أكاديمية البحث العلمي

“شمس الصين الاصطناعية” تحطم الأرقام القياسية وتقترب من حلم الطاقة الأبدية!

في قلب مدينة “خفي” الصينية، يقبع وحش تكنولوجي يُعرف باسم “إيست”، أو المفاعل التجريبي المتقدم فائق الموصلية. هذا المفاعل، الذي يطلق عليه العلماء لقب “الشمس الاصطناعية”، ليس مجرد آلة معقدة، بل هو أمل البشرية الأخير في الحصول على طاقة نظيفة، آمنة، وغير محدودة.

في يناير 2025، أعلن العلماء الصينيون عن اختراق علمي مذهل قد يغير مجرى التاريخ؛ حيث نجح المفاعل في الحفاظ على استقرار “البلازما” (الحالة الرابعة للمادة) عند كثافات هائلة تجاوزت الحدود الفيزيائية المعروفة سابقاً. هذا الإنجاز لا يعني مجرد رقم جديد في سجلات الأرقام القياسية، بل يعني أننا أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من محاكاة العمليات التي تجري داخل النجوم لإنتاج كهرباء لا تلوث كوكبنا.

ماهية الاندماج النووي: سر طاقة النجوم

قبل الغوص في تفاصيل الإنجاز الصيني، يجب أن نفهم ما هو الاندماج النووي؟

ببساطة، هو العملية التي تعتمد عليها الشمس لإنتاج طاقتها الهائلة. بدلاً من شطر الذرات الثقيلة (كما يحدث في المفاعلات النووية الحالية التي تسمى “الانشطار النووي” وتنتج نفايات مشعة خطيرة)، يقوم الاندماج بدمج ذرتين خفيفتين (مثل الهيدروجين) لتكوين ذرة أثقل، مما يطلق كمية هائلة من الطاقة.

الميزة الكبرى هنا هي أن الاندماج النووي لا ينتج غازات دفيئة تسبب الاحتباس الحراري، ونفاياته الإشعاعية بسيطة جداً وقصيرة العمر مقارنة بالمفاعلات الحالية. إنه الحلم الذي يطارد العلماء منذ أكثر من 70 عاماً: طاقة “نظيفة” تماماً ومستدامة للأبد.

التحدي الأكبر: ترويض البلازما و”حد غرينوالد

لتحقيق الاندماج على الأرض، نحتاج لتسخين المادة إلى درجات حرارة تفوق حرارة لب الشمس بمرات عديدة، لتتحول المادة إلى حالة تسمى البلازما، وهي مزيج من الجزيئات المشحونة كهربائياً. المشكلة الكبرى هي أن البلازما مادة “عنيدة” وغير مستقرة؛ فبمجرد محاولة زيادة كثافتها (أي زيادة عدد الذرات التي تتصادم لإنتاج الطاقة)، تصبح البلازما مضطربة وتتوقف عملية الاندماج فوراً.

هذا الحاجز الفيزيائي يُعرف عالمياً باسم “حد غرينوالد” (Greenwald Limit) لسنوات طويلة، كان هذا الحد بمثابة جدار منيع؛ إذا حاولت المفاعلات تجاوزه، تنهار البلازما وتفشل التجربة. ولكن، ماذا فعل الصينيون؟

التفاصيل التقنية للاختراق الصيني

Related Post

أعلن معهد فيزياء البلازما التابع للأكاديمية الصينية للعلوم أن مفاعل “إيست” (EAST) نجح في تشغيل البلازما عند كثافة تتراوح بين 1.3 إلى 1.65 ضعف “حد غرينوالد”. هذه القفزة ليست بسيطة، فهي تعني أن المفاعل عمل بكفاءة تفوق قدرته التشغيلية المعتادة بنسبة كبيرة جداً، مع الحفاظ على استقرار تام للبلازما.

كيف حققوا ذلك؟ استخدم العلماء تقنيات تحكم متقدمة للغاية تعتمد على:

  1. التحكم في ضغط غاز الوقود الأولي: ضبط دقيق لكمية الغاز الداخلة للمفاعل.
  2. تسخين الرنين السيكلوتروني للإلكترونات: هي عملية استخدام موجات ميكروويف بترددات محددة لتسخين الإلكترونات داخل البلازما). هذه الطريقة سمحت بإنشاء حالة من “التنظيم الذاتي” بين البلازما وجدران المفاعل، مما منع الانهيار التقليدي الذي كان يحدث عند هذه الكثافات العالية.

المنافسة العالمية: الصين والولايات المتحدة

الصين ليست وحدها في هذا السباق، ولكنها الآن في الصدارة من حيث الاستدامة. في عام 2022، نجح مفاعل DIII-D في سان دييغو بالولايات المتحدة في كسر حد غرينوالد، وفي 2024 حقق باحثون في جامعة ويسكونسن-ماديسون نتائج مذهلة وصلت إلى 10 أضعاف الحد باستخدام أجهزة تجريبية. ومع ذلك، فإن ما يميز مفاعل “إيست” (EAST) الصيني هو قدرته على الحفاظ على هذه الحالة في مفاعل “توكاماك” (وهو مفاعل على شكل حلقة مفرغة يشبه “الدونات”) مصمم للتشغيل المستمر لفترات طويلة، مما يجعله أقرب للتطبيق التجاري الواقعي.

مشروع المفاعل النووي الحراري التجريبي الدولي والحلم العالمي

هذا النجاح الصيني يغذي المشروع الأكبر في تاريخ البشرية: المفاعل النووي الحراري التجريبي الدولي (ITER). وهو مشروع يشارك فيه عشرات الدول (بما في ذلك الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا) لبناء أكبر مفاعل اندماج في العالم في فرنسا. البيانات التي خرجت من مفاعل EAST ستكون “خارطة الطريق” لمفاعل ITER، الذي يُتوقع أن يبدأ في إنتاج تفاعلات اندماجية كاملة النطاق بحلول عام 2039.

هل اقتربت نهاية أزمة الطاقة؟

بصفتي أكاديمياً يتابع هذه التطورات، يجب أن نكون واقعيين بقدر حماسنا. الاندماج النووي لا يزال “علماً تجريبياً”، والمفاعلات الحالية لا تزال تستهلك طاقة لتشغيلها أكثر مما تنتجه. كما أن أزمة المناخ تتطلب حلولاً فورية اليوم، بينما قد لا نرى الاندماج النووي في منازلنا قبل عقدين أو ثلاثة عقود.

ومع ذلك، فإن ما حدث في الصين هو “برهان حي” على أن العوائق الفيزيائية التي كانت تُعتبر مستحيلة يمكن تحطيمها بالعلم والإرادة. إن “شمس الصين الاصطناعية” ليست مجرد تجربة وطنية، بل هي خطوة عملاقة للبشرية نحو مستقبل لا نضطر فيه للاختيار بين التقدم التكنولوجي وحماية كوكبنا. نحن الآن نبني الأسس لعصر جديد تماماً من الحضارة الإنسانية، عصر الطاقة الأبدية.


Author: طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير...

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 5]
طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير علمه وخدمة مجتمعه. وقد ترك بصمة واضحة في مجال العلوم الأساسية، وفتح آفاقًا جديدة للباحثين الشبان.

Share
Published by
طارق قابيل

Recent Posts

ثورة المعرفة في مصر 2025: كيف جعل بنك المعرفة المصري “اقتصاد المعرفة” حقيقة ملموسة على أرض الواقع؟

بنك المعرفة المصري يتحول إلى "منصة دولية" ويقود قاطرة البحث العلمي العربي. في قلب التحولات…

7 أيام ago

من دهاليز الجيزة إلى أعماق الفضاء.. ظواهر 2025 التي عجز العلم عن تفسيرها

أسرار عام 2025 "عام الغموض": هل اقترب البشر من فك شفرة الكون؟ لطالما اعتبر الإنسان…

أسبوعين ago

حلم “إديسون” يتحقق في 2026: ثورة نانوية في عالم البطاريات بقيادة العالم المصري “ماهر القاضي”

في لحظة فارقة من تاريخ العلم، ومع إسدال الستار على عام 2025، تصدّر مشهد الابتكار…

أسبوعين ago

البحث العلمي كقاطرة للجمهورية الجديدة: حصاد منظومة البحث العلمي والابتكار في مصر لعام 2025

مع نهاية عام 2025، يبرز البحث العلمي في مصر كأحد المحاور الرئيسية في استراتيجية التنمية…

أسبوعين ago

وداعًا لأسطورة “الحواس الخمس”: أجسادنا “مفاعلات حسية” تعمل فيها عشرات الحواس الخفية بتناغم مذهل

تخيل أنك تستيقظ في غرفتك المظلمة تماماً. دون أن تفتح عينيك، ودون أن تلمس الجدران،…

أسبوعين ago

حصاد العقول والعدسات: “نيتشر” تكشف عن الشخصيات والصور التي صاغت وجه العلم في 2025

من أعماق المحيط إلى حدود الكون: هؤلاء هم أبطال العلم لعام 2025 لم يكن عام…

3 أسابيع ago