Ad

شم النسيم في مصر

لماذا تعد مصر أقدم دولة في العالم؟

«السلام عليك أيها الإله الأعظم إله الحق، لقد جئتك يا إلهي خاضعا لأشهد جلالك، جئتك يا إلهي متحليا بالحق، متخليا عن الباطل، فلم أظلم أحدا ولم أسلك سبيل الضالين، لم أحنث في يمين ولم تضلني الشهوة فتمتد عيني لزوجة أحد من رحمي ولم تمتد يدي لمال غيري، لم أكن كذبا ولم أكن لك عصيا، ولم أسع للإيقاع بعبد عند سيده، إني (ياإلهي) لم أُجع ولم أُبكِ أحدًا»  من كتاب الموتى، دعاء الاعتراف بالنفي.

يعود تاريخ مصر إلى ما يزيد عن 7000 عام، جذور الحضارة المصرية القديمة ترجع إلى أكثر من 6000 عام قبل الميلاد؛ عندما استقرت مجموعات مختلفة من «الصيادين الجامعين-Hunter-gatherer» في وادي نهر النيل، مكونين مدن ودويلات متعددة قامت عليهم سريعًا دولتي جنوب وشمال وادي النيل وأقامت أولى المؤسسات الحكومية المعروفة والنظم الإجتماعية والدينية والمدارس الفنية، إلا أن تاريخ السلالة المصرية الحاكمة الأولى يرجع إلى 3100 قبل الميلاد. 

لوحة الصياد من حضارة نقادة الثالثة حوالي عام 3200 ق.م

خلال هذه الفترة تم توحيد مصر العليا والسفلى في مملكة واحدة من قبل الملك «نارمر/نعرمر-Narmer»، ولقبه «مينا-Menes» ومعناها «المؤسس» بالمصرية القديمة، تمكن الملك مينا من السيطرة على طول النيل القابل للملاحة بالكامل وأسس العاصمة «ممفيس-Memphis» في موقع قريب من القاهرة الحديثة، كانت هذه السلالة الأولى من سلسلة السلالات التي استمرت في حكم مصر لثلاثة آلاف عام، حتى غزاها الإسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد، وإلى تأسيس مصر الحديثة عام 1953 بعد الثورة المصرية عام 1952.

ورغم اختلاف الآراء حول أقدم دولة في التاريخ حسب تعريف كلمة «دولة» فيمكن القول إن المجتمعات في بلاد ما بين النهرين (سومر وأوروك وأكاد وآخرون) قد تكون أقدم من حيث السكن، لكنها ظلت «دويلات-مدن/City-States» لفترة طويلة، في حين أن مصر تجاوزت مرحلة الدويلات مباشرة إلى الملكية. لذلك تعد مصر أقدم مملكة في العالم ذات كيانًا حكوميًا واحدًا موحدًا منذ أكثر من خمسة آلاف سنة وحتى اليوم.

صلاية «نارمر-Narmer» المؤسس موحد القطرين عام 3100 ق.م
صلاية «نارمر-Narmer» المؤسس موحد القطرين عام 3100 ق.م

ما هو «شم النسيم-Sham Ennessim»؟

«وما قتلت وما غدرت، بل وما كنت محرضًا على القتل، إني لم أسرق من المعابد خبزها ولم ارتكب الفحشاء ولم أدنس شيئا مقدسا، ولم أغتصب مالاً حرامًا ولم أنتهك حرمة الأموات، أني لم أبع قمحا بثمن فاحش ولم أغش الكيل. أنا طاهر، أنا طاهر، أنا طاهر. وما دمت بريئًا من الإثم، فاجعلني يا إلهي من الفائزين».

من كتاب الموتى، دعاء الاعتراف بالنفي.

«شُوْمْ إنِّسِم» باللغة المصرية القديمة والتي تعني «نضوج النبات» أو «شامو-Shamo» وتعني تجدد الحياة وهو احتفالًا سنويًا بمناسبة قدوم الربيع وموسم حصاد المحاصيل، ويأتي في شهر «برمودة» بالتقويم القبطي/المصري القديم الذي يوافق عادة يومًا بين (14 إلى 21) أبريل/نيسان، وفقًا للجداريات المصرية القديمة والسجلات المكتوبة فهو أقدم مهرجان مصري يعود تاريخه إلى ما يقرب من 5000 عام، فقد بدأ الإحتفال به منذ 2700 عام قبل الميلاد وفقا لـ «حوليات بلوتارخ-Plutarch’s Annals».

