في خطوة وُصفت بأنها “الكأس المقدسة” لطب الطوارئ، والتي طال انتظارها لعقود، أعلنت مجموعة من الباحثين الأمريكيين اليوم عن نجاحهم في تطوير بديل دموي صناعي بالكامل، قادر على حمل الأكسجين بكفاءة تضاهي دم الإنسان الطبيعي، دون الحاجة إلى متبرعين أو إجراءات تبريد معقدة.
أعلن باحثون أمريكيون في مطلع عام 2026 عن تطوير بديل دم صناعي آمن وفعال يعتمد على تقنية “النانو-هيموجلوبين” المهندس وراثياً وكيميائياً. يتميز الابتكار بقدرته على نقل الأكسجين بكفاءة تماثل الدم الطبيعي، مع ميزة التوافق التام مع جميع فصائل الدم دون الحاجة لفحوصات، وإمكانية التخزين في درجات حرارة الغرفة لفترات طويلة. هذا الابتكار يعالج مشاكل البدائل السابقة كالسمية وارتفاع الضغط، ويعد حلاً جذرياً لمشاكل نقص الدم في الحروب، والكوارث، والمناطق النائية، مما يمهد الطريق لتحول عالمي في طب الطوارئ والعناية المركزة.
لطالما كان الاعتماد على الدم البشري المتبرع به تحدياً لوجستياً وصحياً هائلاً، نظراً لقصر مدة صلاحيته (التي لا تتجاوز 42 يوماً في أفضل الظروف)، واشتراط توافق الفصائل، وخطر انتقال العدوى. إلا أن الابتكار الجديد، المعتمد على “جزيئات الهيموجلوبين النانوية المهندسة”، يكسر هذه الحواجز، مقدماً حلاً فورياً لإنقاذ الأرواح في اللحظات الحرجة، أو ما يعرف طبياً بـ”الساعة الذهبية”. هذا الإنجاز، يمثل تتويجاً لسنوات من الأبحاث المضنية في مجال تكنولوجيا النانو الحيوية، ويَعِدُ بإحداث تغيير جذري في بروتوكولات إسعاف المصابين في الحوادث، والحروب، والمناطق النائية.
ما هو “الدم الصناعي” الجديد؟
يعتمد الابتكار الجديد على تجاوز العقبات التي أفشلت المحاولات السابقة في العقود الماضية التي واجهت مشاكل في السلامة. الحل الجديد لا يعتمد على خلايا دم حمراء كاملة، بل يركز على المكون الحيوي المسؤول عن نقل الأكسجين: الهيموجلوبين.
قام العلماء بـ”هندسة” جزيئات هيموجلوبين نانوية الحجم، وتغليفها داخل “ناقل حيوي متوافق. هذا الغلاف يلعب دوراً حاسماً؛ فهو يحاكي الغشاء الطبيعي لكرات الدم الحمراء، مما يمنع الهيموجلوبين من التفكك السريع في الدم أو التسبب في أضرار للكلى. والأهم من ذلك، أن حجم هذه الجزيئات الصغير جداً (أصغر بنحو 50 مرة من كرية الدم الحمراء الطبيعية) يسمح لها بالتغلغل في الأوعية الدموية الدقيقة والمناطق التي قد تكون مسدودة جزئياً بسبب الصدمة، لتوصل الأكسجين للأنسجة المحرومة منه، وهي حالة تعرف بـ”نقص التروية”.
التغلب على “لعنة” المحاولات السابقة
تشير الأبحاث المرجعية التي مهدت لهذا الاكتشاف، مثل دراسات المعاهد الوطنية للصحة (NIH) وجامعة ولاية بنسلفانيا في عام 2025، إلى أن المشكلة الكبرى في البدائل السابقة كانت “تضييق الأوعية الدموية”. كان الهيموجلوبين الحر “يسرق” أكسيد النيتريك (Nitric Oxide) من جدران الأوعية الدموية، مما يسبب ارتفاعاً خطيراً في ضغط الدم وفشلاً كلوياً.
الابتكار الجديد لعام 2026 حل هذه المعضلة عبر “التثبيت الكيميائي” والتحكم في حجم الجزيئات بحيث لا تتسرب عبر جدران الأوعية الدموية لامتصاص أكسيد النيتريك، بل تبقى داخل المجرى الدموي لتقوم بمهمتها الوحيدة: نقل الأكسجين من الرئتين إلى الأعضاء الحيوية.
ثورة “الدم الجاف“
أحد أبرز مميزات هذا الابتكار هو التحرر من “سلسلة التبريد”. الدم الطبيعي يحتاج لثلاجات ومراقبة دقيقة لدرجات الحرارة. أما الدم الصناعي الجديد، فيمكن تخزينه لفترات طويلة (تصل لعدة أشهر أو سنوات) في درجة حرارة الغرفة. تشير التقارير العلمية إلى إمكانية تصنيع هذا المنتج في صورة “بودرة مجففة” يتم حلّها بمحلول ملحي معقم عند الحاجة فوراً. هذا يعني أن حقيبة المسعف في ساحة المعركة، أو سيارة الإسعاف في القرى النائية، ستحمل مخزوناً “غير محدود” من الدم الجاهز للضخ فوراً دون انتظار.
“فصيلة واحدة للجميع“
في غرف الطوارئ، يضيع وقت ثمين في تحديد فصيلة دم المصاب (A, B, AB, O) وإجراء اختبارات التوافق لتجنب رد فعل مناعي قاتل. الدم الصناعي الجديد خالٍ تماماً من “المستضدات” الموجودة على سطح خلايا الدم الطبيعية. هذا يجعله “متبرعاً عاماً عالمياً“حقيقياً. يمكن حقنه لأي مريض، بغض النظر عن فصيلته، دون أي خطر من حدوث رفض مناعي.
أثبتت التجارب السريرية التي أجريت مؤخراً نجاحاً مبهراً في الحفاظ على “التروية العضوية” ومنع “نقص الأكسجة” لدى المرضى الذين يعانون من نزيف حاد، مما قلل بشكل كبير من معدلات الوفيات الناتجة عن الصدمة النزفية.
الأهمية العسكرية والاستراتيجية
يأتي هذا الإنجاز متوافقاً مع اهتمامات وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية (DARPA) والجيوش العالمية، حيث يعد النزيف في ساحة المعركة السبب الأول للوفيات التي يمكن تجنبها. التجارب المحاكية أظهرت أن المسعفين العسكريين تمكنوا من استخدامه لتثبيت حالة الجنود المصابين في مناطق بعيدة جداً عن المستشفيات الميدانية، مما ضاعف فرص بقائهم على قيد الحياة حتى وصولهم للجراحة.
الآفاق المستقبلية
لا يتوقف طموح العلماء عند نقل الأكسجين فقط. فالمنصة النانوية المستخدمة يمكن تطويرها لتكون “ناقلاً متعدد الوظائف”. يتوقع الباحثون إمكانية تحميل هذه الجزيئات بأدوية وقف النزيف، أو مضادات الالتهاب، لتصل مباشرة إلى مكان الإصابة. كما يفتح هذا الباب واسعاً أمام تقليص الفجوة الصحية العالمية، حيث تعاني الدول النامية بحدة من نقص بنوك الدم المجهزة. وجود دم صناعي رخيص التكلفة، سهل النقل، ولا يحتاج لتبريد، قد يعني إنقاذ ملايين الأرواح من وفيات الولادة والحوادث في أفريقيا وآسيا.
إن الإعلان عن هذا الدم الصناعي ليس مجرد خبر عابر، بل هو إعلان عن دخول البشرية حقبة جديدة في الطب، حيث لا يتوقف إنقاذ الروح البشرية على توفر متبرع أو وجود ثلاجة كهربائية. ومع استمرار الأبحاث لتحسين هذه التقنية وتوسيع إنتاجها، قد نشهد قريباً اليوم الذي تصبح فيه عبارة “نقص حاد في بنك الدم” شيئاً من الماضي. إنه انتصار للعلم، وأمل جديد لكل مريض ينتظر قطرة دم للحياة.
الشارقة تدشن حقبة علمية جديدة لمواجهة "الطوفان البلاستيكي في توقيت مفصلي يتزامن مع دخول دولة…
هل الأبقار أذكى مما نعتقد؟ دراسة حديثة تكشف سلوكاً "عبقرياً" لبقرة تستخدم الأدوات كالبشر. لطالما…
في انتصار جديد للحياة البرية على ممارسات الاتجار غير المشروع، وت1أكيداً لالتزام الدولة المصرية بصون…
لطالما احتل الزعتر مكانة مقدسة في الذاكرة الشعبية والطبية العربية والعالمية، من تلال بلاد الشام…
لطالما وقف العلم حائراً أمام العتبة الأخيرة للحياة: لحظة الموت. هل هي نهاية كل شيء؟…
في عالم تتسارع فيه عجلات التطور التكنولوجي بسرعة مذهلة، يطل علينا عام 2026 ليحمل في…