أكاديمية البحث العلمي

ثورة في عالم الحيوان: البقرة “فيرونيكا” النمساوية قلبت الموازين العلمية وأدهشت باحثي الأحياء الإدراكية

هل الأبقار أذكى مما نعتقد؟ دراسة حديثة تكشف سلوكاً “عبقرياً” لبقرة تستخدم الأدوات كالبشر.

لطالما ساد اعتقاد قديم راسخ في الوعي الجمعي، وربما العلمي لفترة طويلة، بأن الماشية كائنات بسيطة الإدراك، تقتصر حياتها على الرعي والاجترار، عاجزة عن القيام بمهام معرفية معقدة مثل استخدام الأدوات. فهل تساءلت يوماً عما يدور في عقول تلك الكائنات الصامتة التي نراها تجتر طعامها بلامبالاة في الحقول؟

لقرون طويلة، نصب الجنس البشري نفسه “سيداً للذكاء”، محتكراً ميزة “استخدام الأدوات” كدليل قاطع على تفرده وتطوره، ومانحاً الحيوانات -وخاصة الماشية- حكماً قاسياً ومسبقاً بالبساطة ومحدودية الإدراك. اليوم، ندعوك لنسف تلك القناعات القديمة. بطلة قصتنا ليست عالماً في مختبر، ولا ربيباً متطوراً كالشمبانزي، بل هي “فيرونيكا؛ بقرة سويسرية كسرت حاجز الصمت، وأذهلت علماء الأحياء الإدراكية بسلوك عبقري قلب الموازين.

كنا نظن أننا نعرف كل شيء عن حدود عالم الحيوان، لكن يبدو أن الطبيعة كانت تخبئ لنا مفاجأة من العيار الثقيل في مزرعة نمساوية هادئة. ففي سابقة علمية فريدة، تمكنت بقرة سويسرية بنية اللون تُدعى “فيرونيكا” من تحطيم هذه الصورة النمطية، مقدمة دليلاً دامغاً على امتلاك الأبقار لقدرات إدراكية تتجاوز توقعاتنا بكثير. هذا السلوك المبتكر لم يكن مجرد صدفة، بل ظاهرة موثقة علمياً فتحت الباب واسعاً لإعادة تقييم “الذكاء الحيواني”.

“فيرونيكا” لم تكتفِ بالعيش كحيوان مزرعة، بل قررت أن تمسك بزمام الأمور -أو بالأحرى بفرشاة التنظيف- لتثبت للعالم أن خلف تلك العيون الهادئة عقلاً يحلل، يبتكر، ويستخدم الأدوات ببراعة لا تقل عن ذكاء الأطفال الصغار. استعد لتغيير نظرتك جذرياً للماشية، في رحلة علمية تكشف لنا أننا، ربما، لم نكن نراقب جيداً بما فيه الكفاية!

ملاحظة ذكية من مزارع شغوف

بدأت الحكاية في مزرعة صغيرة بالنمسا، حيث لاحظ المزارع والخباز العضوي “فيتغار فيغل” سلوكاً غير اعتيادي لإحدى أبقاره المدللة “فيرونيكا”. لم تكتفِ هذه البقرة بانتظار العناية البشرية، بل بادرت باستخدام فرشاة طويلة كأداة لحك مناطق معينة من جسدها يصعب الوصول إليها. لم يكن هذا السلوك وليد اللحظة، فقد رصده “فيغل” لأول مرة قبل عقد من الزمان، لكن توثيقه مؤخراً بمقطع فيديو هو ما لفت أنظار المجتمع العلمي الدولي، وتحديداً المتخصصين في “الأحياء الإدراكية”.

اختبار الذكاء

انتقل الفيديو من مجرد طريفة ريفية إلى مادة بحثية دسمة عندما وصل إلى الدكتورة أليس أويرسبيرغ  والدكتور أنطونيو أوسونا-ماسكارو، الباحثين في “معهد ميسيرلي” بجامعة الطب البيطري في فيينا. سافر الفريق البحثي خصيصاً للقاء “فيرونيكا” وإخضاعها لسلسلة من الاختبارات السلوكية المقننة. وفي الدراسة التي نُشرت في الدورية العلمية المرموقة Current Biology، وضع العلماء “فرشاة تنظيف أرضيات” عادية على الأرض أمام البقرة، وبدأوا في تسجيل وتحليل تفاعلها معها.

أظهرت النتائج ما يلي:

  • الاستخدام الهادف: لم تكن “فيرونيكا” تلعب بالفرشاة عشوائياً، بل حملتها بفمها بدقة ووجهتها نحو أجزاء محددة من جسدها.
  • المرونة الإدراكية : أثبتت البقرة قدرة مذهلة على التمييز؛ حيث استخدمت الطرف الخشن من الفرشاة لحك المناطق ذات الجلد السميك مثل الظهر، بينما قلبت الأداة بمهارة لتستخدم الطرف الأملس (المقبض) عند حك المناطق الحساسة في أسفل الجسم.
  • التحكم الحركي: كيفت “فيرونيكا” قوة الحركة بناءً على المنطقة المستهدفة؛ حركات قوية وواسعة للظهر، وحركات بطيئة ودقيقة للمناطق الحساسة.

يقول الدكتور أوسونا-ماسكارو: فيرونيكا لا تستخدم الأداة لحك نفسها فحسب، بل تستفيد من أجزاء مختلفة منها لأغراض متعددة، وتغيّر طريقة استخدامها بحسب المنطقة في جسدها. هذا مستوى من الفهم الوظيفي للأداة نادراً ما نراه خارج نطاق الرئيسيات.

لماذا يُعد هذا “ثورياً”؟

Related Post

يُعرف العلماء “استخدام الأدوات” بأنه قدرة الكائن الحي على توظيف جسم خارجي لتغيير شكل أو موضع أو حالة جسم آخر (أو جسده نفسه) لتحقيق هدف محدد. تاريخياً، كانت هذه القدرة حكراً على البشر، ثم اكتُشفت لدى الشمبانزي، الغربان، وبعض الرخويات كالأخطبوط. أما بالنسبة للماشية، فكان يُعتقد أن تشريح أجسادها (غياب الأطراف القابلة للإمساك) يمنع تطور مثل هذا الذكاء. لكن “فيرونيكا” تغلبت على هذا العائق التشريحي باستخدام فمها ببراعة، مما يشير إلى أن الإعاقة الجسدية لا تعني غياب القدرة العقلية.

دور البيئة في تنمية الذكاء

يرجح الباحثون أن حياة الرفاهية التي عاشتها “فيرونيكا” لعبت دوراً حاسماً. فمعظم الأبقار في المزارع التجارية تعيش حياة قصيرة (لأغراض إنتاج اللحم أو الحليب) وفي بيئات محدودة المحفزات. بينما عاشت “فيرونيكا” عمراً طويلاً، وتفاعلت يومياً مع البشر، وتمتعت ببيئة طبيعية غنية، مما سمح لقدراتها الكامنة بالظهور. هذا يطرح تساؤلاً أخلاقياً وعلمياً: كم من المواهب الحيوانية تضيع بسبب أنظمة التربية المكثفة؟

نحو فهم جديد لعقول الحيوانات

إن قصة “فيرونيكا” ليست مجرد فيديو طريف، بل هي دعوة صريحة لإعادة النظر في كيفية تعاملنا مع حيوانات المزرعة. إذا كانت هذه الكائنات تمتلك وعياً وذكاءً يتيح لها استخدام الأدوات لتحسين راحتها الجسدية، فإن ذلك يفرض علينا مسؤولية أخلاقية لتوفير بيئات معيشية تحترم هذه القدرات العقلية. العلماء الآن بصدد توسيع البحث لمعرفة ما إذا كان هذا السلوك استثناءً فردياً أم قدرة كامنة في النوع بأكمله تنتظر الظروف المناسبة للظهور.

هل حان الوقت لإعادة كتابة كتب الأحياء؟

في الختام، لا يمكننا اختزال قصة البقرة “فيرونيكا” في مجرد مقطع فيديو طريف انتشر عبر الإنترنت، بل هي في جوهرها وثيقة علمية حية تدق ناقوس التنبيه في أروقة البحث العلمي. إن ما قامت به هذه البقرة من استخدام مرن وموجه للأداة يتجاوز كونه سلوكاً فردياً؛ إنه دليل دامغ على أن القدرات الإدراكية لدى حيوانات المزرعة هي منطقة شاسعة ومجهولة لم يسبرها العلم بعمق بعد، نظراً لتركيزنا التاريخي على الإنتاجية بدلاً من السيكولوجية.

تضعنا هذه الدراسة أمام مسؤولية مزدوجة: علمية وأخلاقية. علمياً، نحن أمام حاجة ماسة لإعادة تصميم اختبارات الذكاء الحيواني لتناسب التشريح البيولوجي للأنواع المختلفة (فغياب الأيدي لا يعني غياب العقل). وأخلاقياً، يفرض علينا هذا الاكتشاف إعادة النظر في مفهوم “رفاهية الحيوان”؛ فالحيوانات التي تمتلك هذا المستوى من الوعي والقدرة على حل المشكلات تستحق بيئات معيشية تحترم عقولها، لا أجسادها فقط.