بردية نيبامون يصطاد 1350 ق.م

شم النسيم في مصر القديمة

«لم احرم الماشية من عشبها، لم اصنع الفخاخ لعصافير الإله، ولم اصطاد السمك من بحيراته، ولم أمنع المياه في موسمها، لم اقم سدًا او عائقا أمام الماء الجاري، لم اطفي نار مشتعله» -من كتاب الموتى، دعاء الاعتراف بالنفي.

اهتم المصري القديم بالطبيعة والنيل واعتبرها جزء من ممتلكات الآلهة كما نرى من صلوات ماعت وكتاب الموتى، لذا ليس من الغريب أن يحتفلون بقدوم الربيع وازدهار الطبيعة من حولهم.

احتفل المصريين بما يسمى «الانقلاب الربيعي» في اليوم الذي يتساوى فيه الليل والنهار، يجتمعون في ليلة الرؤية السابقة لشم النسيم أمام الواجهة الشمالية للهرم قبل الغروب ليشهدوا غروب الشمس فإذا انقسم وجه الهرم الأكبر الشمالي لقسمين متساويين طوليًا، يبدأ الكهنة وكبار رجال الدولة الاحتفالات الدينية بالقوارب الشمسية المزينة هدية للنيل، ثم يقرعون الطبول ويغنون أغاني الربيع وتجدد الحياة في المعابد.

وفي اليوم التالي يبدأ الاحتفال الشعبي بأن يهدي الأزواج زوجاتهم زهور اللوتس صباحًا رمزًا إلى نسائم الربيع والجمال والتقديس، ثم تتزين الفتيات بعقود الياسمين، وتكتحل النساء والرجال ليظل نظرهم قويًا طوال العام ويحمل الأطفال سعف النخيل المزين بالألوان والزهور.

بعدها تتجه الأسر المصرية إلى  المعابد لحضور الإحتفالات والاستمتاع بالرقص على أنغام الناي والمزمار والقيثارة تصاحبها دقات الطبول و الدفوف والأغاني والأناشيد الخاصة بالربيع، ثم يبدأ تلوين البيض رمز الحياة وإهدائه لبعضهم البعض ويحملونه أثناء الصلاة من أجل حسن الحظ والسعادة وكان الأعتقاد أن الذي لم تكسر بيضتهُ سيحقق إله الشمس رغبات قلبه.

بعد ذلك تتوجه الأسر إلى ضفاف النيل والحدائق الخضراء لقضاء اليوم وتناول الفسيخ والرنجة والسردين (السمك البورى المملح أو المجفف) رمز لتقديس النيل وخيراتهُ، والخس والبصل الأخضر والحمص الأخضر (الملانة)؛ لاعتقادهم أن هذه المأكولات تقيهم الأمراض وبعضها مقدس مثل الخس.

شم النسيم في مصر الحديثة

مازال شم النسيم عطلة وطنية مصرية أحتفالًا ببداية فصل الربيع، ويحتفل به جميع المصريين بغض النظر عن أديانهم ومعتقداتهم بنفس طريقة المصري القديم من تلوين البيض بألوان الطعام الطبيعية مثل قشر البصل والكركم والبنجر والباذنجان وما شابه، ثم الخروج للحدائق والمنتزهات وضفاف النيل وأكل الفسيخ والرنجة والملوحة والسردين والبصل والخس والملانة.

ورغم أنه اليوم لا علاقة له بالأديان الحديثة إلا أنه بعد تنصير مصر أصبح العيد مرتبطا بموعد عيد الفصح المسيحي ويقع دائما يوم الاثنين التالي لعيد الفصح المسيحي الشرقي حسب تقاليد الأقباط الأرثوذكس المصريون، حتى بعد الفتح الإسلامي استمر المصريين في الاحتفال في نفس اليوم وبنفس تقاليدهم وعاداتهم.

تاريخ البيض الملون

رغم أن تاريخ البيض الملون يعود على الأرجح إلى عيد شم النسيم في مصر إلا أنه موجود في العديد من الثقافات في جميع أنحاء العالم! فالبيض يرمز إلى الحياة الجديدة والخصوبة والميلاد منذ آلاف السنين.

