طب

زراعة الأعضاء من اللغز المستحيل لنوبل في الطب

زراعة الأعضاء من اللغز المستحيل لنوبل في الطب

لا يخفى على أحدٍ مدى أهمية عمليات نقل ورزاعة الأعضاء كحل أخير للكثير من الحالات الميؤوس منها التي عصف المرض بأحد أعضائها فلا حل سوا التخلص منه واستبداله. في الحقيقة الوصول للأعداد الضخمة من عمليات نقل الأعضاء التى يتم إجرائها اليوم، كان طريق غاية في الصعوبة ومحفوف بالمخاطر ومات في سبيله أعداد كبيرة من المرضى نتيجة للتجارب الغير موفقة. لكن بدايةً من مننتصف القرن الماضي بدأت الأمور في التغير، وفرصة نجاح تلك العمليات أصبحت في تزايد مستمر، وقد جذب البحث في ذلك المجال انتباه جائزة نوبل أكثر من مرة كان من أعظمهم نوبل 1990 من نصيب كلاً من «جوزيف موراي-Joseph Murray» و«دونال توماس-Donnall Thomas»؛ فقد أحدث كلاً منهما ثورة في عالم الطب ونقل الأعضاء. قبل الحديث عنهما وجب التعرف على مزيد من التفاصيل حول عملية نقل الأعضاء.

زراعة الأعضاء على المستوى الجزيئي:

كل فرد في الدولة يمتلك ما يثبت هويته المتمثل في بطاقة أو رخصة قيادة، وفي أثناء مرورك بنقطة تفتيش مثلاً تتفحصها الشرطة حتى تسمح لك بالمرور دون غرامات أو عقوبات. الأمر مشابه لخلايا جسمك بالضبط؛ فخلايا الجسم تمتلك على سطحها مركبات معينة يتعرف عليها جهاز المناعة حتى لا يقوم بمهاجمة خلايا الجسم. تلك المركبات تختلف بشكل كبير للغاية من شخصٍ لآخر؛ حيث أن الجين المسؤول عن ذلك البروتين يعبر عن أحماض أمينية متباينه من فردٍ لآخر. ويطلق على ذلك المركب اسم «MHC». في حالة نقل الأعضاء بين شخصين مختلفين جينياً تتعرف خلايا المناعة، والأجسام المضادة على تلك المركبات فتجدها غريبة عن الجسم، فتبدأ بالهجوم على العضو بقوة بشتى الطرق مثل قطع وصول الدم إليه، أو مواجهة الخلايا بشكلٍ مباشر. وبعد فترة يتسبب جهاز المناعة في تليف العضو الجديد وموته، تختلف تلك الفترة بحسب نشاط جهاز المناعة للشخص المستقبل للعضو ومدى الاختلاف الجيني بينه وبين المتبرع؛ فكلما اقتربا من بعضهما جينياً كلما كان الوضع أفضل، ويقل نشاط الجهاز المناعي حتى يصل للتسامح التام مع العضو الجديد كما هو الحال في التوأم المتطابق. فلو أردنا حل تلك المشكلة سنهتم بأمرين: الأول أن يكون كلاً من المتبرع والمستقبل متقاربين جينياً بالتالي متقاربين في تركيب مركب «MHC»، الثاني أن يتم تثبيط المناعة حتى لا ترفض العضو الجديد.

اجتهد عدد كبير من الأطباء لحل تلك المتطلبات بدايةً من «الكسيس كاريل-Alexis Karel» الحائز على نوبل في الطب عام 1912؛ نتجية لاسهاماته الكبيرة في وضع طُرق لتخييط الأوعية الدموية الأمر البالغ الأهمية في عالم الجراحة، وكذلك ساهم في معرفة العديد من المبادئ الهامة الخاصة بعملية نقل الأعضاء؛ فقد اكتشف وجود قوة رد فعل تحارب الأعضاء الجديدة وتتسبب في موتها، وأطلق عليها اسم «القوة الحيوية-biological force». تلك القوة التي عمل كلاً من جوزيف موراي ودونال توماس على التغلب عليها.

«الكسيس كاريل-Alexis Karel»

رحلة الخمسة وعشرون عام في زراعة الكلية:

من عام 1951 حتى عام 1976، قام جوزيف موراي وفريقه بدراسة زراعة الكلية حيث قاموا بزراعة كلى ل589 مريض ترواحت أعمارهم من 8 سنوات إلى 82 سنة. كانت أكثرهم نجاحاً ما تمت على سبع أزواج من التوائم المتماثلة حيث كانت صاحبة أكبر معدل نجاة فمنهم من عاش عشرات السنين، وأنجب أطفالاً. مما يدل أن رفض الأعضاء يكون أقل ما يمكن بين التوائم نتيجة لتقاربهم الجيني. وقد درس موراي الطرق المختلفة لتثبيط المناعة حتى لا تتسبب في قتل العضو. ذلك عن طريق تعريض المرضى لكمية كبيرة من أشعة X، ولكن ذلك الأسلوب لم يكن نجاحه كافٍ، فتعاون مع فريق من الباحثين لمعرفة دواء فعال مثبط للمناعة، وذلك من خلال تجاربهم على الكلاب. بناءاً عليه توصولوا لدواء «6-ميركابتوبورين-6-mercaptopurine» وهو دواء يستخدم في محاربة السرطان؛ لقدرته على تعطيل تصنيع بعض القواعد النيتروجينية التي تدخل في تركيب الحمض النووي للخلية بشكلٍ أساسي. أما في حالة تثبيط المناعة فذلك الدواء يسبب قتل «الخلايا المناعية التائية-T cells» -خلايا أساسية للغاية في رد الفعل المناعي- وقد تم تطوير نوع أقل سُمية منه في تلك الأثناء يسمى «الآزوثيوبرين-azathioprine» الذي كان فعال بشكلٍ كبير عند استخدامه في حالة نقل الأعضاء. ويصادف في تلك الفترة تطوير عقار الكورتيزون المثبط للمناعة، والذي تفائل به موراي وفريقه لاتسخدامه في نقل الأعضاء. وقد كشفت أبحاثه أيضاً على العديد من المشاكل المترتبة على نقل الأعضاء، وكذلك العديد من التحذيرات يستنير بها المتخصصون، حيث أنه نتجية لتثبيط المناعة ستزداد في المقابل فرصة الإصابة بالسرطان. هذا ما حدث في أكثر من حالة خاصةً إذا كان مصدر العضو شخص ميت بالسرطان حتى لو لم ينتقل السرطان إلى ذلك العضو، لذلك يظل المصدر المصاب بالسرطان غير مفضل على الإطلاق. وكذلك تزداد نسبة إصابة الشخص بالعدوى فتتحول بعض الفطريات والفيروسات والبكتيريا من حالة الضعف في الأشخاص الطبيعين إلى حالة أكثر قوة بكثير في حالة نقل الأعضاء.

دونالد توماس وزراعة نخاع العظم:

قام دونالد توماس بعدد من عمليات زراعة نخاع العظام -العضو المسؤوول عن تصنيع جميع أنواع خلايا الدم- وكان الكثير منها ناجح، ولكن الأهم أنه ترك منهجاً كاملاً للمتخصصين في كيفية تجهيز مستقبلين نخاع العظام عن طريق الإشعاع، أوباستخدام الأدوية المناسبة وكيفية التعامل معهم طبياً بعد زراعة نخاع العظام. وكانت المشكلة الكبرى والمميزة في زراعة نخاع العظام هي إمكانية مهاجمة خلايا المستقبل من قِبل خلايا نخاع العظام، يحدث ذلك في حالة احتواء نخاع العظام الذي تم زراعته على خلايا مناعية ناضجة خاصةً من نوع الخلايا التائية، وتكون مناعة الشخص المتسقبِل لنخاع العظام ضعيفة بحيث لا يستطيع قتل تلك الخلايا، فعند تعرض الخلايا التائية للمتبرع لخلايا المضيف سيتم تنشيطها وزيادة عددها للقضاء على خلايا المُضيف وإصابته بالمرض. وقد وضع توماس في أبحاثه خريطة لتشخيص تلك الحالة، وكيفية تفاديها باستخدام عقار «methotrexate-ميثوتريكسات» وهو عقار غالباً ما يتم استخدامه في مكافحة السرطان حيث أنه يمنع عمل الكثير من الإنزيمات المسؤولة عن تصنيع الحمض النووي. بذلك يمنع انقسام الخلايا الأمر المهم لتقدم السرطان كما هو مهم لزيادة عدد الخلايا المناعية أثناء الالتهابات بذلك هو سبيل للتعامل مع الحالة الماثلة أمامنا. وفي السنين الأخيرة يعتمد تفادي ذلك المرض على القضاء على الخلايا التائية في نخاع العظام باستخدام الأجسام المضادة.

وبذلك وعلى مدار عقودٍ طويلة تم تطوير طُرق قوية وفعالة لنقل الأعضاء والحفاظ عليها سليمة حتى أصبحت منتشرة في أرجاء المعمورة.

مصادر(زراعة الأعضاء من اللغز المستحيل لنوبل في الطب):

Nobel 1912

Related Post

Nobel 1990

NCBI

azathioprine drug bank

the new England Journal of medicine

Methotrexate drug bank

NCBI graft versus host disease

أقرأ المزيد:

علاج السرطان بالمناعة، من الحُلم إلى نوبل في الطب

Author: Ahmed Khatab

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
Ahmed Khatab

View Comments

Share
Published by
Ahmed Khatab

Recent Posts

حلم “إديسون” يتحقق في 2026: ثورة نانوية في عالم البطاريات بقيادة العالم المصري “ماهر القاضي”

في لحظة فارقة من تاريخ العلم، ومع إسدال الستار على عام 2025، تصدّر مشهد الابتكار…

3 ساعات ago

البحث العلمي كقاطرة للجمهورية الجديدة: حصاد منظومة البحث العلمي والابتكار في مصر لعام 2025

مع نهاية عام 2025، يبرز البحث العلمي في مصر كأحد المحاور الرئيسية في استراتيجية التنمية…

3 أيام ago

وداعًا لأسطورة “الحواس الخمس”: أجسادنا “مفاعلات حسية” تعمل فيها عشرات الحواس الخفية بتناغم مذهل

تخيل أنك تستيقظ في غرفتك المظلمة تماماً. دون أن تفتح عينيك، ودون أن تلمس الجدران،…

6 أيام ago

حصاد العقول والعدسات: “نيتشر” تكشف عن الشخصيات والصور التي صاغت وجه العلم في 2025

من أعماق المحيط إلى حدود الكون: هؤلاء هم أبطال العلم لعام 2025 لم يكن عام…

أسبوع واحد ago

على خطى الاستدامة.. “علوم القاهرة” ترسم خارطة الطريق نحو “الحرم الجامعي الأخضر” وتفك شفرة “البصمة الكربونية”

في ظل تسارع وتيرة التغيرات المناخية التي تعصف بكوكبنا الأزرق، لم يعد دور المؤسسات الأكاديمية…

أسبوع واحد ago

عيد العلم المصري: من “ريشة جحوتي” المقدسة إلى منارات العلم الحديث

في الحادي والعشرين من ديسمبر، لا تحتفل مصر بمجرد مناسبة عابرة، بل تستحضر روح هويتها…

أسبوعين ago