قد تكون “فيرونيكا” حالة استثنائية ساعدتها ظروف بيئية مثالية، ولكنها بالتأكيد ليست الوحيدة. إنها رسالة من الطبيعة تذكرنا بالتواضع، وبأن الذكاء ليس حكراً على الإنسان أو القردة العليا، بل هو شعلة متوقدة قد نجدها في أكثر الأماكن غير المتوقعة.. حتى في حظيرة الأبقار.

هل حان الوقت لإعادة كتابة كتب الأحياء؟
في الختام، لا يمكننا اختزال قصة البقرة “فيرونيكا” في مجرد مقطع فيديو طريف انتشر عبر الإنترنت، بل هي في جوهرها وثيقة علمية حية تدق ناقوس التنبيه في أروقة البحث العلمي. إن ما قامت به هذه البقرة من استخدام مرن وموجه للأداة يتجاوز كونه سلوكاً فردياً؛ إنه دليل دامغ على أن القدرات الإدراكية لدى حيوانات المزرعة هي منطقة شاسعة ومجهولة لم يسبرها العلم بعمق بعد، نظراً لتركيزنا التاريخي على الإنتاجية بدلاً من السيكولوجية.
تضعنا هذه الدراسة أمام مسؤولية مزدوجة: علمية وأخلاقية. علمياً، نحن أمام حاجة ماسة لإعادة تصميم اختبارات الذكاء الحيواني لتناسب التشريح البيولوجي للأنواع المختلفة (فغياب الأيدي لا يعني غياب العقل). وأخلاقياً، يفرض علينا هذا الاكتشاف إعادة النظر في مفهوم “رفاهية الحيوان”؛ فالحيوانات التي تمتلك هذا المستوى من الوعي والقدرة على حل المشكلات تستحق بيئات معيشية تحترم عقولها، لا أجسادها فقط.
قد تكون “فيرونيكا” حالة استثنائية ساعدتها ظروف بيئية مثالية، ولكنها بالتأكيد ليست الوحيدة. إنها رسالة من الطبيعة تذكرنا بالتواضع، وبأن الذكاء ليس حكراً على الإنسان أو القردة العليا، بل هو شعلة متوقدة قد نجدها في أكثر الأماكن غير المتوقعة.. حتى في حظيرة الأبقار.

Author: طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير...

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير علمه وخدمة مجتمعه. وقد ترك بصمة واضحة في مجال العلوم الأساسية، وفتح آفاقًا جديدة للباحثين الشبان.

Share
Published by
طارق قابيل

Recent Posts

من “ديكور” محال الأسماك إلى “عناق السحاب”.. القصة الكاملة لإنقاذ وإطلاق 10 بجعات مهاجرة في “أشتوم الجميل”

في انتصار جديد للحياة البرية على ممارسات الاتجار غير المشروع، وت1أكيداً لالتزام الدولة المصرية بصون…

يوم واحد ago

العشبة الذهبية وتكنولوجيا النانو.. كيف تحول الزعتر إلى “قنبلة مناعية ذكية” في حقبة جديدة من الطب الدقيق؟

لطالما احتل الزعتر مكانة مقدسة في الذاكرة الشعبية والطبية العربية والعالمية، من تلال بلاد الشام…

يومين ago

لغز الوعي المحيّر: علماء يقلبون الطاولة على نظرية “نبتون” المادية

لطالما وقف العلم حائراً أمام العتبة الأخيرة للحياة: لحظة الموت. هل هي نهاية كل شيء؟…

يومين ago

ثورة المستقبل: 10 تقنيات خارقة ترسم ملامح عام 2026 وما بعده

في عالم تتسارع فيه عجلات التطور التكنولوجي بسرعة مذهلة، يطل علينا عام 2026 ليحمل في…

5 أيام ago

كشف علمي مذهل.. كيف كشفت وجبة ذئب من العصر الجليدي أسرار انقراض”وحيد القرن الصوفي”

نافذة على الماضي السحيق: هل قتل المناخُ وحيد القرن الصوفي؟ جينات مستخلصة من "أمعاء ذئب"…

5 أيام ago

متلازمة “التخمر الذاتي”: عندما يسكر الإنسان دون أن يشرب قطرة كحول!

تخيل أنك تستيقظ في الصباح، تشعر بدوار شديد، ثقل في اللسان، وعدم اتزان في المشي،…

6 أيام ago