تاريخ

إمحوتب: رائد الهندسة والطب في العالم القديم

في كل عصر هناك عباقرة يغيرون مسار التاريخ. أنت تعرف الكثير عن نيوتن، وأينشتاين، وأديسون، والخوارزمي، وأرسطو، وغيرهم. أما في العالم القديم، فلا أحد يضاهي إموحتب في شهرته وعبقريته. يمثل إموحتب الوجه المشرق للحضارة المصرية القديمة وريادتها. وفقًا لما تداوله القدماء، كان إمحوتب وزيرًا وكاهنًا ومهندسًا وطبيبًا وحكيمًا وفلكيًا. تميز ونبغ في كل شيء، وشملت اهتماماته كافة مناحي الحياة.

إموحتب

الوزير

إمحوتب-تعني الآتي في سلام بالمصرية القديمة-معروف بأنه وزير الملك زوسر، وباني هرمه المدرج. ترجح بعض المصادر أيضًا أنه عمل في خدمة خلفاء زوسر من ملوك الأسرة الثالثة. ولد إموحتب بين العامة، وبفضل مواهبه أصبح الرجل الأكثر نفوذًا في مصر. حمل ألقابًا عديدة منها:

  • الأول بعد ملك مصر العليا
  • مدير القصر الكبير
  • مستشار ملك مصر السفلى
  • كاهن هليوبوليس الأكبر
  • كبير النحاتين والبنائين

يبدو أن زوسر كان معجبًا للغاية بوزيره حيث دونت هذه الألقاب على آثار الملك الشخصية خلافًا للقاعدة السائدة بتدوين اسم الملك فقط عليها.

المهندس

هرم زوسر المدرج بسقارة

تكونت المقابر قبل زوسر من مصطبة واحدة. لكن الأمر اختلف على يد إمحوتب الذي بنى الهرم المدرج المكون من ست مصاطب بارتفاع 61 مترًا. يعد هرم زوسر أقدم بناء هرمي في التاريخ. كما يعد أول بناء من الحجر الجيري في التاريخ. حيث استخدم الحجر الجيري المقطوع على شكل طوب بدلا من استخدام الطوب المصنوع من الطين. تم بناء الهرم للداخل بدلًا من بنائه بشكل عمودي لتقليل الجهد المطلوب لبنائه. الأحجار منحنية قليلًا للداخل نحو المركز لتزيد استقرار بنيته وتقلل فرصة انهياره. يحتوي الهرم من الخارج على 13 بابًا كلها مزيفة عدا بابًا واحدًا. أعاد إمحوتب تصميم المقابر كليًا محافظًا على التقاليد القديمة في نفس الوقت، فالأعمدة تشبه حزم البردي والقصب، والنقوش والزخارف هي نفسها المستخدمة في المقابر الطينية.

Related Post
التصميم الداخلي للهرم المدرج

يرجح العلماء أيضًا مساهمة إموحتب في بناء هرم الملك “سيخمخت” الذي لم يكتمل لوفاته بعد 6 سنوات فقط من توليه الحكم، تاركًا خلفه قاعدة ومصطبة أولى لهما ذات الطابع المعماري الخاص بإمحوتب. كما حمل الهرم غير المكتمل لولي عهده “خابا”-الذي توفي قبل إتمامه أيضا-الطابع ذاته. لا نعرف من بنى هذين الهرمين بالتحديد. إما إمحوتب، أو من تأثروا بطابعه في البناء.

الطبيب

بالرغم من غياب الأدلة العائدة إلى عصر إموحتب حول ممارسته الطب، إلا أنه اشتهر قديمًا بقدراته الشفائية كون الكاهن الأكبر في الدولة القديمة هو كذلك الطبيب الأكبر. كما تعتبر بردية إدوين سميث التي تعود لسنة 1600 قبل الميلاد-أي بعد قرون من وفاة إمحوتب- نسخة حديثة عن مخطوطة طبية كتبها إمحوتب بنفسه. اشتملت البردية المسماة نسبة لجامع الآثار الذي اشتراها في القرن التاسع عشر على وصف 48 إصابة مختلفة وكيفية تشخيصها وعلاجها. على عكس معظم المراجع القديمة، قليلًا ما أتت البردية على ذكر السحر أو استعماله. كما تعد أول مخطوطة تتعرض لأخلاقيات الطب، حيث يبتدئ الطبيب توقعاته للمريض بذكر إذا ما كان المرض قابلًا للعلاج أم صعب العلاج أم يستحيل علاجه، بما يفسح المجال للثقة بين الطبيب ومريضه، ويحافظ على سمعة الطبيب بإخباره سلفًا باحتمالية فشل العلاج.

بردية إدوين سميث

الإله

ظل إمحوتب موضع احترام وتقدير من المصريين والحكام طوال عهد الأسرة الثالثة. وبعد وفاته بحوالي مئة عام اعتبره المصريون نصف إله. وبحلول عصر رمسيس الثاني أطلق عليه ابن الإله بتاح. وفي عصر الأسرة 26 في فترة الغزو الفارسي أصبح إلها كاملًا للشفاء. ثم أصبح خلال حكم اليونانيين والرومان نظيرًا للإله “اسكبيلوس” إله الطب، وبنيت له معابد في ممفيس وجزيرة فيلة حيث كان يتوافد المرضى ويبيتون هناك طلبًا للشفاء. ونقش اسمه في معابد الأباطرة “تيبيريوس” و”كلوديوس” كإله للشفاء.

ترك إمحوتب خلفه تراثًا ثريًا من الشعر والكتابات الدينية والملاحظات العلمية والهندسية التي لم تصلنا ولكنها ذكرها الكتاب القدماء الذين أتوا بعده.

لقد كان إمحوتب رائدًا عظيمًا فتح الباب لمن بعده بفضل فكرته الفريدة في استخدام الحجر الجيري لأول مرة في البناء. لولاه لما وجدت أهرامات الجيزة والمعابد الشامخة في مصر والتي نقل عنها اليونانيون ثم الرومان. مثلت عبقريته تحولًا في تاريخ الهندسة والطب، وألهم من أتوا بعده حتى اشتد عود الحضارة المصرية القديمة وأصبحت سيدة العالم القديم بفضل إمحوتب وغيره الكثيرين الذين ظلوا جنودًا مجهولين في كافة نواحي الحضارة. واستحق أن يرفعه المصريون من منزلة العامة إلى سماء الآلهة.

المصادر

1.Britannica
2.Ancient.eu
3.Pubmed

Author: Mahmoud Ebied

طالب بكلية الطب جامعة الأسكندرية، ومهتم بنشر العلوم والمعرفة باللغة العربية.أنت صديقي من الآن فصاعدًا♥.

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
Mahmoud Ebied

طالب بكلية الطب جامعة الأسكندرية، ومهتم بنشر العلوم والمعرفة باللغة العربية.أنت صديقي من الآن فصاعدًا♥.

Share
Published by
Mahmoud Ebied

Recent Posts

لغز “كبسولة الزمن”: هل ينسجم اكتشاف ملكة الكهرمان من عصر “الميوسين” مع نظرية التطور؟

على مر العصور، ظل الكهرمان - وهو صمغ أشجار متحجر - بمثابة "الفلاش ميموري" للطبيعة،…

6 أيام ago

دراسة رائدة بجامعة القاهرة تمنع إدانة الأبرياء وتكشف كيف تستنطق “الذبابة الزرقاء” جثث الضحايا لكشف المخدرات؟

بصمة الحشرات الشرعية: كيف كشف علماء جامعة القاهرة "شفرة المورفين" في جرائم القتل؟ في الصمت…

أسبوعين ago

إرث “زويل”.. من “نبضة الليزر” إلى “نهضة الوطن”

هل تخيلت يوماً أن بإمكاننا تصوير حركة الذرات وهي تتفكك أو تترابط؟ بالنسبة للعلماء قبل…

أسبوعين ago

مأساة القرد “بانش”: حينما تخذل الطبيعة صغارها وتحولهم منصات التواصل إلى “أيقونات حزينة”

بين غريزة الأمومة وقسوة القطيع: القصة العلمية الكاملة لقرد المكاك "بانش" والدرس المأساوي خلف "التريند"…

أسبوعين ago

مستقبل البحث العلمي في مصر: قراءة في تقرير “الاستقلال البحثي” لجامعة بني سويف

مستقبل البحث العلمي في مصر: قراءة في تقرير "الاستقلال البحثي" لجامعة بني سويف (2022-2025). في…

أسبوعين ago

“التنين الجيني” يطلق زفيره: الصين تعيد صياغة دستور الوراثة وقوانين الأخلاق في 2026

في عام 2026، لم يعد السؤال هو "من يمتلك التكنولوجيا؟" بل "من يمتلك الجرأة والسرعة…

3 أسابيع ago