Ad

الشارقة تدشن حقبة علمية جديدة لمواجهة “الطوفان البلاستيكي

في توقيت مفصلي يتزامن مع دخول دولة الإمارات العربية المتحدة مرحلة الحظر الوطني الشامل للبلاستيك، تحولت “الجامعة الأميركية في الشارقة” إلى منصة علمية عالمية، جمعت بين صرامة البحث الأكاديمي، وجرأة الطرح الوثائقي، وحماس الشباب، لرسم ملامح استراتيجية جديدة في مواجهة أزمة التلوّث البلاستيكي التي باتت تهدد الصحة العامة بقدر تهديدها للبيئة.

الحدث الذي نظمته منظمة “غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا  بالشراكة مع الجامعة الأميركية، وبالتعاون مع هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة ومؤسسة “غومبوك”، لم يكن مجرد فعالية بروتوكولية، بل كان “غرفة عمليات” علمية لتشريح الواقع الجديد، خاصة مع عرض الفيلم الوثائقي الصادم “بحر من البلاستيك”.

من “النفايات” إلى “الخلايا”: العلم يقول كلمته

لطالما نُظر إلى البلاستيك على أنه مشكلة “بصرية” تشوه الشواطئ، أو مشكلة “بيئية” تقتل السلاحف، لكن النقاشات العلمية التي شهدتها أروقة الجامعة اليوم ذهبت إلى ما هو أبعد وأخطر: صحة الإنسان.

في السنوات القليلة الماضية (2024-2025)، قفزت الأبحاث العلمية قفزات مرعبة كشفت عن وجود “اللدائن الدقيقة”   وهي جسيمات بلاستيكية أصغر من 5 ملم – في أماكن لم يكن ليتخيلها أحد. فقد أكدت دراسات نشرت مؤخراً في دوريات علمية مرموقة مثل Environment International و Toxicological Sciences وجود هذه الجسيمات في دم الإنسان، المشيمة، الرئتين، وحتى في أنسجة القلب والدماغ.

وتشير الأبحاث التي تم استعراض خلفياتها خلال الجلسة النقاشية، إلى أن الخطر لا يكمن فقط في وجود البلاستيك، بل فيما يحمله من “ملوّثات عضوية ثابتة” وإضافات كيميائية تعمل كمسببات لاضطراب الغدد الصماء، مما يربط التلوث البلاستيكي بزيادة معدلات الالتهابات المزمنة، أمراض القلب، ومشاكل الخصوبة .

الإمارات 2026: ريادة في السياسات البيئية

لم تأتِ هذه الفعالية من فراغ، بل تزامنت مع إطلاق المرحلة الثانية والحاسمة من الحظر الوطني على البلاستيك في دولة الإمارات، والتي دخلت حيز التنفيذ هذا الشهر (يناير 2026). هذه المرحلة تُعد الأشرس في المنطقة، حيث تمتد لتشمل حظراً شاملاً على استيراد وإنتاج وتداول معظم المنتجات البلاستيكية أحادية الاستخدام مثل الأكواب، الصحون، أدوات المائدة، وحاويات “الستايروفوم”. هذا التحرك التشريعي الحازم يأتي استجابة لتقارير بيئية مقلقة، تشير إلى أن منطقة الخليج العربي، رغم جهودها، لا تزال تواجه تحديات كبيرة في إدارة النفايات البلاستيكية التي تهدد الثروة السمكية والنظم الإيكولوجية الهشة في الخليج.

أصوات من قلب الحدث: التشخيص والحلول

توزعت النقاشات بين التحذير العلمي والتوجيه السياسي، حيث قدم المتحدثون رؤى متكاملة:

  1. البلاستيك كأزمة إنسانية شاملة أكدت فرح الحطّاب، مسؤولة حملة البلاستيك في “غرينبيس”، أن القضية تجاوزت البعد البيئي التقليدي. وقالت:

“أزمة البلاستيك هي أزمة علمية وسياسية وإنسانية في جوهرها… تُظهر الأبحاث التي يسلّط عليها الضوء فيلم ‘بحر من البلاستيك’ أنّ التلوّث البلاستيكي ليس قضية بيئية فحسب، بل يشكّل أيضًا مصدر قلق متزايد على صعيد الصحة العامة، إذ يكشف مدى تغلغل البلاستيك في أجسامنا ونُظمنا الغذائية وحياتنا اليومية”.

  • المسارات الخفية للتلوث من جانبها، ركزت الدكتورة فاتن سمارة، من الجامعة الأمريكية في الشارقة، على الجانب البحثي المعقد، مشيرة إلى أن الخطر يكمن في “المسارات الخفية”. وصرحت:

“يشكّل التلوّث البلاستيكي في البحار تهديدًا متزايدًا للنُظم البيئية الساحلية… وتكشف الأبحاث المتعلّقة بالملوّثات، مثل اللدائن الدقيقة والملوّثات العضوية الثابتة، المسارات الخفيّة التي يؤثّر من خلالها البلاستيك في الحياة البحرية وصحّة الإنسان”.

  • الآثار الصحية الصامتة في مداخلة لافتة، نبه فادي يغمور، الباحث العلمي في هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة، إلى الطبيعة “التراكمية” للضرر:

“أصبحت الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والمواد المضافة إلى البلاستيك تُكتشف اليوم داخل جسم الإنسان، مع آثار صحية مزمنة وغالبًا غير مرئية تتراكم بمرور الوقت… لا تقتصر مكافحة التلوث البلاستيكي على الابتعاد عن البلاستيك أحادي الاستخدام فحسب، بل تتعلّق بتغيير عقلية الاستخدام لمرة واحدة بشكل عام”.

  • تكامل الأدوار لخصت تاتيانا أنتونيلي أبيلا من مؤسسة “غومبوك” المعادلة الناجحة للمواجهة قائلة:

“العلم يرسّخ الأدلة، والسياسات تحدّد الوجهة، والشباب يحملون الزخم والاندفاع والابتكار، فيما تحفّز المناصرة على العمل”.

الشباب: مهندسو حلول المستقبل

لم تكتفِ الفعالية بالتشخيص، بل فتحت باب الأمل من خلال إطلاق مسابقة بيئية طلابية. تهدف هذه المبادرة إلى تحفيز العقول الشابة لتحويل “النفايات” إلى “منتجات ذات قيمة”، في تطبيق عملي لمفاهيم “الاقتصاد الدائري” (Circular Economy)، حيث يتم تصميم المنتجات لتدوم وتعاد تدويرها، بدلاً من استخدامها لدقائق والبقاء في البيئة لقرون.

نحو معاهدة عالمية

يُثبت حدث الشارقة أن المعركة ضد البلاستيك لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة بقاء صحية وبيئية. وبينما تقود الإمارات المنطقة بسياسات حظر جريئة، وتكشف الجامعات عن أدلة علمية دامغة، تبقى الأنظار متجهة نحو المفاوضات الدولية الجارية للتوصل إلى “معاهدة عالمية للبلاستيك” ملزمة قانونياً. إن الرسالة التي خرجت من الشارقة واضحة: البلاستيك الذي نلقيه اليوم، سنشربه ونأكله ونتنفسه غداً، والحل يبدأ بقرار سياسي يدعمه وعي مجتمعي وعلم رصين.

طارق قابيل
Author: طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير...

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 5]

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


أكاديمية البحث العلمي

User Avatar

د. طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير علمه وخدمة مجتمعه. وقد ترك بصمة واضحة في مجال العلوم الأساسية، وفتح آفاقًا جديدة للباحثين الشبان.


عدد مقالات الكاتب : 129
الملف الشخصي للكاتب :

التالي

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *