لطالما احتل الزعتر مكانة مقدسة في الذاكرة الشعبية والطبية العربية والعالمية، من تلال بلاد الشام إلى موائد المتوسط، ليس فقط كنكهة مميزة للطعام، بل كصيدلية متكاملة وهبته إياها الطبيعة. فهو الحارس الأمين للمناعة، والمحارب الشرس للالتهابات والميكروبات.
لكن، وكما هو الحال مع معظم الهبات الطبيعية، واجه العلماء والطب الحديث معضلة أزلية في التعامل مع مستخلصات الزعتر السائلة: فهي سريعة التبخر، صعبة المعايرة بدقة، وقد تتحول من دواء إلى داء يسبب تهيجاً للجلد أو الجهاز الهضمي إذا زادت الجرعة عن حدها الدقيق.
اليوم، ونحن في مطلع عام 2026، يحمل لنا المجتمع العلمي خبراً ساراً من روسيا، حيث نجح فريق بحثي مشترك من “جامعة تومسك” للفنون التطبيقية” و”جامعة سورجوت الحكومية” في تطوير تقنية ثورية تروض جموح هذه العشبة، محولة إياها إلى “جرعات نانوية” دقيقة للغاية، مما يفتح الباب واسعاً أمام جيل جديد من الأدوية الطبيعية عالية الكفاءة.
لماذا يصعب التعامل مع الزعتر طبيًا؟
قبل الخوض في الاكتشاف الجديد، يجب أن نفهم المشكلة. يحتوي الزعتر على مركبات فعالة قوية (مثل الثيمول والكارفكرول)، وهي زيوت طيارة تمنحه خصائصه المضادة للأكسدة والميكروبات. التحديات التي تواجه صناعة الأدوية عند استخدام هذه المستخلصات تتمثل في:
كبسولات “النانو” الذكية
نشرت دورية Physics of Fluids العريقة في عددها الصادر في يناير 2026، تفاصيل الابتكار الذي قدمه الباحثون الروس. الفكرة تكمن في “اصطياد” وحبس كميات دقيقة للغاية من مستخلص الزعتر داخل كبسولات سائلة مجهرية .
هذه الكبسولات تعمل كدروع واقية؛ فهي تحمي المستخلص من التبخر، وتمنع احتكاكه المباشر بالأنسجة الحية بتركيزات عالية، مما يقلل بشكل كبير من احتمالية التهيج.
كيف تعمل التقنية؟
اعتمد الفريق العلمي على تقنية متطورة تسمى “الموائع الدقيقة”، وهي تقنية تتعامل مع السوائل في قنوات دقيقة جداً (أصغر من شعرة الإنسان). ولتبسيط العملية للقارئ الكريم، يمكن تخيلها كالتالي:
التنظيم الذاتي والتحكم في الجرعة
أوضح الباحثون في ورقتهم العلمية أن هذه العملية تتميز بكونها “ذاتية التنظيم”. والأكثر إبهاراً هو إمكانية التحكم في حجم الجرعة (حجم القطرة) عن طريق تغيير سرعة تدفق الزيت فقط. هذا يعني أن العلماء يمكنهم الآن تصميم “جرعات نانوية” مفصلة حسب الحاجة العلاجية بدقة لم تكن متاحة من قبل في عالم الطب العشبي.
كيمياء الزعتر: حوار الجزيئات مع جهازك المناعي
عندما نشم رائحة الزعتر النفاذة، نحن في الحقيقة نستنشق مركبات عضوية متطايرة تنتمي لعائلة كيميائية تسمى “التربينات الأحادية الفينولية”. البطلان الرئيسيان هنا هما:
لماذا هذا مهم؟ التركيب الكيميائي لهذين المركبين يجعلهما “كارهين للماء” ومحبين للدهون. هذه الصفة هي سر قوتهما، وسر مشكلتهما في آن واحد!
