محتويات المقال :
أنت تعرفه جيدًا، فهو يرافق تفكيرك أينما ذهبت، بل وينطق هذه الكلمات همسًا الآن بين أذنيك، لعلك انشغلت بخاطرة ما البارحة أو ما قبل البارحة، فصاحبك هذا الصوت في انشغالك، يعرض عليك أفكارك ويجري بينها سريعًا أو على مهل، قد يتحدث كثيرًا فلا تستطيع إسكاته، وقد يصمت وقت أن تحتاجه، ولكن من هو الصوت الهامس في أفكارك؟
يسمى هذا بالحديث الداخلي «Inner Speech»، وكما لا يغيب عنك، فهو خاص بك، لا أحد يسمعه غيرك، ولا أحد يستطيع أن يخبر بما يدور في رأسك دون أن تطلعه على محتويات ذهنك، وذلك أدى إلى صعوبة دراسة هذه الظاهرة بين العلماء، ولكن بالطبع -لكونهم علماء- حاولوا تطوير وسائل لفهم هذه الظاهرة من استبيانات واختبارات مختلفة وأدوات لفحص النشاط المخي أثناء الانخراط في التفكير، لفهم نشوءه وكيفية نموه معنا خلال طفولتنا وحتى شبابنا وشيخوختنا.
راقب طفلًا يلعب بألعابه وحده، أو إن كنت تذكر نفسك وقت طفولتك، هل يلعب طفلك صامتًا؟ أم يدلو بتعليقٍ من آن لآخر؟ “لا ليس هذا مكانها”، أو “فلأجرب وضع هذه القطعة فوق هذا الهيكل”؟
تسمى مثل هذه التعليقات بالحديث الخاص «Private Speech»، وتُطلقُ على حديث المرء مع نفسه بصوت عالٍ، ولكن دون وجود طرف آخر لهذه المحادثة، يعد هذا مرحلة بينية من الحديث المعتاد وبين حديث الصوت الهامس في أفكارك.
راقب علماء النفس في القرن الماضي هذه الظاهرة بتركيز للإجابة سؤال: كيف ينمو العقل والتفكير مع التقدم بالعمر؟ فنجد كلًا من جون بياجي «Jean Piaget» وليف فيجوتكسي «Lev Vygotsky» أتفقا أن في هذه المرحلة يحدث الطفل نفسه بديلًا عن أبويه او مرشده، فهو يصف ما يفعل، محاولًا إدلال نفسه على الخطوة التالية في لعبته، بعبارة أخرى، يكون هذا الحديث بديلًا عن التوجيه الكامل من الأبوين خلال اللعبة، فالطفل لا يحتاج لأبيه وأمه لكي يأتي بالدمية ويضعها على الطاولة، وذلك لأنه يخبر نفسه من آن لآخر ويصف نشاطه.
ولكن بياجي ظن أن هذا السلوك مجرد عادة، ينساها الطفل حين يكبر ويتمكن من سائر قواه الذهنية والعقلية، وينخرط في المحداثات والاجتماعيات المختلفة مع أهله وأقرانه، أما فيجوتسكي فاختلف رأيه، قائلًا بأن الحديث الخاص الذي ينطقه يتطور إلى عملية داخلية في عقله، أي أن يقولها في ذهنه بدل أن ينطق بها لسانه، ومنا هنا يأتي الصوت الداخلي.
في نظرة فيجوتكسي، لا يعمل الصوت الداخلي على تسليتك في مواصلات الجامعة أو أن يؤرقك ليلًا فقط، ولكنه مؤشر ودليل يرشد أفعالك وسلوكك، فما كان سابقًا تعليمات أبويك، تحول تدريجيًا إلى تعليقات تخبرها نفسك وحدك، إلى صوت داخلي تحمله داخلك باقي حياتك، تنتقل هذه التعليمات أو الفكار بعد ذلك إلى مراحل تطوير واختلاف أثناء النضوج، فتصبح أكثر عمومية، وتبتعد أكثر عن التعليمات السلوكية الفورية، لتشمل في النهاية شتى أنواع الأفكار التي تحظى بها الآن، فصوتك الداخلي صاحبك طوال رحلتك، وكان دليلك للنضوج.
لعل الحديثين الداخلي والخاص يقعان في وسط العديد من العمليات الذهنية التي يجب أن تتم كاملة ليتحققا، فيجب أن يكون العقل قادرًا على سماع أحرف الكلمات وتمييزها من عن بعضها، حين تفكر في كلمة “مفتاح”، فأنت تسمع صوت حروف الميم والفاء وغيرها، ولكن يتوجب أيضًا أن تقدر على فهم معنى كلمة “مفتاح” لتنخرط في التفكير الداخلي، وهذه وظيفة مختلفة تمامًا عن مجرد سماع الأحرف.
يحمل الحديث الداخلي والحديث الخاص رؤى هامةً في فهم كلا العمليتين، وعلاقتهما بالذاكرة، وإلى آخره من الأسئلة التي تتناول الوظائف الذهنية لدينا.
في النهاية يعد صوتك الداخلي رفيقك، ما يخبرك به قد يحدد كيف تشعر ويتحكم فيما تريد، إن اتفقت مع رؤية فيجوتكسي أم لجأت إلى الوسائل التجريبية القليلة المتوفرة لدراسة هذه الظاهرة، فإلى ذاك الحين عليك تقديره ومحاولة التفاهم معه، ولعل عقلك يطيب.
المصدر: Psychological Bulletin
في عالم الكم، لم تعد قواعد الفيزياء الكلاسيكية قابلة للتطبيق. واحدة من أكثر الحالات الرائعة…
أظهرت دراسة جديدة أن المرضى يجدون الذكاء الاصطناعي أكثر تعاطفاً وتفهماً من الأطباء النفسيين وخبراء…
باتت التجارب الرقمية أكثر عمقًا وانغماسًا مع دمج الحواس البشرية في البيئات الافتراضية. ويأتي نظام…
في اكتشاف رائد، كشف باحثون من جامعة أتينيو دي مانيلا عن أدلة على وجود شكل…
درس العلماء الأسماك الغضروفية الحديثة، مثل أسماك القرش وأسماك الزلاجات. وقارنوها بنظيراتها عديمة الفك، مثل…
تحول دماغ شاب إلى زجاج منذ ما يقرب من 2000 عام، وهي ظاهرة يعتقد العلماء…