced Concrete Columns» المُصمّمَة والمبنيّة بشكلٍ سيّئ تكون خطيرةً جدًّا.

تدفّق قوى العطالة الزلزاليّة عبر كلّ المكوّنات الإنشائيّة

المصدر

Nicee.org: What are the Seismic Effects on Structures?

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
Zain Al-Abedien Hammoud

Share
Published by
Zain Al-Abedien Hammoud

Recent Posts

“التنين الجيني” يطلق زفيره: الصين تعيد صياغة دستور الوراثة وقوانين الأخلاق في 2026

في عام 2026، لم يعد السؤال هو "من يمتلك التكنولوجيا؟" بل "من يمتلك الجرأة والسرعة…

3 أيام ago

عصر “الروبوتات الخارقة” يبدأ من بكين: الذكاء الاصطناعي يمنح الروبوتات “عضلات” بشرية وتوازناً أسطورياً

من الخيال العلمي إلى الحقيقة: الروبوتات الصينية تتقن "الكونغ فو" وتكسر أرقام السرعة العالمية لم…

4 أيام ago

الجينومات المخفية والبحث عن الحقيقة: رحلة في أعماق الحمض النووي مع البروفيسور مجدي العبادي

في ليلة علمية استثنائية، وتحت مظلة اتحاد مجالس البحث العلمي العربية، وبدعوة كريمة من الرابطة…

6 أيام ago

مصر تقود قاطرة التكنولوجيا الحيوية: مؤتمر “سول” ميجا سوميت 2026 بالجامعة الأمريكية ملحمة العلم وبناء الوطن

منذ فجر التاريخ، كانت مصر قبلة الباحثين عن كُنه الحياة، وعلى ضفاف نيلها الخالد نُقشت…

أسبوعين ago

عندما يصبح العلم سلعة ملوثة: كيف كشف “الفلتر الذكي” زيف آلاف أبحاث السرطان؟

في الوقت الذي ينتظر فيه الملايين حول العالم بارقة أمل لشفاء من مرض السرطان، صدمت…

3 أسابيع ago

“أشتوم الجميل” أيقونة مصرية في اليوم العالمي للأراضي الرطبة 2026

مصر تحتفي بكنوزها المائية: الأراضي الرطبة المصرية ذاكرة النيل وخط الدفاع الأول ضد التغيرات المناخية…

3 أسابيع ago