Ad

في ليلة علمية استثنائية، وتحت مظلة اتحاد مجالس البحث العلمي العربية، وبدعوة كريمة من الرابطة العربية للتقانات الحيوية، عشنا تجربة معرفية فريدة من نوعها. لم تكن مجرد ندوة افتراضية عابرة، بل كانت رحلة إبحار في “الماضي المكتوب” داخل خلايانا، وتاريخ الحياة الذي لا يُمحى.

تأتي هذه الندوة برعاية كريمة من معالي الأستاذ الدكتور عبد المجيد بن عمارة، وبتنسيق وإشراف دؤوب من معالي الأستاذ الدكتور أحمد مجدي جبر، أمين الرابطة، الذي لا يألو جهداً في مد جسور التواصل مع طيورنا المهاجرة من القامات العلمية المرموقة.

العبادي.. عندما يتحدث سفير العلم العربي

كان ضيفنا هو الصديق العزيز والعالم المصري الأمريكي القدير الأستاذ الدكتور مجدي العبادي، أستاذ علم الجينوم بجامعة جورجيا. العبادي ليس مجرد باحث، بل هو مرجع دولي قاد “مركز جورجيا للجينوم والمعلوماتية الحيوية” لسنوات. بمسيرة تمتد لربع قرن وأكثر من 32 بحثاً في أرقى المجلات مثل Cell وPNAS. نقل إلينا البروفسير مجدي العبادي عصارة خبرته في محاضرة حملت عنواناً مثيراً: Hidden Genomes, Hidden Histories: What DNA Reveals About Life and Loss” كشف خلالها عن آفاق جديدة لربط علوم الجينوم بالواقع البيئي، الجنائي، والتطوري، موضحاً كيف يمكن للحمض النووي أن يكون “الشاهد الصامت” على تاريخ الحياة.

دمجت المحاضرة بين دقة التحليل الجيني وعمق التفسير المعلوماتي، حيث لخص الدكتور العبادي رؤيته في أربعة مسارات متوازية:

  1. تطور جينوم النبات.
  2. الجينومات البيئية (eGenomes).
  3. استعادة الحمض النووي البشري (MIA).
  4. ترصد الفيروسات ومقاومة المضادات الحيوية.

اتسم الطرح بالمرونة العلمية العالية، حيث استطاع الدكتور العبادي تبسيط “البيانات الضخمة” وتحويلها إلى قصص إنسانية وتطورية مفهومة، مما يعكس خبرة دولية نادرة في هذا المجال.

الإبداع الوظيفي.. الزيادة لا النقصان

بدأ الدكتور مجدي بطرح رؤية فلسفية علمية عميقة، مؤكداً أن محرك التطور والابتكار الوظيفي في الكائنات الحية يكمن في اكتساب الجينات (Gene gain) وليس فقدانها. واستعرض من خلال مخططات “فين” المعقدة كيف تساهم التوسعات الجينية في تمكين الكائنات من التكيف مع بيئاتها، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم مرونة الحياة.

الحمض النووي البيئي (eDNA).. أرشيف الأرض الصامت

انتقل بنا العبادي إلى عالم الجينوم البيئي، حيث أوضح أن التربة والرواسب ليست مجرد جماد، بل هي سجل بيولوجي هائل. عرضت الندوة بيانات مذهلة لأخذ عينات من “عالم الواقع”، حيث شكلت البكتيريا 77% من المحتوى، مع ظهور لافت لآثار بشرية (Homo sapiens) بمعدل 50,065 قراءة جينية، مما يثبت أن الحمض النووي “يختبئ” في كل مكان حولنا بانتظار من يقرأه.

البعد الإنساني: فك شفرات الفقد واستعادة المفقودين

لعل الجانب الأكثر تأثيراً في حديث الدكتور مجدي هو تسخير العلم لخدمة الإنسانية عبر تقنية “استعادة المفقودين” (Recovery of the Missing). شرح ببراعة كيف يمكن للمعلوماتية الحيوية أن تفرق بين الحمض النووي “الأصيل” المتحلل بفعل الزمن وبين التلوث الحديث عبر تقنية (Degradation Profiling).

ولم يكتفِ بالجانب النظري، بل استعرض تطبيقاً عملياً في “بيرو” يوضح كيف تساهم خرائط التوزيع الجيني في تحديد مواقع الرفات البشرية، محولاً المختبر إلى أداة لتحقيق العدالة وجبر خواطر العائلات المكلومة.

عين على المستقبل.. ترصد الأوبئة والمقاومة

ختم الدكتور العبادي جولته بتسليط الضوء على مقاومة المضادات الحيوية (AMR). أوضح أن الجينومات البيئية تعمل “كنظام إنذار مبكر” يكشف عن جينات المقاومة المختبئة في الطبيعة قبل وصولها إلى المستشفيات، مستخدماً قواعد بيانات متطورة مثل Resfinder لفك شفرات هذه التهديدات الصامتة.

التوصيات العلمية المنبثقة عن الويبنار

بناءً على العرض العلمي والنتائج البحثية التي قدمها أ.د. مجدي العبادي، يوصي المشاركون في الندوة بالآتي:

  1. على الصعيد التقني والبحثي:
  • تبني تقنيات التسلسل الجيني الحديثة (NGS/SMRT): ضرورة توطين تقنيات التسلسل الجيني من الجيل الثالث في المختبرات العربية، لقدرتها الفائقة على قراءة التتابعات الجينية المعقدة والطويلة، خاصة في بحوث تطوير المحاصيل الاستراتيجية.
  • التوسع في دراسات الجينوم البيئي (eDNA): تشجيع الفرق البحثية على استخدام الحمض النووي البيئي كأداة غير جراحية (Non-invasive) لمراقبة التنوع البيولوجي في المنطقة العربية، ورصد التغيرات البيئية بدقة وموثوقية عالية.
  • على صعيد التطبيقات الإنسانية والجنائية:
  • تفعيل “علم جينوم المفقودين“: التوصية بإنشاء وحدات متخصصة في المعلوماتية الحيوية الجنائية، تستخدم “نماذج التحلل الجيني” (Degradation Profiling) للمساعدة في تحديد هوية الرفات البشرية في مناطق النزاعات أو الكوارث الطبيعية، مما يعزز الدور الإنساني للتقانات الحيوية.
  • تطوير قواعد بيانات مرجعية عربية: العمل على بناء قاعدة بيانات جينية موحدة للمجموعات السكانية العربية، لتعزيز دقة التحليلات الجنائية والطبية الشخصية.
  • على صعيد الصحة العامة (مقاربة “صحة واحدة”):
  • إنشاء نظام إنذار مبكر لمقاومة المضادات الحيوية (AMR): البدء بمشروعات رصد بيئي شاملة للكشف عن جينات المقاومة المختبئة في التربة والمياه في المدن العربية، باستخدام تقنيات “الميتاجينوميات” للتنبؤ بالأزمات الصحية قبل وقوعها.
  • ترصد الفيروسات الناشئة: استكمالاً لنجاحات رصد SARS-CoV-2، يوصى بتعميم بروتوكولات الرصد الجيني للفيروسات في البيئة المحيطة كأداة استباقية لإدارة الأوبئة.
  • على صعيد التدريب وبناء القدرات:
  • الاستثمار في المعلوماتية الحيوية (Bioinformatics): المحاضرة أثبتت أن القيمة الحقيقية ليست في جمع البيانات بل في تحليلها؛ لذا نوصي بإطلاق برامج تدريبية مكثفة للباحثين الشباب على “أنابيب التحليل” (Pipelines) التي استعرضها الدكتور العبادي.
  • تعزيز التعاون مع الطيور المهاجرة: مأسسة التعاون مع العلماء العرب في الخارج (مثل جامعة جورجيا) من خلال مشروعات بحثية مشتركة وإشراف أكاديمي مزدوج لنقل الخبرات المتقدمة.
  • على الصعيد الأكاديمي وتطوير المناهج:
  • تحديث الخطط الدراسية في كليات العلوم والزراعة والطب: دمج مساقات متخصصة في “الميتاجينوميات” (Metagenomics) وعلم “الجينوم البيئي” ضمن برامج البكالوريوس والدراسات العليا، وعدم الاكتفاء بعلم الوراثة التقليدي.
  • التركيز على المختبرات الافتراضية والحوسبة الحيوية: التوصية بأن تتضمن المناهج تدريباً عملياً على برمجيات التحليل الجيني (مثل التي استعرضها الدكتور العبادي) لتمكين الطلاب من التعامل مع “البيانات الضخمة” (Big Data) بدلاً من مجرد الدراسة النظرية.
  • استحداث برامج بينية (Interdisciplinary): تشجيع التخصصات التي تجمع بين التقانات الحيوية، وعلم الآثار، والقانون الجنائي، والذكاء الاصطناعي، لتخريج كوادر قادرة على العمل في مشاريع معقدة مثل “استعادة المفقودين”.
  • على صعيد التمويل والشراكات الاستراتيجية:
  • تأسيس “الصندوق العربي للبحوث الجينية السيادية“: دعوة اتحاد مجالس البحث العلمي العربية لإنشاء صندوق لتمويل المشروعات القومية الكبرى، مثل “الأطلس الجيني العربي” أو مراقبة جينات المقاومة (AMR)، لتقليل الاعتماد على المنح الدولية المشروطة.
  • دعم “تمويل البحوث الإنسانية“: تخصيص ميزانيات محددة لمشاريع التقنيات الحيوية ذات البعد الإنساني والوطني، مثل رصد رفات الضحايا في مناطق الأزمات، كجزء من المسؤولية المجتمعية للعلم.
  • تشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP): تحفيز شركات الأدوية والمختبرات الخاصة على تمويل أبحاث “ترصد الأوبئة” مقابل الاستفادة من قواعد البيانات والنتائج البحثية في تطوير علاجات أو أدوات تشخيصية جديدة.
  • منح “جسور المعرفة“: إطلاق برنامج تمويلي خاص لدعم المشروعات البحثية التي يشرف عليها علماء عرب في الخارج بالتعاون مع باحثين داخل الوطن العربي، لضمان انتقال التكنولوجيا (Technology Transfer) بشكل عملي.

ختاماً.. إن مثل هذه اللقاءات التي تجمع بين الرصانة العلمية والرسالة الإنسانية هي ما نحتاجه في وطننا العربي. شكراً للبروفيسور مجدي العبادي على هذا الإلهام، وشكراً لاتحادنا ورابطتنا على هذا التنظيم الراقي. لقد تعلمنا اليوم أن الجينومات قد تكون مخفية، لكن الحقائق التي تحملها لا تموت أبداً.

طارق قابيل
Author: طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير...

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


أكاديمية البحث العلمي

User Avatar

د. طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير علمه وخدمة مجتمعه. وقد ترك بصمة واضحة في مجال العلوم الأساسية، وفتح آفاقًا جديدة للباحثين الشبان.


عدد مقالات الكاتب : 142
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *