بيئة

أول خدمة لتخزين ثاني أكسيد الكربون في العالم ستكون جاهزة في النرويج

تقف النرويج على أعتاب إنجاز ثوري في مكافحة تغير المناخ. ومن المقرر أن تفتتح البلاد هذا الأسبوع مشروع الشفق القطبي الشمالي (Northern Lights)، وهو عبارة مشروع لتخزين ثاني اكسيد الكربون تحت قاع البحر في النرويج. والذي يعد بتخزين الانبعاثات التي يتم التقاطها من مداخن المصانع في أوروبا.

ويهدف المشروع، وهو مشروع مشترك بين شركات النفط العملاقة إكوينور، وشركة شل الأنجلو هولندية، وتوتال إنيرجي، إلى منع انبعاث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، وبالتالي المساعدة في وقف تغير المناخ.

انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتغير المناخ

غالبًا ما يُشار إلى ثاني أكسيد الكربون، وهو غاز عديم اللون والرائحة، على أنه “العدو الخفي” لكوكبنا. إنه نتيجة ثانوية للأنشطة البشرية، مثل حرق الوقود الأحفوري، وإزالة الغابات، والعمليات الصناعية، التي أدت إلى زيادة مثيرة للقلق في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

والعواقب موثقة بشكل جيد، مثل ارتفاع درجات الحرارة العالمية، وذوبان القمم الجليدية القطبية، وحدوث أحداث مناخية متطرفة مثل الأعاصير والجفاف. يتفق المجتمع العلمي على أن السبب الرئيسي وراء تغير المناخ هو الإطلاق المفرط للغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي، وخاصة ثاني أكسيد الكربون، إلى الغلاف الجوي.

ضع في اعتبارك ما يلي، منذ الثورة الصناعية، أطلقت الأنشطة البشرية أكثر من 1.5 تريليون طن من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي. وقد أدى ذلك إلى زيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون بنسبة 40%، من 280 جزءًا في المليون إلى أكثر من 415 جزءًا في المليون اليوم.

وقد حذر كبار علماء المناخ في العالم من أننا بحاجة إلى الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة لتجنب أسوأ آثار تغير المناخ. ولتحقيق هذه الغاية، يتعين علينا أن نعمل على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشكل كبير وسريع. السؤال هو كيف يمكننا أن نفعل هذا؟

مشروع تخزين ثاني اكسيد الكربون في النرويج

تبدأ الرحلة باحتجاز انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في مواقع المصانع، والتي يتم بعد ذلك تسييلها ونقلها بالقوارب إلى المحطة الواقعة في جزيرة أويجاردن (Oygarden). وهي المحور الأساسي لهذه العملية. وهنا، سيتم تخزين ثاني أكسيد الكربون المسال في خزانات لامعة، في انتظار رحلته إلى قاع البحر.

سوف يمتد خط أنابيب عملاق غير مرئي من شواطئ بحر الشمال إلى عمق حوالي 2.6 كيلومتر تحت قاع البحر. حيث سيتم فيه حقن ثاني أكسيد الكربون المسال. مما يمثل المرحلة النهائية من عملية نقل وتخزين الغاز لمشروع الشفق القطبي الشمالي.

Related Post


ولكن كيف تتم عملية الحقن هذه؟ بشكل أساسي، يتم ضخ ثاني أكسيد الكربون إلى التكوينات الصخرية تحت ضغط هائل، حيث سيظل محتجزًا لملايين السنين. وتعمل التكوينات الصخرية كقفل طبيعي، مما يمنع ثاني أكسيد الكربون من الهروب مرة أخرى إلى الغلاف الجوي.

من المتوقع أن تقوم المنشأة بضخ أول شحنات ثاني أكسيد الكربون في عام 2025. وستكون القدرة الأولية لمشروع الشفق القطبي الشمالي 1.5 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، مع خطط لزيادة ما يصل إلى خمسة ملايين طن في المرحلة الثانية.

وتعد هذه خطوة مهمة نحو التخفيف من تغير المناخ، حيث تشير تقديرات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن تكنولوجيا احتجاز وتخزين الكربون يمكن أن تقلل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية بنسبة تصل إلى 14٪ بحلول عام 2050.

الخلافات حول تخزين ثاني اكسيد الكربون

في حين تم الترحيب باحتجاز وتخزين الكربون باعتباره وسيلة لتغيير طريقة مكافحة تغير المناخ، فإن المنتقدين يزعمون أنه يمكن استخدامه كمجرد أداة “لظاهرة الغسل الأخضر” (greenwashing)، فعل تضليل المستهلكين حول الممارسات البيئية للشركة أو الفوائد البيئية لمنتج أو خدمة ما، لتبرير الاستمرار في استخدام الوقود الأحفوري.

أحد المخاوف الرئيسية هو أنه قد يحول الأموال بعيدا عن مصادر الطاقة المتجددة، مما قد يؤدي إلى إبطاء التحول إلى مستقبل أنظف وأكثر استدامة. ويشعر أنصار البيئة بالقلق من أن صناعة النفط، التي لها مصلحة راسخة في إطالة أمد استخدام الوقود الأحفوري، قد تستخدم احتجاز وتخزين الكربون كأداة للعلاقات العامة لاسترضاء المنتقدين مع الاستمرار في ضخ الانبعاثات.

ومن المخاوف الأخرى خطر التسربات من مواقع التخزين، والتي يمكن أن تؤدي إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون مرة أخرى إلى الغلاف الجوي، مما يقوض الغرض الكامل من هذه الطريقة. ورغم أن التكنولوجيا قد تحسنت بشكل كبير، إلا أنه لا يمكن استبعاد احتمال وقوع حوادث أو أخطاء بشرية بشكل كامل. وعلى الرغم من هذه التحديات، يزعم أنصار هذه الطريقة أن لديها القدرة على إحداث تغيير كبير في الانبعاثات العالمية.

وفي نهاية المطاف، يعتمد النجاح على التوازن الدقيق بين الإرادة السياسية، والإبداع التكنولوجي، والرقابة العامة. وبينما يخطو مشروع النرويج خطواته الأولى، يراقب العالم بفارغ الصبر، على أمل أن تمهد منارة الأمل هذه الطريق لمستقبل أنظف وأكثر استدامة، بدلا من أن تكون بمثابة ستار لتغطية الأضرار البيئية المستمرة التي تلحقها صناعة الوقود الأحفوري.

المصدر

World’s first CO₂ storage service soon ready in Norway | phys.org

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
أخبار علمية

Share
Published by
أخبار علمية

Recent Posts

حلم “إديسون” يتحقق في 2026: ثورة نانوية في عالم البطاريات بقيادة العالم المصري “ماهر القاضي”

في لحظة فارقة من تاريخ العلم، ومع إسدال الستار على عام 2025، تصدّر مشهد الابتكار…

5 ساعات ago

البحث العلمي كقاطرة للجمهورية الجديدة: حصاد منظومة البحث العلمي والابتكار في مصر لعام 2025

مع نهاية عام 2025، يبرز البحث العلمي في مصر كأحد المحاور الرئيسية في استراتيجية التنمية…

3 أيام ago

وداعًا لأسطورة “الحواس الخمس”: أجسادنا “مفاعلات حسية” تعمل فيها عشرات الحواس الخفية بتناغم مذهل

تخيل أنك تستيقظ في غرفتك المظلمة تماماً. دون أن تفتح عينيك، ودون أن تلمس الجدران،…

6 أيام ago

حصاد العقول والعدسات: “نيتشر” تكشف عن الشخصيات والصور التي صاغت وجه العلم في 2025

من أعماق المحيط إلى حدود الكون: هؤلاء هم أبطال العلم لعام 2025 لم يكن عام…

أسبوع واحد ago

على خطى الاستدامة.. “علوم القاهرة” ترسم خارطة الطريق نحو “الحرم الجامعي الأخضر” وتفك شفرة “البصمة الكربونية”

في ظل تسارع وتيرة التغيرات المناخية التي تعصف بكوكبنا الأزرق، لم يعد دور المؤسسات الأكاديمية…

أسبوع واحد ago

عيد العلم المصري: من “ريشة جحوتي” المقدسة إلى منارات العلم الحديث

في الحادي والعشرين من ديسمبر، لا تحتفل مصر بمجرد مناسبة عابرة، بل تستحضر روح هويتها…

أسبوعين ago