Ad

إذا لم تسمع بالآبار المدرجة في الهند من قبل، لا داعي للقلق، فأنت لست وحيدًا. إذ ينجذب ملايين السياح والسكان المحليين إلى قصور شبه القارة الهندية، وحصونها، ومعابدها لكنهم يجهلون هذه المنشآت المائية التي تعود إلى قرون مضت. والتي يمكن العثور عليها مختبئة على مرمى بصرك بالقرب من وجهات سياحية مزدحمة كتاج محل مثلًا! [1]

ما هي الآبار المدرجة؟

يعد «البئر المدرج- Stepwell» هيكل مرتبط بالبئر، ويحتوي على درج يسهّل الوصول إلى مستوى الماء في أي فصل من فصول السنة.[2]

حفرت الآبار المدرجة على عمق عدة طوابق تحت الأرض، وهو المستوى الذي تكون فيه التربة أو الصخور مشبعة بالماء دائمًا. بسبب ذلك وفرت المياه للشرب والغسيل والاستحمام وري المحاصيل.[3]

نشأة الآبار المدرجة وتطورها

تشير الأدلة إلى وجود آبار مدرجة تعود إلى حضارة وادي السند بين عامي 2500-1700 ق.م، إذ بنيت في البداية على شكل خنادق بدائية لتخزين المياه.[4]

لكن ظهرت بشكل واضح بين القرنين الثاني والرابع الميلاديين. حيث تعتبر الهند منطقة مناخية متقلبة، وجافة معظم أيام السنة، وتليها أمطار موسمية غزيرة لأسابيع عديدة. نتيجةً لذلك برزت الحاجة إلى إمداد مستمر للمياه عل مدار العام لاسيما في المناطق القاحلة شمال غرب الهند مثل غوجارات، وراجستان، حيث انخفض منسوب المياه الجوفية جدًا فوصل أحيانًا إلى 10 طوابق أو أكثر تحت الأرض.[3]

ثم تطورت تدريجيًا على مر الوقت إلى أن أصبحت روائع هندسية، وهياكل بالغة التعقيد بين القرنين الحادي عشر والخامس عشر الميلاديين. وقد حدد أطلس الآبار المدرجة عام 2016 خرائط إحداثيات حوالي 3000 بئر مدرج في الهند، وتضم العاصمة دلهي وحدها 32 بئر.[4]

ما التكوين العام للبئر المدرج؟

شيد السكان الآبار المدرجة عند المنحدرات الطبيعية باستخدام الحجارة، أو الركام، أو الطوب، وقد ساعد تصميمها المتراص على تقليل التبخر. ونراها تتحول خلال مواسم الأمطار إلى خزانات ضخمة للمياه تمتلئ بالكامل. [4]

تتكون الآبار المدرجة عادةً من قسمين: جزء رأسي على شكل حفرة عميقة واسعة مبطنة بالحجارة ومائلة (تمتلئ بالماء) وجزء عرضي؛ إذ يبنى حول الحفرة درجات (سلالم طويلة) وحواف جانبية (ممرات) واحتوت العديد منها على غرف إذ تخلل كل مستوى (طابق تحت الأرض) أجنحة مسقوفة (غرف) يمكن الوصول إليها عبر الممرات والتي دعمت الجدران كذلك في مواجهة الضغط الشديد، كما وفرت مكان لإقامة الشعائر الدينية، والثقافية، أو الراحة في جميع الأحوال الجوية. [3] [2]

فوائد عملية وقيمة اجتماعية

توضعت معظم الآبار المدرجة في المدن وكذلك على طرق التجارة لتوفير المأوى والماء للماشية والبشر. وصممت بطريقة تمكّن الماشية من الوصول إلى سطح الماء. كما تؤدي الدرجات والممرات إلى غرف جانبية في مستويات مختلفة تستخدم للراحة، حيث تنخفض درجات الحرارة مع ازدياد العمق بفضل التقنيات المعقدة للبناء. واستخدمت كذلك في الزراعة حيث زُوّد بعضها بأنظمة تصريف تنقل المياه إلى الحقول. [2]

اعتبرت هذه الهياكل معالم عامة واتيحت للجنسين ولجميع الأديان -على ما يبدو للجميع- باستثناء الهندوس من الطبقة الدنيا. وعد السكان بناء البئر عملًا عظيمًا فقد اعتبروه بمثابة حصن أرضي يحمي من الفناء. ويُعتقد أن ربع الأثرياء وذوي النفوذ الذين أمروا ببناء الآبار كانوا نساءً. وبالنظر إلى أن جلب الماء كان ولايزال مهمة تستند إلى النساء، بسبب ذلك وفرت الآبار متنفسًا من الحياة الروتينية فكان التجمع عند بئر القرية نشاطًا اجتماعيًا هامًا بلا شك. [3]

تحفة هندسية فريدة

تصنف الآبار المدرجة حسب حجمها ومواد بنائها وشكلها، فقد تتخذ شكلًا دائريًا أو مستطيلًا أو حتى شكل L. ومما يثير الدهشة أنه لا يوجد بئران مدرجان متطابقان، فلكل بئر طابعه الخاص سواءً كان بسيطًا أو معقدًا، ويعتمد عمومًا على من أمر ببنائه وزمانه ومكانه. [3]

علاوةً على ذلك، أنشأ السكان نوعًا من العمارة العكسية من خلال البناء تحت الأرض بدلًا من فوقها، إذ لا يوجد للبئر المدرج وجود يذكر فوق السطح بخلاف جدار حجري منخفض على عكس المواجهة المفاجئة في الأسفل، والتي قد تسبب الدوار، كما يمكن أن تولد شعورًا بالضياع التام بمجرد الدخول. فيرتبك المشاهد بسبب المناظر المتداخلة، واللعب القوي بالضوء والظل، والأجنحة الشاهقة. [3]

كيف تختلف الآبار المدرجة الهندوسية عن الإسلامية؟

استُخدمت الآبار المدرجة الهندوسية كمعابد وامتلأت بصور منحوتة للآلهة التي كُرّست لهم، فشكلت هذه المنحوتات خلفيةً روحيةً للاستحمام الطقسي، والصلوات، والقرابين. لايزال يستخدم اليوم عدد منها كمعابد نشطة على سبيل المثال بئر Mata Bhavani Vav الذي يعود إل القرن 11 في أحمد آباد. [3]

بئر Mata Bhavani المستخدم كمعبد.