على سبيل المثال قام الفرس بتزيين البيض في عيد النوروز وهو بداية السنة الإيرانية الجديدة التي تبدأ مع الاعتدال الربيعي، وقبل ذلك لون المصريين في فترة ما قبل الأسرات -منذ أكثر من ستة آلاف عام- بيض الدجاج والنعام، ومثلوا بيض النعام بالذهب والفضة ووضعوه في قبورهم رمزا لإعادة البعث والميلاد، وكذلك الثقافات المبكرة لبلاد الرافدين والسومريين وجزيرة كريت، فهناك بيض نعام مزين في قبور السومريين منذ خمس آلاف عام.

بيض الفصح المسيحي

يمكن إرجاع عادة بيض عيد الفصح المسيحي إلى المسيحيين الأوائل في بلاد ما بين النهرين، ومن هناك انتقل هذا التقليد إلى روسيا وسيبيريا من خلال الكنائس الأرثوذكسية، وفيما بعد إلى أوروبا من خلال الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية.

واعتُمدت هذه العادة رسمياً من قبل الكنيسة المسيحية التي عدت البيض رمزا لقيامة يسوع، وأصبح تلوين البيض محبوبا بشكل خاص في الكنائس الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية الشرقية حيث يتم صبغ البيض باللون الأحمر لتمثيل دم يسوع المسيح الذي أريق على الصليب، ويبارك الكاهن بيض عيد الفصح في نهاية الصلاة ويوزعه على المصلين.

كما تمثل القشرة الصلبة للبيضة قبر المسيح المختوم، وكسر القشرة يمثل قيامة يسوع من الموت ومن قبره الفارغ، علاوة على ذلك فإن المسيحيين يمتنعون عن أكل البيض واللحم خلال الصوم الكبير، وعيد الفصح هو أول فرصة لتناول البيض بعد فترة طويلة من الامتناع.

يتم صبغ البيض باللون الأحمر لتمثيل دم يسوع المسيح الذي أريق على الصليب
يتم صبغ البيض باللون الأحمر لتمثيل دم يسوع المسيح الذي أريق على الصليب

البيض الملون حول العالم

الآن نجد المحلات مليئة بيض عيد الفصح المنمق في جميع أنحاء العالم ويقدم هديا للعائلة والأصدقاء، وكل دولة لديها تقاليد خاصة ببيض عيد الفصح فعلى سبيل المثال:

  • في ألمانيا: يتبادل الناس بيض عيد الفصح يوم الخميس بدلا من يوم الأحد المسيحي والاثنين المصري، و يلونون البيض بصبغات طبيعية مثل المصريين.
  • وفي لبنان: يغلى البيض ويزين بالأصباغ الصناعية ويتم استخدامه لتزيين المنزل.
  • وفي بعض البلدان مثل أوكرانيا، وصربيا، واليونان، وبلغاريا ومقدونيا مازال بيض عيد الفصح يلون بالأحمر رمزا لدماء المسيح المسألة على الصليب.
  • في غوا في الهند، بيض عيد الفصح مصنوع من حلوى سكرية تسمى المرزبان ويأكلون معها طعاما كاثوليكيا هنديا يسمى الجواني.
  • وفي كثير من الدول الأوروبية ولا سيما بريطانيا: بيض عيد الفصح المصنوع من الشوكولاته هو الأكثر شهرة، ويتم تبادله كهدايا، حيث يباع ما يقرب من 80 مليون بيضة من الشيكولاتة في عيد الفصح في بريطانيا وحدها!
شم النسيم في مصر، فكيف تحتفل أنت بعيد شم النسيم والفصح في بلدك؟
فكيف تحتفل أنت بعيد شم النسيم والفصح في بلدك؟

فكيف تحتفل أنت بعيد شم النسيم والفصح في بلدك؟

المصادر:

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


تاريخ تراث

User Avatar

Dina Fawzy

Art historian, Writer, Teacher, and Science enthusiast. with a deep love for both teaching and learning, here Researching and waiting for great things to be discovered, and exciting changes to happen in the world of Art, Science, and Technology.


عدد مقالات الكاتب : 32
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق