أحياء

تسخير تقنية كريسبر لتطوير أداة تستهدف الحمض النووي الريبوزي

في دراسة رائدة، قام الباحثون في مركز دونيلي للأبحاث الخلوية والجزيئية الحيوية بجامعة تورونتو بتسخير قوة تقنية كريسبر لتطوير أداة تستهدف الحمض النووي الريبوزي (RNA) تمكن من التلاعب الدقيق بالجينات البشرية. هذا الإنجاز المبتكر، بقيادة الباحثين الرئيسيين بنجامين بلينكو وميكو تايبال، له آثار بعيدة المدى على فهمنا لوظيفة الجينات وتنظيمها والعلاج المحتمل للعديد من الأمراض والاضطرابات. تتمتع هذه التكنولوجيا بالقدرة على فتح آفاق جديدة لفهم تعقيدات تنظيم الجينات وقد تؤدي في النهاية إلى تطوير استراتيجيات علاجية جديدة لمجموعة واسعة من الاضطرابات والأمراض البشرية.

الشفرة المخفية

لديك لغز معقد يحتوي على ملايين القطع التي يجب تجميعها بترتيب معين لإنشاء وحدة كاملة. هذا ما يحدث تقريبًا في عملية ربط الحمض النووي الريبوزي (RNA)، حيث تأخذ الخلية نسخ الحمض النووي الريبوزي (RNA) من الجينات وتجمعها معًا لتكوين بروتين وظيفي. ومع ذلك، فإن هذا اللغز ليس بهذه البساطة كما يبدو. تحتوي نسخ الحمض النووي الريبوزي (RNA) على كل من الأجزاء المشفرة التي تسمى الإكسونات (exons) والأجزاء غير المشفرة التي تسمى الإنترونات (introns). وتحتاج الإكسونات إلى فصلها من الإنترونات بدقة وضمها معًا بترتيب معين.


في البشر، يحتوي كل جين على إكسونات متعددة يمكن ربطها بالتناوب، مما يؤدي إلى بروتينات متعددة ذات وظائف مختلفة. تسمح هذه العملية بتطوير أنواع مختلفة من الخلايا ووظائفها المتخصصة. ومع ذلك، فإن سوء تنظيم هذه العملية يمكن أن يؤدي إلى أمراض مثل السرطان واضطرابات الدماغ. على الرغم من أهميتها، فإن وظيفة معظم الإكسونات والإنترونات لا تزال غير واضحة. مما يصعب فهم دورها في الأمراض التي تصيب الإنسان.

تاريخ موجز لكريسبر

في الثمانينيات، عثر العالم الياباني يوشيزومي إيشينو وفريقه على تسلسل غريب ومتكرر للحمض النووي في بكتيريا الإشريكية القولونية. يبدو أن هذا التسلسل، الذي أُطلق عليه لاحقًا اسم كريسبر (التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة منتظمة التباعد)، كان بمثابة آلية دفاع ضد العدوى الفيروسية. يتكون نظام كريسبر من مكونين رئيسيين. جزيء صغير من الحمض النووي الريبوزي (الحمض النووي الريبوزي الموجه) الذي يستهدف تسلسلات معينة من الحمض النووي الفيروسي. والجزء الثاني هو الإنزيم (Cas9) الذي يقطع التسلسل المستهدف.


وبمرور الوقت، اكتشف العلماء أن تقنية كريسبر ليست حصرية في الإشريكية القولونية. حيث تم العثور عليها في العديد من البكتيريا والعتائق، ولكل منها نسختها الخاصة. في عام 2012، قامت جنيفر دودنا وإيمانويل شاربنتييه بتسخير تقنية كريسبر لتعديل الجينات بدقة. وحصلتا على جائزة نوبل فيما بعد عن اكتشافاتهما.

Related Post

تقنية استهداف الحمض النووي الريبوزي المتطورة

لديك أداة دقيقة يمكنها التعامل مع العملية المعقدة لربط الحمض النووي الريبوزي. مما يسمح للعلماء بالكشف عن أسرار وظيفة الجينات وتنظيمها. هذه التقنية المتقدمة، والمعروفة باسم (dCasRx-RBM25)، عبارة عن بروتين اندماجي (fusion protein) تم تصميمه لتنشيط أو قمع الإكسونات البديلة بطريقة عالية الكفاءة ومستهدفة.

يتضمن إنشاء (dCasRx-RBM25) ربط نسخة معطلة عن طريق التحفيز (catalyst) من بروتين كريسبر الذي يستهدف الحمض النووي الريبوزي المسمى (dCasRx)، مع أكثر من 300 عامل ربط. وقد مكّن هذا النهج المبتكر الباحثين من التحكم في ربط الحمض النووي الريبوزي بدقة غير مسبوقة. مما سمح لهم بالتحقيق في وظائف إكسونات محددة ودورها في المرض.


أحد الجوانب الأكثر إثارة للإعجاب في (dCasRx-RBM25) هو قدرته على تنشيط وقمع الإكسونات المختلفة في وقت واحد. مما يتيح دراسة التفاعلات الوظيفية بين المتغيرات المقسمة بالتناوب. يعد هذا التلاعب متعدد المستويات بمثابة تغيير في قواعد اللعبة في مجال تنظيم الجينات. حيث يوفر أداة قوية للعلماء لاستكشاف العلاقات المعقدة بين الإكسونات وتأثيرها على وظيفة الجينات.

مستقبل تحرير الجينات

تخيل عالماً أصبحت فيه الأمراض والاضطرابات الوراثية شيئاً من الماضي. ومع اكتشاف تقنية كريسبر لاستهداف الحمض النووي الريبوزي، أصبحت هذه الرؤية ممكنة بشكل متزايد. فمن خلال التلاعب الدقيق في ربط الحمض النووي الريبوزي، يستطيع العلماء الآن تصحيح العيوب التي تكمن وراء العديد من الأمراض والاضطرابات، مثل مرض التوحد والسرطان. هذا الإنجاز لديه القدرة على إحداث ثورة في مجال تحرير الجينات، وفتح الباب أمام علاجات جديدة.


فكر في ربط الحمض النووي الريبوزي كعملية بناء جملة. تشبه الإكسونات، أو مقاطع الترميز، الكلمات الفردية التي يتم ضمها معًا لتكوين جملة. ولكن ماذا لو كانت بعض هذه الكلمات مفقودة أو خاطئة؟ وهذا ما يحدث في العديد من الأمراض الوراثية، حيث يؤدي الربط غير السليم للحمض النووي الريبوزي إلى بروتينات معيبة. وباستخدام (dCasRx-RBM25)، يستطيع الباحثون الآن “تعديل” تلك الجمل، وتصحيح الكلمات الخاطئة لإنتاج بروتينات سليمة.

المصدر:

Researchers develop RNA-targeting technology for precisely manipulating parts of human genes / science daily

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
أخبار علمية

Share
Published by
أخبار علمية

Recent Posts

تجميد الضوء .. علماء نجحوا في تحويل الليزر إلى مادة فائقة الصلابة!

في عالم الكم، لم تعد قواعد الفيزياء الكلاسيكية قابلة للتطبيق. واحدة من أكثر الحالات الرائعة…

3 أسابيع ago

دراسة تقول أن الذكاء الاصطناعي أكثر تعاطفًا مع البشر من الأطباء النفسيين

أظهرت دراسة جديدة أن المرضى يجدون الذكاء الاصطناعي أكثر تعاطفاً وتفهماً من الأطباء النفسيين وخبراء…

3 أسابيع ago

حاسة التذوق عبر جهاز جديد يستخدم الواقع الافتراضي

باتت التجارب الرقمية أكثر عمقًا وانغماسًا مع دمج الحواس البشرية في البيئات الافتراضية. ويأتي نظام…

3 أسابيع ago

أسرار الحضارة البحرية القديمة المكتشفة في الفلبين

في اكتشاف رائد،  كشف باحثون من جامعة أتينيو دي مانيلا عن أدلة على وجود شكل…

شهر واحد ago

كيف شكّلت المفاصل المرنة في الأسماك القديمة حركة البشر؟

درس العلماء الأسماك الغضروفية الحديثة، مثل أسماك القرش وأسماك الزلاجات. وقارنوها بنظيراتها عديمة الفك، مثل…

شهر واحد ago

لغز الدماغ الزجاجي: كيف حوّل بركان فيزوف دماغًا بشريًا إلى زجاج

تحول دماغ شاب إلى زجاج منذ ما يقرب من 2000 عام، وهي ظاهرة يعتقد العلماء…

شهر واحد ago