د. طارق قابيل
نعيش اليوم في عصر استثنائي، حيث لم تعد الحقيقة العلمية هي المحرك الوحيد لقرار الجمهور. في عام 2026، نجد أنفسنا أمام مشهد معقد؛ فبينما يتقدم العلم بخطوات عملاقة، يواجه التواصل العلمي (Science Communication) تحديات غير مسبوقة ناتجة عن تصاعد الحركات الشعبوية، والأنظمة السلطوية، والتيارات اليمينية المتطرفة. هذه القوى لا تكتفي بتجاهل العلم، بل تسعى أحياناً لتقويضه والتشكيك في نزاهته.
هذا التقرير يستعرض الرؤى التحليلية التي قدمها نخبة من الباحثين، وعلى رأسهم “فابيان ميدفيكي” و”أنيت ليسمولمان”، حول كيفية إعادة صياغة العلاقة بين العلم والجمهور في ظل “رياح سياسية” متقلبة، وكيف يمكن للمتخصصين حماية الحقيقة في بيئة رقمية مشحونة بالعواطف ومنحازة ضد الحقائق.
التحديات الستة لإعادة بناء الثقة في العلم
لقد حدد الباحثون ست ركائز أساسية يجب على المتواصلين العلميين (الأشخاص الذين ينقلون المعرفة العلمية للجمهور) تبنيها لمواجهة الواقع الجديد:
يرى الباحث “غرانت” (Grant, 2026) أن التواصل العلمي الجيد لن ينجح ما لم تتغير “منطق المنصات” إن شبكات التواصل الاجتماعي الحالية تعتمد على الإثارة وجذب الانتباه، مما يهمش الحقائق الرصينة.
العلم لا يعيش في برج عاجي. التواصل العلمي الذي يتجاهل ألعاب القوة السياسية سيظل ضعيفاً. في عالم تسيطر عليه المصالح، يجب أن يكون صوت العلم قوياً ومدركاً للتوازنات السياسية. التواصل ليس مجرد نقل معلومات، بل هو ممارسة ديمقراطية تهدف لتمكين الشعوب.
أثبتت التجارب، خاصة في دول مثل إسبانيا والبرازيل، أن فشل الحكومات في التواصل أثناء الأزمات (مثل الأوبئة أو الكوارث البيئية) يؤدي إلى انهيار الثقة في العلم ككل.
بدلاً من الاكتفاء بإلقاء المحاضرات على الجمهور، يجب تحويل التواصل العلمي إلى “ممارسة ديمقراطية”. هذا يعني إشراك المواطنين في عمليات اتخاذ القرار العلمي، مما يعزز شعورهم بالانتماء للمسيرة العلمية ويقطع الطريق على المشككين .
يقترح الباحثان “تومي” و”إليوت” (Toomey & Elliott, 2026) التوقف عن محاولة “إقناع” منكري العلم بالحقائق المجردة فقط، لأن هؤلاء غالباً ما يتحركون بدوافع أيديولوجية.
في زمن “ما بعد الحقيقة”، حيث تسبق العاطفة الواقع، يقترح “فان أودهوسدن” و”ويلمز” (2026) أن يتبنى التواصل العلمي أسلوباً “أدائياً”. هذا لا يعني تزييف الحقائق، بل يعني تقديم العلم بطريقة جذابة ومؤثرة تضاهي قوة الرسائل السياسية، لضمان وصولها للجمهور وتأثيرها فيهم.
التواصل العلمي والاستقطاب السياسي (نموذج البرازيل وإسبانيا)
أشارت الدراسات الحديثة (Neves et al., 2026) إلى أن الأجندات الشعبوية، كما حدث في البرازيل، استغلت الجوائح لتسييس العلم وتحويله إلى ساحة للصراع. هذا الاستقطاب (Polarization) يتطلب من المتواصلين العلميين عدم الوقوف في موقف الدفاع فقط، بل المبادرة لبناء جسور تواصل تتجاوز الانتماءات السياسية، والتركيز على القيم الإنسانية المشتركة.
خارطة الطريق للمستقبل
إن التحدي الذي يواجهنا ليس نقصاً في المعلومات، بل هو “ارتباك رقمي وسياسي”. إن إصلاح التواصل العلمي يتطلب:
نحو عقد اجتماعي جديد بين العلم والمجتمع
ختاماً، إن التواصل العلمي في عام 2026 ليس مجرد ترف أكاديمي، بل هو ضرورة وجودية لحماية المجتمعات الديمقراطية. إننا بحاجة إلى الانتقال من “نموذج العجز” (Deficit Model) -الذي يفترض أن الجمهور يفتقر للمعلومات فقط- إلى نموذج “التمكين والمشاركة”. يجب أن يظل التواصل العلمي شاملاً ومستوعباً للتنوع، وقادراً على الصمود أمام “رياح السياسة” من خلال التمسك بالقيم الأخلاقية، والجرأة في مواجهة القوى التي تسعى لتهميش الحقيقة.
المصادر والمراجع:
بقلم: د. طارق قابيل في عالمنا المعاصر، لم يعد العلم محبوساً داخل أسوار المختبرات الموصدة…
إذا لم تسمع بالآبار المدرجة في الهند من قبل، لا داعي للقلق، فأنت لست وحيدًا.…
في عالم الجرائم البيئية، اعتدنا سماع أخبار ضبط شحنات من عاج الأفيال أو جلود النمور،…
تعد حضارة الهند واحدة من أقدم وأغنى الحضارات الإنسانية، حيث تمتد جذورها إلى أكثر من…
على مر العصور، ظل الكهرمان - وهو صمغ أشجار متحجر - بمثابة "الفلاش ميموري" للطبيعة،…
بصمة الحشرات الشرعية: كيف كشف علماء جامعة القاهرة "شفرة المورفين" في جرائم القتل؟ في الصمت…