هل تخيلت يوماً أن بإمكاننا تصوير حركة الذرات وهي تتفكك أو تترابط؟ بالنسبة للعلماء قبل عام 1999، كان هذا الأمر ضرباً من الخيال، فالتفاعلات الكيميائية تحدث بسرعة البرق، بل أسرع بمليارات المرات. لكن العالم المصري الأمريكي أحمد زويل، كسر هذا القيد، ومنح البشرية “مجهراً زمنياً” يرى ما لا يرى. لم يكن زويل مجرد باحث، بل كان سفيراً للعلم، أثبت أن الإرادة قادرة على تطويع أدق تفاصيل الكون.
النشأة والبدايات: بذور العبقرية
وُلد أحمد حسن زويل في 26 فبراير 1946 بمدينة دمنهور بجمهورية مصر العربية. نشأ في بيئة تقدّر العلم، والتحق بجامعة الإسكندرية حيث حصل على بكالوريوس العلوم بامتياز مع مرتبة الشرف. لم يتوقف طموحه عند حدود النيل، فشد الرحال إلى الولايات المتحدة للحصول على الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا، ليبدأ رحلة استكشافية في عالم الليزر والجزيئات.
الاختراق العلمي: ولادة “كيمياء الفيمتو”
القيمة الحقيقية لما قدمه زويل تكمن في ابتكاره لمجال كيمياء الفيمتو. قبل زويل، كان العلماء يعرفون المواد الداخلة في التفاعل والمواد الناتجة عنه، لكن ما يحدث “في المنتصف” كان سراً غامضاً يسمى “الحالة الانتقالية”.
ما هو الفيمتو ثانية؟
الفيمتو ثانية (Femtosecond) هو جزء من مليون مليار جزء من الثانية. ولتقريب الصورة للقارئ، فإن النسبة بين الفيمتو ثانية والثانية الواحدة، تشبه النسبة بين ثانية واحدة و32 مليون سنة!
استخدم زويل نبضات ليزر فائقة القصر لتعمل مثل “الفلاش” في كاميرات التصوير السريع، مما سمح برصد حركة الذرات والجزيئات أثناء التفاعل الكيميائي بدقة متناهية.
جائزة نوبل وما وراءها
في عام 1999، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح أحمد زويل جائزة نوبل في الكيمياء منفرداً. كان هذا التكريم اعترافاً بأنه فتح نافذة جديدة تماماً للعلوم، مكنتنا من فهم كيفية عمل الأدوية داخل الجسم، وكيفية تطوير مواد جديدة للطاقة.
لم يتوقف زويل عند الفيمتو كيمياء. في سنواته الأخيرة بـ “كالتيك” (معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا)، طور المجهر الإلكتروني رباعي الأبعاد. هذا الابتكار لم يكتفِ بتصوير شكل المادة فحسب، بل صور “حركتها عبر الزمن”، مما فتح آفاقاً مذهلة في علم الأحياء المجهري وعلوم المواد.
المجهر الإلكتروني رباعي الأبعاد.. رحلة في أعماق “الحياة” المتحركة
لطالما كانت المجاهر التقليدية تقدم لنا صوراً “ميتة” أو ساكنة للجزيئات، تماماً كمن يشاهد صورة فوتوغرافية للاعب كرة قدم، يعرف شكله لكنه لا يرى مهارته في الحركة. لكن البروفيسور أحمد زويل أن يتوقف عند جائزة نوبل، فابتكر المجهر الإلكتروني رباعي الأبعاد (4D Ultrafast Electron Microscopy)، وهو الجهاز الذي لم يكتفِ بتصوير أدق تفاصيل المادة، بل صور “رقصتها” مع الزمن، ليفتح فصلاً جديداً في كتاب الطب والفيزياء الحيوية.
كيف يعمل “مجهر زويل” وما هي معجزاته الطبية؟
في الفيزياء، الأبعاد الثلاثة هي (الطول، العرض، الارتفاع)، وهي التي تعطينا شكل المجسم. أما البعد الرابع الذي أضافه زويل في مجهره فهو الزمن (Time). المجهر رباعي الأبعاد يدمج بين قدرة المجهر الإلكتروني على التكبير الهائل (رؤية أشياء أصغر بمليون مرة من خصلة الشعر) وبين سرعة الليزر في التقاط الزمن بالفيمتو ثانية. والنتيجة هي “فيلم فيديو” حقيقي لحركة الذرات داخل الخلايا الحية.
لغز طي البروتينات وعلاج الأمراض المستعصية
من أهم التطبيقات الطبية لهذا المجهر هو فهم كيفية “طي البروتين”. البروتينات في أجسامنا هي سلاسل طويلة يجب أن تطوى بشكل هندسي دقيق جداً لكي تعمل.
المشكلة: إذا حدث خطأ في هذا الطي (Misfolding)، تتحول البروتينات إلى مواد سامة تهاجم الجسم.
دور مجهر زويل: سمح هذا الاختراع للعلماء بمراقبة عملية الطي لحظة بلحظة. هذا الفهم هو المفتاح الذهبي لعلاج أمراض مثل:
تصميم الأدوية الذكية
بفضل تقنية الـ 4D، لم يعد تصميم الدواء يعتمد على التجربة والخطأ فقط. الآن، يمكن للباحثين رؤية كيف يلتصق جزيء الدواء بالمستقبلات داخل الخلية في “الزمن الحقيقي”. هذا يتيح:
تكنولوجيا النانو والطب الحيوي
المجهر يتيح أيضاً دراسة المواد النانوية التي تستخدم كحوامل للأدوية. يمكننا الآن رؤية كيف تتحلل هذه المواد داخل الجسم وكيف تطلق الدواء في المنطقة المصابة بالضبط، مما يمثل ثورة في العلاج الموجه.
إن ابتكارات زويل ليست مجرد معادلات في الكتب؛ بل هي أساس للعديد من التطورات الطبية الحالية:
فهم الأمراض: بفضل تقنيات التصوير التي ابتكرها، يستطيع العلماء الآن فهم كيفية طي البروتينات في الجسم، وهو أمر حيوي لعلاج أمراض مثل “ألزهايمر”.
تصميم الأدوية: تساعد سرعة رصد التفاعلات في ابتكار أدوية أكثر دقة وأقل آثاراً جانبية.
الإرث الحي
قد يبدو الكلام عن “الفيمتو” و”الإلكترونات” بعيداً عن حياتنا اليومية، لكنه في الحقيقة هو الأساس الذي ستبنى عليه علاجات العقد القادم. إن قدرتنا على رؤية “حركة الحياة” تعني قدرتنا على إصلاح أعطالها (الأمراض) بدقة متناهية. أحمد زويل لم يقدم لنا جهازاً، بل قدم لنا “بصيرة” طبية لم تكن موجودة من قبل.
إن المجهر الإلكتروني رباعي الأبعاد هو الجسر الذي عبر عليه زويل من الكيمياء النظرية إلى الطب العملي. براءة الاختراع التي سجلها عام 2009 لهذا الجهاز هي اليوم العمود الفقري لأبحاث “كالتيك” و”مدينة زويل”، حيث يسعى تلامذته لتطوير “أتو ميكروسكوب (Attomicroscope) “ليكون أسرع بألف مرة، فاتحين آفاقاً كانت تعتبر من المستحيلات.
إذا كانت جائزة نوبل قد كافأت زويل على “تصوير السكون”، فإن المجهر رباعي الأبعاد هو جائزته للبشرية لفهم “سر الحركة والحياة”، وهو ما سيجعل من علاج أعقد الأمراض أمراً ممكناً في المستقبل القريب.
يؤكد كاتب المقال الدكتور طارق قابيل في كتاباته أن أحمد زويل لم يكن مجرد كيميائي بارع، بل كان “مشروعاً حضارياً” متكاملاً. لم يكتفِ زويل باقتناص جائزة نوبل والجلوس على عرش العلم في “كالتيك”، بل عاد بقلبه وعقله ليبني في وطنه مصر “مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا”، لتكون قاطرة التنمية التي تنقل العرب من مقاعد المتفرجين إلى منصات المبدعين. ويشير إلى أن عبقرية زويل في تأسيس مدينته العلمية لم تكن في المباني، بل في “الفلسفة التعليمية“، حيثتعتمد المدينة على نظام يربط بين البحث الأكاديمي واحتياجات السوق، وهو ما يسمى في الأوساط العلمية “مثلث المعرفة”.
رحل أحمد زويل “أبو كيمياء الفيمتو”، العالم الذي طوع الليزر لخدمة البشرية، ورفع اسم العرب في المحافل الدولية، عن عالمنا في عام 2016، لكنه ترك خلفه صرحاً علمياً شامخاً (مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا في مصر) وجيلاً من العلماء الذين يكملون مسيرته. لقد أثبت زويل أن الزمن ليس مجرد رقم على الساعة، بل هو مسرح لأعظم العمليات الحيوية التي تبني الوجود.
رسالة للشباب العربي:
كان زويل يؤمن أن “العلم لا وطن له، ولكن للعالم وطن”، وكان يحث دائماً على الاستثمار في البحث العلمي كسبيل وحيد لنهضة الشعوب.
بين غريزة الأمومة وقسوة القطيع: القصة العلمية الكاملة لقرد المكاك "بانش" والدرس المأساوي خلف "التريند"…
مستقبل البحث العلمي في مصر: قراءة في تقرير "الاستقلال البحثي" لجامعة بني سويف (2022-2025). في…
في عام 2026، لم يعد السؤال هو "من يمتلك التكنولوجيا؟" بل "من يمتلك الجرأة والسرعة…
من الخيال العلمي إلى الحقيقة: الروبوتات الصينية تتقن "الكونغ فو" وتكسر أرقام السرعة العالمية لم…
في ليلة علمية استثنائية، وتحت مظلة اتحاد مجالس البحث العلمي العربية، وبدعوة كريمة من الرابطة…
منذ فجر التاريخ، كانت مصر قبلة الباحثين عن كُنه الحياة، وعلى ضفاف نيلها الخالد نُقشت…