
مصر تحتفي بكنوزها المائية: الأراضي الرطبة المصرية ذاكرة النيل وخط الدفاع الأول ضد التغيرات المناخية
في إطار احتفالات العالم بـ اليوم العالمي للأراضي الرطبة 2026، تشارك مصر بمجموعة واسعة من الفعاليات الميدانية والتوعوية تحت شعار “الأراضي الرطبة والمعارف التقليدية: الاحتفاء بالتراث الثقافي“. ولا يمثل هذا اليوم لمصر مجرد مناسبة بيئية، بل هو احتفاء بهوية “أرض النيل” التي تعد موطناً لبعض أهم النظم البيئية المائية في حوض البحر المتوسط.
تضم مصر حالياً 4 مواقع معلنة كأراضي رطبة ذات أهمية عالمية (مواقع رامسار)، وهي: بحيرات البردويل، والبرلس، وقارون، والريان. إلا أن هناك لؤلؤة فريدة تقع على الساحل الشمالي لمدينة بورسعيد تجسد شعار هذا العام بكل تفاصيله، وهي “محمية أشتوم الجميل“.
محمية أشتوم الجميل.. حيث يلتقي التراث بالطبيعة
تعد محمية “أشتوم الجميل”، الواقعة في الجزء الشمالي الغربي من بحيرة المنزلة، نموذجاً حياً للعلاقة بين الإنسان والأرض الرطبة.
- الموقع والأهمية: تمتد المحمية على مساحة تقارب 180 كم²، وتتميز بكونها محطة استراتيجية على “خط الهجرة الثالث” للطيور المهاجرة .
- التنوع البيولوجي: سجل العلماء في المحمية والبحيرة المحيطة بها أكثر من 255 نوعاً من الطيور وحوالي 150 نوعاً من النباتات المائية.
- الأثر والتاريخ: تضم المحمية “تل تنيس” الأثري، وهو مدينة إسلامية قديمة كانت مركزاً لصناعة النسيج، مما يربط الطبيعة بالتاريخ الإنساني العريق.
المعارف التقليدية في “أشتوم الجميل”
تطبيقاً لشعار عام 2026، تبرز محمية أشتوم الجميل كنموذج للحفاظ على التراث الثقافي المرتبط بالماء:
- صناعة “المشـنّـة” والحصير: يستخدم السكان المحليون نباتات “البوص” و”السمار” المنتشرة في المحمية في صناعات يدوية تقليدية توارثوها عبر الأجيال، وهي منتجات صديقة للبيئة بالكامل.
- طرق الصيد التقليدية: يعتمد الصيادون في بحيرة المنزلة على ممارسات صيد مستدامة تضمن الحفاظ على الزريعة (الأسماك الصغيرة) وتوازن المخزون السمكي.
- العمارة البيئية: ما زال بعض سكان الجزر داخل البحيرة يبنون منازلهم من مواد طبيعية (البوص والطين)، وهو نمط سكني يتناغم مع طبيعة الأرض الرطبة.
الاحتفالات المصرية في فبراير 2026
شهد هذا العام تحركاً واسعاً من وزارة البيئة المصرية وجهاز شؤون البيئة (EEAA) شمل:
- جولات رصد الطيور: تنظيم رحلات للجمهور والباحثين في “أشتوم الجميل” لرصد طيور نادرة مثل “البجع” و”البلشون الأبيض”.
- ورش عمل “التراث الأخضر“: لتعليم الشباب الحرف اليدوية المعتمدة على نباتات الأراضي الرطبة، لضمان عدم اندثار هذه المعارف التقليدية.
- مبادرات التطهير: استكمال المشروع القومي لتطهير بحيرة المنزلة، والذي ساهم بشكل كبير في تحسين جودة المياه وعودة أنواع من الأسماك البحرية مثل “البوري” و”الدنيس”.
الأهمية الصحية والبيئية للجمهور العام
لماذا يجب على المواطن المصري الاهتمام بهذه المحميات؟
- فلترة طبيعية: الأراضي الرطبة في مصر تعمل كمرشحات طبيعية للمياه، مما يقلل من نسب التلوث قبل وصولها لمصبات النهر أو البحر.
- حماية السواحل: غابات المانغروف والأعشاب البحرية في المناطق الرطبة تحمي شواطئنا من التآكل الناتج عن ارتفاع منسوب سطح البحر .
- التوازن الغذائي: توفر هذه المناطق أكثر من 40% من إنتاج الأسماك في مصر، مما يعني أنها ركيزة أساسية للأمن الغذائي.
عودة للاتزان
إن محمية أشتوم الجميل ليست مجرد مساحة من الماء والطين، بل هي “رئة” تنفس لبورسعيد ومصر بأكملها. إن الاحتفال بها اليوم هو دعوة لكل مواطن لتقدير هذه المساحات الزرقاء والجميلة، وللمجتمع العلمي لمواصلة البحث في كيفية استثمار المعارف التقليدية لمواجهة تحديات المناخ المعاصرة.

🛶 دليل الأنشطة السياحية البيئية في محمية “أشتوم الجميل“
تعتبر الفترة ما بين نوفمبر وفبراير هي “الموسم الذهبي” لزيارة المحمية، حيث الطقس المعتدل وهجرة الطيور. إليك أهم الأنشطة التي يمكنك القيام بها:
رحلة “سفاري الطيور“
تعد المحمية من أهم النقاط على خارطة هجرة الطيور العالمية.
- ماذا ستفعل؟ يمكنك استئجار قارب خشبي صغير (فلوكة) والتوغل في بحيرة المنزلة لالتقاط صور لطيور “الفلامنجو” ذات اللون الوردي الخلاب، و”البجع”، و”البلشون الأبيض”.
- نصيحة: لا تنسَ إحضار منظار (Binoculars) وكاميرا ذات عدسة زووم، وابدأ رحلتك في الصباح الباكر (الساعة 7 صباحاً) حين تكون الطيور في قمة نشاطها.
زيارة جزيرة وتل تنيس الأثري
لا تكتمل الرحلة دون العودة بالزمن إلى العصور الإسلامية.
- ماذا ستفعل؟ ستبحر إلى “جزيرة تنيس” التي تضم أطلال واحدة من أعظم مدن مصر التاريخية التي غمرتها المياه. ستشاهد بقايا المباني التاريخية و”المصانع” التي كانت تصدر الحرير والكتان للعالم القديم.
- القيمة العلمية: ستدرك كيف كان أجدادنا يعيشون في تناغم تام مع الأراضي الرطبة، وكيف تغيرت جغرافيا المنطقة عبر القرون.
تجربة حياة الصياد
تعلم الحكمة التقليدية مباشرة من أصحابها.
- ماذا ستفعل؟ شارك الصيادين المحليين في “فرد الشباك” والتعرف على أنواع الأسماك التي تشتهر بها المنزلة مثل “البوري” و”البلطي الأخضر”.
- القيمة الثقافية: ستتعرف على أسماء الأدوات التقليدية مثل “القوارب الشراعية” والأساليب الصديقة للبيئة التي تضمن عدم تدمير التوازن البيئي للبحيرة.
جولة “الصناعات الصديقة للبيئة“
اكتشف كيف تتحول النباتات المائية إلى قطع فنية.
- ماذا ستفعل؟ زيارة ورش العمل المحلية التي تستخدم “البوص” و”السمار” (نباتات الأراضي الرطبة) لصناعة الحصير والسلال اليدوية (المشنة).
- تذكار مستدام: يمكنك شراء هذه المنتجات لدعم المجتمع المحلي وتقليل استخدام البلاستيك في منزلك.
الاستمتاع بـ “تذوق الطعام البحري” على الطريقة البورسعيدية
- ماذا ستفعل؟ بعد انتهاء الجولة، لا بد من تجربة “سمك البوري” المشوي الذي يتغذى بشكل طبيعي في مياه المحمية، والذي يتميز بطعم فريد يختلف تماماً عن أسماك المزارع.
⚠️ إرشادات “الزائر الأخضر” (للحفاظ على المحمية):
- ممنوع الصيد: يُحظر صيد الطيور أو جمع النباتات أو القواقع من أرض المحمية، فهي ملك للطبيعة.
- مخلفاتك ملكك: احرص على عدم إلقاء أي بلاستيك أو فضلات في مياه البحيرة؛ فالأراضي الرطبة “كلى الأرض” ويجب أن تظل نظيفة.
- الهدوء: الطيور المهاجرة حساسة جداً للأصوات العالية، حافظ على الهدوء لتستمتع بمشاهدتها وهي تتحرك بحرية.
سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.
التعليقات :