إن شراء وقراءة الكتب أمرٌ يستهوي الكثير من القرّاء والباحثين عن المعرفة. لكن ماذا لو تطور الأمر إلى هوس شراء أو سرقة الكتب وجمعها دون قراءتها؟ أو حتى الرغبة في الحصول على نسخ ذات مواصفات خاصة! إن كان يستهويك جمع الكتب وشراءها على أمل قراءتها لاحقًا، أو تأمل الحصول على كتب ذات مواصفات معينة… فقد تكون مصاب بالبيبليومانيا أو تعاني من التسوندوكو!
محتويات المقال :
إنّ مصطلح (Biblion) هو مصطلح إغريقي ويعني كتاب، أما (mania) فتعني جنون. لذا فإن “بيبليومانيا” تترجم إلى “جنون الكتاب”، وتعني الشغف القهري بجمع الكتب واكتنازها مع عدم وجود نية لقراءتها. تمّ العثور على أول استخدام لهذه الكلمة في يوميات من عام 1734 كتبها جامع الكتب توماس هيرن《Thomas Hearne》. وقد كتب: “كنت أميل إلى دفع مبلغ كبير من المال دون التفكير في نفسي على الإطلاق مع بيبليومانيا”. في عام 1750، كان هناك ذكر آخر لبيبليومانيا في رسالة لورد تشيسترفيلد《Lord Chesterfield》 لابنه، “احذر من البيبليومانيا”. وأخيرًا، في عام 1809، نشر توماس ديبدين《Thomas Dibdin》 كتابًا بعنوانا Bibliomania؛ أو “جنون الكتاب”. كتب ديبدين في الكتاب هجاءً لطيفًا لمن رآهم مصابين بهذا “العصاب”. وقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تحليل البيبليومانيا كحالة طبية. وعنون الكتاب بـ”داء الكتاب”.
الرغبة في اقتناء كتب ذات مواصفات خاصة: كالطبعة الأولى، النسخة الأصلية للكتاب، الكتب المطبوعة بحروف سوداء، النسخ الورقية الكبيرة والكتب ذات الحواف المقصوصة بطريقة إحترافية. كما أن الاكتناز المرضي والتمسك بالكتب التي لا قيمة لها أو التي لا فائدة منها أو جمع نسخ لا حصر لها من نفس الكتاب بالضبط قد تكون من أعراض الأصابة بالبيبليومانيا. ولعل السمة السلوكية الأكثر وضوحًا هي الامتلاك المندفع والمستمر للكتب التي لا يعتزم جامعها على قراءتها.
يشرح بعض الأطباء النفسيين أن البيبليومانيا قد تكون آلية دفاع للتعامل مع الصدمات الخطيرة أو الانتهاكات المتكررة. على وجه التحديد، مثل هذه الصدمة تجعل المصابين يشككون بشدة في أي قضايا أساسية. سيخفون ألمهم من خلال تكديس الكتب حولهم لأنهم لا يريدون الكشف عن ماضيهم المؤلم. إنّ الإدمان طريقة شائعة جدًا للتعامل مع الألم. وعندما يُترك الهوس بلا رادع طوال فترة الطفولة وحتى سن البلوغ، سيتطور إلى مشكلة أكبر.
في عام 1869، حصل الدكتور ألويس بيكلر《Alois Pichler 》 على منصب محترم “أمين مكتبة استثنائي” في المكتبة العامة الإمبراطورية في شارع بطرسبرغ《St. Petersburg》، روسيا. لسوء الحظ، تجاوز انجذاب بيكلر للكتب مجرد الاعتناء بها. مرت الأيام القليلة الأولى لتوظيف بيكلر دون عناء، ولكن بعد بضعة أشهر، بدا أن هناك لصا غريبا في المكتبة. تمت سرقة عدد مذهل من الكتب من مجموعة المكتبة، اشتبه الحراس في بيكلر. غالبًا ما كان يسقط الكتب عند المخرج ثم يسرع لإعادتها إلى الرفوف. كما أنه كان يرتدي معطفًا كبيرًا دائمًا. بعد عامين من العمل، فُقد 4500 كتاب من المكتبة. كانت أكبر حالة سرقة مكتبية تم تسجيلها على الإطلاق. وأخيرًا، تم اتهام بيكلر رسميًا وتقديمه إلى المحاكمة. ادعى محامي بيكلر أنه لم يكن مسؤولاً عن سرقته لأن سلوكه كان خارج عن إرادته. وصفها المحامي بأنها “حالة عقلية غريبة، هوس ليس بالمعنى القانوني أو الطبي، ولكن بالمعنى العادي لشغف عنيف لا يقاوم ولا يمكن مقاومته”. لسوء الحظ، فإن الإدعاء بأن بيكلر كان ضحية البيبليومانيا لم يؤثر على العقوبة لصالحه. حيث تم نفيه إلى سيبيريا.
إن جمع الكتب وتكديسها《Bibliomania》 ليست مجرد ظاهرة غربية. ففي اليابان، يسمونها تسوندوكو《Tsundoku》، كلمة دوكو《Doku》 تأتي بمعنى يقرأ، أما تسون《Tsun》 فيعود جذرها إلى كلمة تسومو《Tsumu》 التي تعني باللغة اليابانية التكديس، فعند جمع القسمين معاً نحصل على كلمة تسوندوكو《Tsundoku》التي تحمل معنى شراء المواد المقروءة وتكديسها. والتي تشير إلى عملية جمع أكوام من الكتب التي لن تتمكن من قراءتها. ومع ذلك، لا يُنظر إلى تسوندوكو على أنه سلوك سلبي، حيث غالبًا ما يتم تصوير بيبليومانيا. بدلاً من أن يُنظر إليه على أنه اضطراب استحواذي ووسواس قهري، يفهم اليابانيون أن هناك، على الأقل، نية شجاعة لقراءة الكتب. ووفقًا للبروفسيور أندرو جيرستل《Andrew Gerstle》، أستاذ النصوص اليابانية في جامعة لندن، فإن المصطلح ظهر لأول مرة في عام 1879 كمزحة عن مدرس يمتلك الكثير من الكتب ولكنه لا يقرأها أبدًا. اليوم، تنطبق الكلمة أيضًا على جوانب أخرى من الحياة لا علاقة لها بالأدب تمامًا. إنها عبارة لوصف تلك العادات التي تبدأ بنوايا حسنة ولكنها ستؤدي على الأرجح إلى تخزين عدواني.
إن المصابين ببيبليومانيا يقومون بجمع الكتب، دون وجود أي نية لقراءتها. هم فقط مولعون بجمع المواد الأدبية التي يشعرون أنها مميزة أو تجلب لهم السرور. أما في حالة تسوندوكو فهناك نية للقراءة، لكن لسبب ما لا يتمكنون من القراءة، فتتكون لديهم مجموعة كبيرة من الكتب غير المقروءة.
د. طارق قابيل نعيش اليوم في عصر استثنائي، حيث لم تعد الحقيقة العلمية هي المحرك…
بقلم: د. طارق قابيل في عالمنا المعاصر، لم يعد العلم محبوساً داخل أسوار المختبرات الموصدة…
إذا لم تسمع بالآبار المدرجة في الهند من قبل، لا داعي للقلق، فأنت لست وحيدًا.…
في عالم الجرائم البيئية، اعتدنا سماع أخبار ضبط شحنات من عاج الأفيال أو جلود النمور،…
تعد حضارة الهند واحدة من أقدم وأغنى الحضارات الإنسانية، حيث تمتد جذورها إلى أكثر من…
على مر العصور، ظل الكهرمان - وهو صمغ أشجار متحجر - بمثابة "الفلاش ميموري" للطبيعة،…