بعد سيطرة الحكام المسلمين في آواخر القرن 12 تقريبًا شهدت الآبار المدرجة تحولًا في تصميمها سواءً من الناحية الإنشائية أو الزخرفية. فأدخل المسلمون القوس والقبة الحقيقية بدلًا من القباب المزخرفة، وحرّموا تصوير أي كائن حي أيضًا. [3]

بالرغم من ذلك، تلاقى النمطان لفترة وجيزة حوالي عام 1500 في ولاية غوجارات ونتج عن ذلك بئر Rudabai vav وبئر Dada harir vav. ويتألف كل منهما من 5 طوابق تحت الأرض، ويضمان أحواضًا مثمنة الشكل، وقد بنيا في وقت متزامن تقريبًا تحت إشراف إسلامي لكن على يد حرفيين هندوس. يتميز البئران بزخارف متقنة لكنهما يفتقران بشكل ملحوظ إلى التماثيل الإلهية والبشرية. [3]

تظهر الصورة بئر Dada hariri vav المدرج

بئر الملكة المدرج Ran-Ki-Vav

يعد بئر Ran-Ki-Vav الهندوسي مثالًا استثنائيًا مميزًا على العمارة المائية الجوفية في شبه القارة الهندية. ويقع على ضفاف نهر ساراسوتي، وشيّد بأمر من الملكة لإحياء ذكرى زوجها الراحل حوالي عام 1060 م. صمم على شكل معبد مقلوب يبرز قدسية الماء وهو موجه باتجاه شرق- غرب، ومقسم إلى 7 مستويات من السلالم. ويحتوي على أكثر من 500 منحوتة رئيسية، وأكثر من 1000 منحوتة ثانوية تجمع بين الصور الدينية، والأسطورية، والعلمانية وغالبًا ما تشير إلى الأعمال الأدبية. [5]

بئر الملكة المدرج Ran ki vav.

لا يقتصر إبهار البئر على بنيته المعمارية وإنجازاته التقنية فحسب بل يتجلى في زخارفه ومنحوتاته التصويرية، وتناسق الكتلة والفراغ. ويعزز الموقع هذه السمات من خلال انحدار البئر المفاجئ من هضبة مستوية مما يرسخ الإحساس باتساع هذا المكان. وقد أدرج عام 2014 كموقع في التراث العالمي. [5]

بئر Chand Bawri المدرج

 بني بئر Chand Bawri بولاية راجستان خلال القرنين 8 و9 وهو أكبر وأعمق بئر مدرج في الهند، فيمتد إلى عمق 13 طابق بانخفاض 30 متر تحت الأرض. ويعتبر متاهةً منحوتةً بدقة متناهية إذ يتألف من 3500 درجة مرتبة بتناسق مثالي، وتنحدر بدقة هندسية لتصل إلى البئر. وتحيط الماء درجات متقاطعة من ثلاث جهات بينما تتزين الجهة الرابعة بجناح ذي أروقة وشرفات مزخرفة. [4]

بئر Chand Bawri المدرج

كيف آلت إليه الآبار المدرجة في الهند الآن؟

دفعت قرون من التدهور الطبيعي والإهمال هذه المنشآت إلى طي النسيان. فلم يلتفت إليها مخططو المدن، إذ طغت عليها أنظمة المياه الجارية الحديثة. كما اعتبرها الحكام البريطانيون بؤرًا غير صحية للطفيليات والأمراض، فجرى ردمها أو إغلاقها. انهار اليوم العديد من هذه المنشآت، وبعضها اختفى تمامًا، وبعضها في حالة يرثى لها. [4]

بالإضافة إلى ذلك، تحول العديد منها في كثير من الأحيان إلى مكبات للنفايات، ومراحيض، أو أعيد استعمالها كمخازن، أو استخرجت أحجارها وتركت لتتداعى. على سبيل المثال اتخذ بئر Bhamaria موطنًا لمستعمرة من الخفافيش الصاخبة للغاية، أما بئر Vikia Vav فقد كان على وشك الانهيار التام بسبب السلالم غير المستقرة والخطيرة. [3]

تشهد الهند الآن أسوأ أزمة مياه في تاريخها وفقًا لتقرير حكومي، نتيجةً لذلك يجري ترميم العديد من هذه الآبار القديمة للمساعدة في معالجة المشكلة الحادة للمياه إذ تعقد آمال كبيرة عليها. وأنت ما رأيك، هل ستساعد الآبار المدرجة في حل أزمة المياه أم ستبقى صرحًا أثريًا فحسب؟

المصادر

  1. Arch daily
  2. Science Direct
  3. Britannica
  4. B.B.C
  5. UNESCO
Julie Youssef
Author: Julie Youssef

مهندسة معمارية، أحب الرسم والقراءة

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


عمارة

User Avatar

Julie Youssef

مهندسة معمارية، أحب الرسم والقراءة


عدد مقالات الكاتب : 58
الملف الشخصي للكاتب :

التالي

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *