
بصمة الحشرات الشرعية: كيف كشف علماء جامعة القاهرة “شفرة المورفين” في جرائم القتل؟
في الصمت المهيب الذي يلف مسرح الجريمة، حيث ينقطع النفس وتتوقف نبضات القلوب، تبدأ لغة أخرى في التشكل؛ لغة لا تفهمها الآذان، بل تقرأها العقول المتسلحة بمشارط العلم. هناك، فوق الأجساد التي غادرتها الأرواح، تحط “رسل الطبيعة” الصغيرة، تلك اليرقات والذباب التي لطالما اعتبرها العابرون رمزاً للفناء، لكنها في عرف “الطب الشرعي” ليست سوى شهودٍ عدول، يحملون في أحشائهم الدقيقة الأسرار التي حاول الجناة وأدها مع الضحايا.
وفي عوالم الجريمة الغامضة، حيث يصمت البشر وتتلاشى الأدلة التقليدية تحت وطأة الزمن وتحلل الأجساد، تبرز كائنات دقيقة لتؤدي دور “الشاهد الملك”. لم تعد الحشرات مجرد زوار عابرين لمسرح الجريمة، بل أصبحت مخازن بيولوجية حية تحفظ أسرار الضحايا. وفي إنجاز علمي دولي يعزز مكانة البحث العلمي المصري، نجح فريق بحثي رفيع المستوى من كلية العلوم بجامعة القاهرة في فك واحدة من أعقد شفرات “علم السموم الحشري الشرعي” (Forensic Entomotoxicology). إن هذا الكشف العلمي الجديد المنبثق من أروقة كلية العلوم بجامعة القاهرة، ليس مجرد دراسة عن الحشرات، بل هو ملحمة بيولوجية تستنطق “الأدلة الصامتة” لتكشف زيف التوقيتات وتفضح ألاعيب السموم. إنه الانتصار المدوي للحقيقة في وجه الغموض، حيث تتحول اليرقة إلى “ساعة زمنية” فائقة الدقة، والشرنقة إلى “خزينة أسرار” كيميائية لا يمحوها الزمن ولا يطويها التحلل. نحن هنا أمام مشهدٍ مهيب، يبرهن فيه العلم المصري أن أدق المخلوقات قد تكون هي المفتاح الأوحد لفك شفرات أعقد الجرائم، حمايةً للأبرياء، وإحقاقاً لعدالةٍ سماوية تُطبق بأيدي العلماء على الأرض. هذا البحث، الذي نُشر في أرقى الدوريات العالمية، لا يقدم مجرد دراسة نظرية، بل يضع أداة حاسمة في يد القضاء والطب الشرعي، تمنع تضليل العدالة وتكشف كيف يمكن لجرعة مخدر (مثل المورفين) أن “تخدع” المحققين عبر التلاعب بنمو الحشرات، مما يؤدي لخطأ في تقدير لحظة الوفاة قد يصل إلى ساعات طويلة.
رحلة البحث من المختبر إلى منصة القضاء
يُعرف علم السموم الحشري الشرعي بأنه العلم الذي يدرس كيفية انتقال السموم والعقاقير من جثة المتوفى إلى الحشرات التي تتغذى عليها. وبحسب الدراسة الصادرة عن جامعة القاهرة، فإن الحشرات، وخاصة اليرقات (الدود الصغير الذي يخرج من بيض الذباب)، تعمل كإسفنجة تمتص المواد الكيميائية الموجودة في أنسجة الضحية.
تكمن أهمية هذا العلم في الحالات التي تكون فيها الجثة قد وصلت لمرحلة متقدمة من التحلل، حيث يصعب على الطبيب الشرعي سحب عينات دم أو بول لتحليل السموم. هنا، تصبح اليرقة هي “المختبر المتنقل” الذي يحمل الدليل.
“الذبابة الزرقاء”.. البطلة في مسرح الجريمة
ركز الفريق البحثي المصري على نوع شهير من الذباب يسمى “الذبابة الزرقاء“ (الاسم العلمي: Chrysomya megacephala). هذا النوع هو أول من يصل إلى الجثة، وغالباً ما يصل في غضون دقائق من الوفاة. قام الفريق بدراسة تأثير “المورفين“ (Morphine) -وهو مخدر قوي مشتق من الأفيون- على دورة حياة هذه الحشرة. والمورفين ليس مجرد دواء مسكن، بل هو مادة يكثر وجودها في حالات الوفاة الناتجة عن جرعات زائدة أو جرائم التسميم.
الفخ الزمني: كيف يضلل المورفين المحققين؟
أثبتت نتائج الدراسة، التي قادها نخبة من الأساتذة بقسمي “البيوتكنولوجي” و”علم الحشرات”، أن وجود المورفين في جسم الضحية يؤدي إلى:
- تأخير نمو اليرقات: المورفين يبطئ من سرعة نمو يرقات الذبابة الزرقاء بشكل ملحوظ.
- خطأ في تقدير زمن الوفاة: هذا التأخير قد يقود خبير الطب الشرعي إلى الاعتقاد بأن الوفاة حدثت في وقت أحدث مما هي عليه في الواقع، بفارق زمني يصل إلى 16 ساعة.
- تغيرات مورفولوجية (شكلية): رصدت الدراسة تغيرات دقيقة في أطوال وأوزان اليرقات، مما يضع معايير جديدة للحسابات الرياضية المستخدمة لتقدير عمر الجثة.
ملاحظة هامة: إن فارق الـ 16 ساعة في التحقيقات الجنائية قد يقلب موازين القضية تماماً؛ فقد يوفر “حجة غياب” كاذبة للمجرم، أو يلقي بالتهمة على شخص بريء لم يكن موجوداً في ذلك التوقيت.
اليرقات.. مخازن السموم التي لا تفنى
من المذهل علمياً ما توصل إليه البحث بأن أغلفة العذارى (الشرنقة أو الغطاء الصلب الذي تخرج منه الذبابة الكاملة) تظل محتفظة بآثار المورفين بداخلها. هذا يعني أنه حتى لو طار الذباب وغادر مسرح الجريمة ولم يتبقَ سوى القشور الجافة، يمكن للعلماء تحليل هذه القشور ومعرفة ما إذا كان المتوفى قد تعاطى السموم قبل موته.
جسر المعرفة نحو المجتمع
أوضح الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، أن هذا البحث يجسد مفهوم “العلم في خدمة المجتمع”. فالجامعة لا تكتفي بالبحث النظري، بل تسعى لربط النتائج باحتياجات منظومة العدالة في مصر والعالم. ومن جانبه، أشارت الأستاذة الدكتورة سهير رمضان فهمي، عميدة كلية العلوم، إلى أن ريادة الكلية تأتي من قدرتها على مزج العلوم الأساسية (مثل علم الحشرات) مع التطبيقات الجنائية المعاصرة، مما يضع حلولاً لمشكلات تقنية تواجه المحققين.
ولا يمكننا قراءة هذا الإنجاز بمعزل عن الحاضنة التي أظهرته للنور؛ وهي مبادرة “إضاءات بحثية“ التي أطلقتها كلية العلوم بجامعة القاهرة. إن هذه المبادرة تمثل ثورة في مفهوم “التسويق العلمي” والمسؤولية المجتمعية للجامعة، حيث نجحت في:
- تحطيم الجدران العاجية: عبر نقل الأبحاث من رفوف المكتبات المغلقة إلى فضاء التطبيق العملي والمجتمعي.
- دعم منظومة العدالة: بتحويل النتائج المختبرية إلى أدوات ملموسة يستفيد منها القاضي والمحقق وخبير الطب الشرعي.
- تعزيز الثقة الوطنية: من خلال تسليط الضوء على الكوادر المصرية التي تنافس في المجلات الدولية الرفيعة (Q1)، مما يرفع من تصنيف الجامعة ويعيد صياغة صورة العالم المصري كقائد للتنوير.
إن “إضاءات بحثية” هي رسالة طمأنة للمجتمع بأن البحث العلمي في مصر ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو سلاح فعال في معارك التنمية والعدالة وحماية الإنسان.
العلم.. الميزان الذي لا يميل
إن هذا الإنجاز الذي حققه الفريق البحثي (د. عبير محسن، أ.د. السيد شورب، د. مصطفى سليمان، أ.د. عمرو عبد السميع، أ.د. يحيى النجار، ود. إيمان زاهر) يمثل حجر زاوية في بناء قاعدة بيانات وطنية للأدلة الجنائية الحيوية. إن “علم السموم الحشري” لم يعد رفاهية علمية، بل هو ضرورة لتحقيق عدالة ناجزة لا تترك مجالاً للشك. جامعة القاهرة، عبر “إضاءاتها البحثية”، تثبت يوماً بعد يوم أن المعامل المصرية قادرة على صياغة مستقبل أكثر أماناً وعدلاً.
ويظل هذا البحث العلمي علامة فارقة في مسيرة “علم السموم الحشري” على مستوى العالم، وتذكيراً بأن الحقيقة لا تموت بالتقادم أو بالتستر. إن نجاح الفريق البحثي في كشف تأثير “المورفين” على نمو يرقات “الذبابة الزرقاء” يغلق ثغرة قانونية وزمنية كادت أن تضلل مسارات العدالة لسنوات طويلة.
لقد أثبتت جامعة القاهرة، بأساتذتها وباحثيها، أننا نمتلك “بصمة علمية” لا تقل دقة عن بصمة الأصابع. إن الحشرة التي كانت تُعامل كدليل ثانوي، باتت اليوم هي “الشاهد الملك” الذي يستطيع إعادة كتابة سيناريو الجريمة بدقة الساعات والدقائق. وبينما تظل أجساد الضحايا في صمتها، تبقى هذه الأبحاث صوتاً للحق لا ينقطع، ومنارةً تهدي المحققين وسط ظلمات الغموض. إنها دعوة للفخر، وخطوة عملاقة نحو مستقبل ترتكز فيه العدالة على أسس علمية صلبة، تليق بمكانة مصر وتاريخها العريق في صون الحقوق وإعلاء كلمة العلم.
سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.
التعليقات :