آلية العمل: كيف يدمر الزعتر الميكروبات؟ (نظرية ثقب البالون)
تخيل أن البكتيريا أو الفيروس محاط بـ “سور” أو غشاء يحميه. هذا الغشاء يتكون أساساً من الدهون. بما أن الثيمول والكارفكرول “محبان للدهون”، فإنهما ينجذبان لهذا الغشاء البكتيري ويلتصقان به، مما يؤدي إلى:
هذه الآلية الفيزيائية تجعل من الصعب جداً على البكتيريا تطوير مقاومة ضد الزعتر، عكس المضادات الحيوية التقليدية.
الزعتر وجهاز المناعة: قائد الأوركسترا
لا يكتفي الزعتر بقتل الغزاة، بل يتحدث مباشرة مع جهازك المناعي. الدراسات تشير إلى أن الثيمول يعمل كمضاد للالتهاب من خلال مسارات محددة:
لماذا يعتبر الابتكار الروسي (الكبسولات النانوية) حاسماً كيميائياً؟
هنا نعود لربط الكيمياء بالخبر الصحفي السابق. ذكرنا أن الثيمول “كاره للماء”.
آفاق المستقبل
الزعتر ليس مجرد “علاج شعبي”؛ هو مركب كيميائي معقد يمتلك استراتيجية حربية ذكية: يخترق دفاعات العدو (البكتيريا) بفضل حبه للدهون، ويهدئ جبهة الدفاع الداخلية (المناعة) لمنع الالتهاب المفرط. واليوم، بفضل تكنولوجيا النانو، أصبحنا قادرين على إيصال هذا “الجندي الكيميائي” إلى أرض المعركة بدقة غير مسبوقة.
وعلى الرغم من أن الباحثين أشاروا إلى أن الطريق لا يزال طويلاً قبل اعتماد هذه التقنية في الأدوية الفموية (التي تبتلع عن طريق الفم) بشكل تجاري واسع، إلا أن النتائج الأولية واعدة للغاية. التقنية لا تقتصر على الزعتر فحسب، بل يؤكد العلماء إمكانية تطبيق نفس المنهجية لتغليف العديد من المستخلصات النباتية المائية الأخرى. وحالياً، يجري الفريق تجارب متقدمة على تركيبات أكثر تركيزاً تعتمد على الماء والكحول لزيادة الفاعلية.
نحو طب عشبي أكثر ذكاءً
إن ما قدمه هذا البحث المنشور في مطلع 2026 لا يعد مجرد تجربة معملية، بل هو خطوة حقيقية نحو دمج “حكمة الأجداد” المتمثلة في التداوي بالأعشاب، مع “دقة الأحفاد” المتمثلة في تكنولوجيا النانو والموائع الدقيقة. نحن أمام مستقبل لم يعد فيه التداوي بالأعشاب مجرد غلي للأوراق أو استخلاص عشوائي للزيوت، بل علم دقيق (Precision Medicine) يضمن للمريض الحصول على الفائدة الكاملة من الطبيعة، دون أي أضرار جانبية، وبجرعات مدروسة بذكاء الفيزياء والرياضيات.
إنه الزعتر، رفيقنا القديم، يعود إلينا شاباً، قوياً، وأكثر ذكاءً.
لطالما وقف العلم حائراً أمام العتبة الأخيرة للحياة: لحظة الموت. هل هي نهاية كل شيء؟…
في عالم تتسارع فيه عجلات التطور التكنولوجي بسرعة مذهلة، يطل علينا عام 2026 ليحمل في…
نافذة على الماضي السحيق: هل قتل المناخُ وحيد القرن الصوفي؟ جينات مستخلصة من "أمعاء ذئب"…
تخيل أنك تستيقظ في الصباح، تشعر بدوار شديد، ثقل في اللسان، وعدم اتزان في المشي،…
في عمق المحيطات الشاسعة، وتحت طبقات الجليد السرمدي (التربة الصقيعية التي تظل متجمدة لأعوام طويلة)…
في قلب مدينة "خفي" الصينية، يقبع وحش تكنولوجي يُعرف باسم "إيست"، أو المفاعل التجريبي المتقدم…