فلك

فراشة جديدة في الفضاء، يرصدها سبيتزر

فراشة جديدة في الفضاء، يرصدها سبيتزر

بالنظر في السماء البعيدة، تجد الكثير من التراكيب الكونية الجميلة، منها العنيفة والمتلألئة والمضيئة والجميلة. وكثيرًا ما ترصد تلسكوباتنا تراكيب ذات أشكال مألوفة. فها هو تلسكوب سبيتزر يطري علينا بصورة جديدة لسديم نجمي لفراشة كبيرة حمراء اللون. ولا يقتصر الأمر على هذا فقط، بل وتعد هذه الفراشة حاضنة نجمية ضخمة.

تلك الفراشة الحمراء المحلقة في الفضاء، هي في الواقع حاضنة لمئات النجوم الوليدة. هذا ما كشفته صورة الأشعة تحت الحمراء التي التقطها تلسكوب سبيتزر الفضائيّ التابع لوكالة ناسا. هذه الفراشة ليست سديم الفراشة المشهور NGC-6302، بل هي سديم نجميّ أخر يسمّى «Westerhout 40 (W40»، وهي سحابة ضخمة من الغبار والغاز في الفضاء، والتي تعد بيئة مثالية لنشأة النجوم. وتعد منطقة “الجناحين” عبارة عن فقاعات وكرات من الغاز الساخن، والغبار ما بين النجميّ الذي يهب من النجوم العملاقة الضخمة وشديدة السخونة في تلك المنطقة.

بجانب كونها جميلة، فإن الفراشة W40 تظهر لنا كيف أن عملية نشأة النجوم قد تؤدي إلى تدمير وتشتيت السحب الجزيئية العملاقة التي نشأت منها. لنشرح ما يحدث بشكل بسيط. في البداية داخل السحب الجزيئية العملاقة، تقوم الجاذبية بتجميع الغبار والغاز في كتل كثيفة، وما أن تصل كثافتها إلى نقطة حرجة، يتكوّن النجم الأوليّ الوليد. عندما يبدأ النجم الوليد سلسلة تفاعلاته الانصهارية النووية في باطنه، فإنه يطلق رياح نجمية قوية تُزيح المواد والغازات من حوله. وبجانب ذلك أيضًا، هناك الرياح المتولدة من النجوم العملاقة، والرياح الناتجة من انفجار بعض النجوم في الجوار، كل هذه الأنواع من النشاطات قد تكوّن ما يشبه الفقاعات مثل فقاعات فراشة W40. لكن هذه النشاطات قد تؤدي إلى تكسير الكتل الكثيفة التي تخلقها الجاذبية، وتشتيت الغازات المتجمعة مع بعضها، مما يؤدي لتعطيل عمليات ولادة نجوم جديدة.

إن المواد المكوّنة لجناحي فراشة W40، هي عبارة عن كتل الغاز الكثيفة والمقذوفة من المجموعة النجمية الضخمة والساخنة الموجودة في المركز، أو منطقة ما بين الجناحين. من أحد نجوم هذه المجموعة النجمية الضخمة هو النجم W40 IRS 1A، وهو نجم من النوع O-type يقع بالقرب من مركز المجموعة النجمية. تبعد الفراشة W40 عن الشمس حاولي 1400 سنة ضوئية، وهي تقريبًا نفس المسافة التي يبعدها عنا السديم الشهير سديم الجبار «Orion Nebula». ويعد السديمين هما أقرب المناطق المكتشفة، والتي تتشكل فيها النجوم الضخمة العملاقة، والتي تصل كتلتها لعشر مرات كتلة الشمس.

مجموعة نجمية أخرى تسمى «Serpens South» يمكن رؤيتها أعلى يمين فراشة W40 في تلك الصورة. وعلى الرغم من أن كلًّا من المجموعة النجمية القريبة من المركز والمجموعة النجمية «Serpens South» هما في الواقع صغيران عمريًا، حيث تصل أعمارهما إلى أقل من بضعة ملايين من السنين، إلا أن المجموعة «Serpens South» هي أصغر عمرًا. حيث ما تزال نجومها الصغيرة داخل سحبها الخاصة التي نشأت منها. لكنها في يوم ما ستكوّن فقاقيعها الخاصة. التقط سبيتزر أيضًا صورة مفصلة للمجموعة النجمية «Serpens South».

Related Post
الصورة التي التقطها تلسكوب سبيتزر الفضائي للمجموعة النجمية «Serpens South».

تتكون صورة سبيتزر من أربع صور تم التقاطها بكاميرا الأشعة تحت الحمراء «IRAC» الموجودة في التلسكوب أثناء مهمته الرئيسية. وذلك بعدة أطوال موجية من نطاق الأشعة تحت الحمراء: 3.6 ، 4.5 ، 5.8 و8.0 مايكرومتر، وهي تمثل الألوان الأزرق والأخضر والبرتقالي والأحمر في الصورة. إن الجزيئات العضوية المسمّاة الهيدروكربونات العطرية (الأرينات) يتم تنشيطها بواسطة الاشعاعات ما بين النجمية، لتصبح متوهجة عند الأطوال الموجية القريبة من 8.0 مايكرومتر، مما يعطي السديم اللون المحمر. النجوم المشعة في الاطوال الموجية القصيرة تظهر باللون الأزرق. بعض النجوم الصغيرة والتي لاتزال محاطة بأقراص من الغبار، تظهر متوهجة في الصورة باللون الأصفر.

 

 

المصادر:

Author: Elakademiapost

الأكاديمية هي مبادرة تطوعية غير ربحية تهدف إلى نشر العلم في المجتمع العربي من أجل غدٍ أفضل.

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
Elakademiapost

الأكاديمية هي مبادرة تطوعية غير ربحية تهدف إلى نشر العلم في المجتمع العربي من أجل غدٍ أفضل.

Share
Published by
Elakademiapost

Recent Posts

في محراب المجهول: هل أصبحت “الأطباق الطائرة” أحافير تكنولوجية في أرشيفاتنا السرية؟

بقلم: د. طارق قابيل هل تساءلت يوماً وأنت ترقب النجوم في ليلة صافية، عما إذا…

أسبوعين ago

حراب الجينوم مقابل “أصنام” نظام الطيبات: هل نأكل وفق “كود” الخالق أم أهواء البشر؟

بقلم: د. طارق قابيل تخيل أنك تقف على ظهر سفينة وسط محيط متلاطم من النصائح…

أسبوعين ago

وداعاً لرائد عصر الجينوم.. كريج فينتر ملك الجينات الأسطورة التي غيرت المناهج الدراسية والخرائط الجينية للأبد

من المختبر إلى الواقع: رحل فينتر وبقيت "سينثيا" شاهدة على عصر البيولوجيا التخليقية. بقلم: الدكتور…

3 أسابيع ago

التحريف العلمي ومقامرة “الطيبات”: خريطة طريق للتواصل العلمي الرصين في مواجهة زيف الخرافة

بين جلال العلم وغواية السراب في اللحظة التي ينسحب فيها ضوء العقل، تتسلل خفافيش الوهم…

3 أسابيع ago

ثورة التحرير الجيني في مصر: تعزيز القدرات الوطنية من أجل أمن غذائي مستدام

إن التحرير الجيني ليس مجرد رفاهية علمية، بل هو ضرورة استراتيجية لتحقيق السيادة الغذائية. ومن…

4 أسابيع ago

“كتاب الحياة”: العلم يثبت الاستمرارية البيولوجية للأمة المصرية في ملتقى أكاديمية البحث العلمي

في تظاهرة علمية وثقافية رفيعة المستوى، شهدت أروقة أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا حلقة نقاشية استثنائية،…

4 أسابيع ago