في تطور لافت أعاد عقارب الساعة إلى سيناريوهات الرعب الوبائي، استيقظت الأوساط الطبية العالمية في أواخر شهر يناير الجاري على وقع أنباء مقلقة قادمة من ولاية البنغال الغربية بالهند. فقد أعلنت السلطات الصحية حالة الاستنفار القصوى بعد تأكيد تفشٍ جديد لفيروس “نيباه” (Nipah Virus – NiV)، ذلك العدو الفيروسي الشرس الذي لا يرحم، والذي يتميز بمعدلات إماتة مرعبة تجعل منه واحداً من أخطر مسببات الأمراض على وجه الأرض.
لم يعد الأمر مجرد تكهنات، بل واقع طبي يفرض نفسه بالقرب من مدينة كولكاتا المكتظة بالسكان، حيث تحولت أروقة المستشفيات إلى مناطق عزل مشددة، وباتت الطواقم الطبية -خط الدفاع الأول- هي الضحية الجديدة لهذا الفيروس المراوغ.
ماذا يحدث في “باراسات”؟
وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن وزارة الصحة الهندية وتقارير التقصي الوبائي المحدثة (يناير 2026)، تركزت بؤرة التفشي الحالي في مدينة “باراسات” (Barasat)، التي تبعد حوالي 25 كيلومتراً عن كولكاتا.
بدأت القصة بسيناريو درامي في مستشفى نارايانا التخصصي، حيث انتقلت العدوى بشكل مأساوي داخل أروقة المستشفى. تشير التحقيقات إلى أن “المريض صفر” كان يعاني من أعراض تنفسية حادة وتوفي قبل تشخيصه نهائياً، لينقل العدوى إلى الفريق الطبي الذي كان يسهر على رعايته.
تم تأكيد إصابة ممرضين اثنين وطبيب وموظف صحي، مما يرفع عدد الحالات المؤكدة إلى 5 حالات حتى لحظة كتابة هذا التقرير. إحدى الممرضات ترقد في غيبوبة كاملة بوحدة العناية المركزة، مما يعكس الشراسة التي يهاجم بها الفيروس الجهاز العصبي. وقامت السلطات بعزل أكثر من 20 شخصاً من المخالطين المباشرين ذوي الخطورة العالية، بينما خضع قرابة 180 شخصاً لفحوصات المسح النشط لمحاصرة العدوى قبل تسربها للمجتمع.
من هو هذا “الوحش” المجهري؟
لفهم سبب هذا الذعر، يجب أن ننظر إلى الفيروس تحت المجهر. ينتمي فيروس نيباه إلى عائلة الفيروسات المخاطية (Paramyxoviridae)، وتحديداً جنس “هينيبافيروس” (Henipavirus).
من الحيوان للبشر: عبر تناول فواكه ملوثة بلعاب الخفافيش، أو شرب “عصير نخيل التمر” الخام (Raw Date Palm Sap) الملوث بفضلاتها، أو عبر التعامل مع خنازير مصابة.
من البشر للبشر: وهذا هو التطور الأخطر الذي نراه حالياً في مستشفيات الهند، حيث ينتقل الفيروس عبر سوائل الجسم والرذاذ التنفسي للمريض، خاصة في المراحل المتقدمة من المرض.
الأعراض: خادعة في البداية.. قاتلة في النهاية
تكمن خطورة “نيباه” في أن بدايته تشبه الإنفلونزا العادية، مما يؤدي غالباً إلى تأخر التشخيص.
المرحلة الأولى: حمى، صداع، آلام عضلية، وتقيؤ والتهاب في الحلق.
المرحلة الخطيرة: يتطور المرض بسرعة مذهلة نحو التهاب الدماغ الحاد (Acute Encephalitis)، حيث يعاني المريض من الدوار، النعاس، وتشوش الذهن، وقد يدخل في غيبوبة خلال 24 إلى 48 ساعة.
المضاعفات: حتى من ينجو من الموت (بنسبة 40-75% معدل وفيات)، قد يعاني 20% منهم من آثار عصبية طويلة الأمد مثل التشنجات وتغيرات الشخصية.
هل اقتربنا من اللقاح؟
حتى وقت قريب، لم يكن هناك لقاح معتمد. ولكن، في تحديث علمي هام (أواخر 2025/مطلع 2026): أطلقت جامعة أكسفورد (University of Oxford) المرحلة الثانية (Phase II) من التجارب السريرية لأول لقاح واعد ضد فيروس نيباه والمسمى (ChAdOx1 NipahB). تجري هذه التجارب حالياً في بنغلاديش والهند، المناطق الأكثر تضرراً. يعتمد هذا اللقاح على نفس التكنولوجيا التي استُخدمت في لقاح أسترازينيكا ضد كورونا، ويهدف لتحفيز المناعة ضد البروتين السكري (Glycoprotein) الموجود على سطح الفيروس.
بالإضافة إلى ذلك، يتم استخدام علاجات تجريبية مثل الأجسام المضادة وحيدة النسيلة (Monoclonal Antibody m102.4) كعلاج رحيم (Compassionate Use) في بعض الحالات الحرجة، رغم أنها لم تحصل على الاعتماد النهائي بعد.
العالم يراقب
لم يقتصر القلق على الهند. فقد أعلنت تايوان عزمها تصنيف فيروس نيباه ضمن “أمراض الفئة الخامسة” (Category 5)، وهي الفئة الأخطر التي تستوجب الإبلاغ الفوري وإجراءات عزل صارمة، وذلك استجابة للتفشي الحالي في البنغال الغربية. كما وضعت منظمة الصحة العالمية (WHO) الفيروس ضمن قائمة “مخطط البحث والتطوير” (R&D Blueprint) كأحد مسببات الأمراض ذات الأولوية القصوى التي قد تسبب جائحة عالمية.
روشتة الوقاية: كيف نحمي أنفسنا؟
في ظل عدم توفر اللقاح في الصيدليات العامة حتى الآن، تظل الوقاية هي السلاح الوحيد الفعال:
إن ما يحدث اليوم في الهند ليس مجرد خبر عابر، بل هو جرس إنذار يذكرنا بهشاشة النظام الصحي العالمي أمام الفيروسات حيوانية المنشأ. ورغم أن العلم يخطو خطوات متسارعة نحو إنتاج لقاح فعال، إلا أن الوعي المجتمعي واليقظة الطبية يظلان الحصن المنيع لمنع تحول هذه البؤر الصغيرة إلى حرائق وبائية كبيرة.
في خطوة وُصفت بأنها "الكأس المقدسة" لطب الطوارئ، والتي طال انتظارها لعقود، أعلنت مجموعة من…
الشارقة تدشن حقبة علمية جديدة لمواجهة "الطوفان البلاستيكي في توقيت مفصلي يتزامن مع دخول دولة…
هل الأبقار أذكى مما نعتقد؟ دراسة حديثة تكشف سلوكاً "عبقرياً" لبقرة تستخدم الأدوات كالبشر. لطالما…
في انتصار جديد للحياة البرية على ممارسات الاتجار غير المشروع، وت1أكيداً لالتزام الدولة المصرية بصون…
لطالما احتل الزعتر مكانة مقدسة في الذاكرة الشعبية والطبية العربية والعالمية، من تلال بلاد الشام…
لطالما وقف العلم حائراً أمام العتبة الأخيرة للحياة: لحظة الموت. هل هي نهاية كل شيء؟…