Ad

بقلم: د. طارق قابيل

في أروقة الجامعات العريقة ومراكز الأبحاث الدولية، اعتدنا على صورة نمطية للعالم: شخص جاد، يرتدي معطفاً أبيض، غارق في معادلات معقدة وأبحاث مصيرية. ولكن، هل فكرت يوماً لماذا نمنح “قدسية” لأبحاث الفضاء والسرطان، بينما نسخر من عالم يقضي سنوات في دراسة الطريقة التي تمشي بها الحشرات أو شكل فضلات الحيوان؟

بين صرامة المختبرات وجدية المعادلات، تطل علينا “جوائز إيج نوبل” (Ig Nobel Prizes) – وهي الجوائز التي تُمنح للأبحاث التي “تجعل الناس يضحكون أولاً، ثم تجعلهم يفكرون ثانياً”.

كطيفٍ ضاحك، يكسر حدة الوقار العلمي المعهود. إنها دعوة مفتوحة للدهشة، حيث لا يكتفي العلم بأن يكون مفيداً، بل يصر على أن يكون ممتعاً ومثيراً للتساؤل. تخيل معي عالماً يرفض أن يحبس نفسه في أطر التوقعات، فيبحث في “ديناميكا سوائل فضلات الحيوانات” بذات الشغف الذي يبحث به في “ثقوب الفضاء السوداء”. إننا هنا لا نسخر من العلم، بل نحتفي بجانبه الإنساني الأكثر حيوية: الفضول الذي لا يعرف القيود، والضحكة التي تسبق التفكير العميق. في السطور التالية، نبحر في فلسفة “العلم الجامح” لنكتشف أن الحقيقة قد تختبئ أحياناً خلف طرفة عابرة.

لا يمكن الحديث عن “جوائز إيج نوبل” (التي تُعرف عربياً بجوائز نوبل للحماقة العلمية أو الابتكار الغريب) في الصحافة العلمية العربية، دون المرور بمحطات الدكتور طارق قابيل (كاتب المقال) بصفته أكاديمياً وكاتباً علمياً مرموقاً، كان من أوائل الذين التفتوا إلى أهمية هذه الجوائز في “أنسنة العلم” وتقريبه للجمهور العربي وكتب عدة مقالات عن هذه الجوائز.

من خلال مقالاته المتعددة في صحف ومجلات رائدة مثل (الجزيرة، والشرق الأوسط، ومجلة أسيا وأفريقيا وغيرها)، استعرض د. قابيل قصصاً علمية مذهلة، منها:

  • تشريح الضحك العلمي: نجح د. قابيل في شرح أن الجائزة ليست “إهانة” بل “إشادة” بالقدرة على الابتكار خارج الصندوق.
  • تحليل الفائزين العرب: توثيقه للمشاركات العربية القليلة والمميزة في هذه الجوائز، مثل بحث “تأثير ارتداء سراويل البوليستر على الصحة الإنجابية” للراحل د. أحمد شفيق.
  • الربط بين الفكاهة والمنهجية: تميزت كتاباته بقدرة فائقة على تبسيط المصطلحات المعقدة، فكان يشرح “الفيزياء الحيوية” من خلال دراسة “لماذا يسقط الخبز المدهون بالزبدة دائماً على الجانب المدهون؟”.

لقد مهدت مقالات د. طارق قابيل الطريق لظهور كتب مثل كتاب “جامحون”، حيث جعل القارئ العربي يتقبل فكرة أن العلم قد يكون “مضحكاً” لكنه يظل “علماً رصيناً” يخضع لمراجعة الأقران.

البحث عن الحقيقة في الأماكن غير المتوقعة

من خلال كتاب الباحثة أوباسانا ساراجو “جامحون: جوائز إيج نوبل والعلم الذي يرفض الانصياع، تحاول ساراجو تفكيك الهياكل الطبقية في العلم.

بدأت رحلة “ساراجو” من تساؤل بسيط ولكنه عميق: ما الذي يجعل دراسة معينة تستحق التمويل والاحترام، بينما توصف أخرى بأنها تافهة؟

توضح ساراجو أن المجتمع العلمي، كأي مجتمع بشري، يخضع لضغوط “القبول الاجتماعي”. نحن نميل لتمجيد الأبحاث التي تبدو “عظيمة” في نظر العامة، بينما نتجاهل الأبحاث التي تتناول تفاصيل الحياة اليومية الغريبة. ولكن، كما تبيّن الجائزة، فإن الضحك هو مجرد وسيلة لجذب الانتباه إلى حقيقة علمية صلبة قد تغير نظرتنا للعالم.

بدأت فكرة الكتاب كواجب دراسي بسيط في برنامج الكتابة العلمية بجامعة “جونز هوبكنز”، التقت ساراجو بمؤسس الجائزة “مارك أبراهامز”، ووجدت نفسها أمام كم هائل من المعلومات التي لا يتسع لها مقال صحفي قصير. وبعد سنوات، ومن خلال زمالة “الهند للكتاب العلمي”، قررت ساراجو تحويل هذه الملاحظات إلى رحلة استقصائية. أجرت مقابلات مع عشرات العلماء الفائزين بجوائز إيج نوبل، والذين غالباً ما يكونون علماء مرموقين في تخصصاتهم (بالمناسبة، بعضهم حصل لاحقاً على جائزة نوبل الحقيقية!)، لتثبت أن “الغرابة” ليست مرادفاً لـ “عدم الكفاءة”.

موازين القوة: من يقرر ما هو “علم حقيقي”؟

في متن كتابها، تثير ساراجو قضية “السلطة العلمية“. نحن كبشر نميل إلى تصديق أصحاب المناصب الرفيعة ونعتبرهم أكثر ذكاءً منا لمجرد مكانتهم. هذا “الميل للانتماء” يمنعنا أحياناً من التفكير بشكل مستقل في قيمة البحث العلمي بعيداً عن بريقه الإعلامي.

تؤكد ساراجو أن:

“بمجرد أن تدرك ميولك في تصنيف العلوم إلى (هام وصحيح) مقابل (تافه وغير جاد)، تصبح أكثر قدرة على التحرر من هذه القوالب الجاهزة وفهم العلم بعمق أكبر”.

5 أبحاث “غيرت العالم” بضحكة: مختارات علمية بروح “قابيلية

لغز “الخبز المدهون بالزبدة” (الفيزياء التطبيقية)

البحث: هل يسقط الخبز المحمص دائماً على الجانب المدهون بالزبدة؟

التحليل العلمي: قد يبدو سؤالاً من وحي السخف، لكن العلماء درسوا ديناميكا السقوط، وتأثير ارتفاع الطاولة، والجاذبية الأرضية، ومقاومة الهواء.

الخلاصة: اكتشف العلماء أن الأمر ليس “سوء حظ”، بل هو نتيجة لقوانين الفيزياء؛ حيث أن الارتفاع التقليدي للطاولات لا يسمح للخبزة بإتمام “دورة كاملة” قبل الارتطام بالأرض، مما يجعل الجانب المدهون هو الذي يلامس السطح غالباً.

أثر “تأثير السراويل” على الخصوبة (الطب)

البحث: دراسة تأثير خامات السراويل (البوليستر مقابل القطن) على الوظائف التناسلية.

التحليل العلمي: أجرى العالم الراحل د. أحمد شفيق (ممثل العلم المصري في هذه الجوائز) دراسة دقيقة حول درجات الحرارة والكهرباء الساكنة الناتجة عن الألياف الصناعية.

الخلاصة: أثبت البحث أن الملابس المصنوعة من مواد اصطناعية قد تؤثر سلباً على الأداء البيولوجي بفعل الحرارة المكتسبة، وهو درس في أهمية “الراحة الحرارية” لأعضاء الجسم.

سيمفونية “بحر البقر” (علم الحيوان)

البحث: هل تدر الحوافر (الأبقار) حليباً أكثر إذا أطلقنا عليها موسيقى كلاسيكية؟

التحليل العلمي: بحث في تأثير الترددات الصوتية والموسيقى (الهرمونات والنشاط العصبي لدى الثدييات).

الخلاصة: تبين أن الحالة النفسية للحيوان تؤثر على إنتاجيته. “الهدوء” الناتج عن الموسيقى يقلل مستويات التوتر (الكورتيزول)، مما يؤدي لزيادة تدفق الحليب. العلم هنا يخبرنا أن السعادة “مربحة” اقتصادياً.

سر “الثقوب السوداء” في السرة (علم الأحياء الدقيقة)

البحث: تحليل التنوع البيولوجي للبكتيريا في سرة الإنسان.

التحليل العلمي: دراسة “الميكروبيوم” (الجراثيم النافعة والضارة) في أماكن غير مطروقة في جسد الإنسان.

الخلاصة: وجد الباحثون أن السرة تمثل “نظاماً بيئياً” فريداً يحتوي على مئات الأنواع من البكتيريا، بعضها لم يُكتشف من قبل. هذا البحث فتح الباب لفهم كيف نحمي أجسامنا من البكتيريا الضارة عبر الحفاظ على التوازن الطبيعي.

حقيقة “المشي على الماء” (الفيزياء)

البحث: دراسة ما إذا كان الإنسان قادراً على المشي على سطح بركة مائية إذا كانت الجاذبية أقل (مثل جاذبية القمر).

التحليل العلمي: بحث في فيزياء السوائل والتوتر السطحي مقابل وزن الجسم.

الخلاصة: بينما لا يستطيع البشر فعل ذلك على الأرض، أكد الحساب الفيزيائي أن التناغم بين سرعة الخطوات والجاذبية المنخفضة قد يجعل هذا “المعجزات” ممكنة علمياً، مما يمهد لفهم أعمق لحركة الكائنات في بيئات فضائية مختلفة.

    لماذا نهتم بهذه الأبحاث؟ (رؤية أكاديمية)

    كما كان يكرر دائماً د. طارق قابيل في مقالاته العلمية، فإن الهدف من هذه الجوائز ليس الاستهزاء بالعلم، بل “إزالة الهالة المقدسة والمملة عن المنهج العلمي. إنها تعلمنا ثلاثة دروس رئيسية:

    1. الشجاعة: لا تخشَ البحث في موضوع يبدو “غريباً”.
    2. الدقة: حتى “الخبز المدهون بالزبدة” يحتاج لمنهجية صارمة للوصول للحقيقة.
    3. التواضع: العلم ليس دائماً عن “القنبلة الذرية” أو “الذكاء الاصطناعي”؛ أحياناً يكون العلم عن “لماذا تحك السرة؟”.

    العلم للجميع وليس للنخبة فقط

    إن رسالة أوباسانا ساراجو في كتابها هي بمثابة “رسالة حب من مفكر عادي إلى العلم الغريب والعلماء الأكثر غرابة”. إنها دعوة لنا جميعاً لنتصالح مع فضولنا الفطري، وألا نخجل من طرح الأسئلة التي قد تبدو مضحكة في البداية. فالعلم الذي “يرفض الانصياع” هو غالباً العلم الذي يفتح آفاقاً لم نكن نتخيل وجودها.

    إن الصحة العامة والوعي المجتمعي لا يرتبطان فقط بمعرفة الأدوية واللقاحات، بل بفهم “المنهج العلمي” الذي يقوم على التساؤل المستمر، مهما كان موضوع السؤال يبدو بسيطاً.

    العلم بوصفه مغامرة إنسانية مستمرة

    في ختام جولاتنا بين دفتي كتاب “أوباسانا ساراجو” وتاريخ جوائز “إيج نوبل” الحافل، ندرك أن التمييز بين “علم مهم” و”علم تافه” هو في الغالب تمييز نابع من أحكامنا المسبقة، وليس من قيمة المعرفة في حد ذاتها. إن العلم الحقيقي هو ذلك الذي يمتلك الشجاعة ليطرح أسئلة “غبية” ليصل إلى إجابات “عبقرية”.

    إن دعوة ساراجو في كتابها، ومن قبلها جهود أساتذة مثل د. طارق قابيل، هي دعوة للتحرر من “هيبة العلم” التي قد تتحول أحياناً إلى جدار يعزل الجمهور عن المعرفة. إننا نحتاج إلى هذا النوع من العلم الذي يلمس حياتنا اليومية، ويشرح لنا ظواهرنا البسيطة، ويذكرنا بأن المختبر ليس معبداً مهجوراً، بل هو ساحة للعب والبحث والاكتشاف.

    ليكن هذا التقرير نافذةً لكم، لتقرأوا العالم بعيونٍ فضولية، لا تخشى الضحك، ولا تتوقف عن التفكير. فالعلم الذي يبدأ بابتسامة، هو العلم الذي يبقى أثره في القلوب والعقول طويلاً.

    المصادر:

    طارق قابيل
    Author: طارق قابيل

    يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير...

    اضغط هنا لتقييم التقرير
    [Average: 0]

    سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


    أكاديمية البحث العلمي

    User Avatar

    د. طارق قابيل

    يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير علمه وخدمة مجتمعه. وقد ترك بصمة واضحة في مجال العلوم الأساسية، وفتح آفاقًا جديدة للباحثين الشبان.


    عدد مقالات الكاتب : 152
    الملف الشخصي للكاتب :

    التالي

    مقالات مقترحة

    التعليقات :

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *